ماذا يمكن أن يفعل الرقباء في الإبداع إذا وجدوا عليهم رقيباً آخر؟ وما هو الموقف إذا كان الرقيب ذاك الكائن الهلامي الخفي المسمى بـ"الرأي العام"؟ باختصار هذا هو جوهر أكبر أزمة رقابية شهدتها السينما المصرية قبل خمسين عاماً بالتمام، والتي بسببها أحيلت رئيسة الرقابة وبعض موظفيها إلى النيابة لأنهم تجرأوا وأجازوا عرض ما اعتبره كثيرون الفيلم الأجرأ في تاريخ السينما العربية. ففي آب/أغسطس1976، انعقدت الدورة الأولى لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي وسط حفاوة بالغة أحاطت ضيوف المهرجان، كأحد مظاهر الانفتاح على الغرب في أعقاب تحول الدولة نحو الرأسمالية الغربية زمن الانفتاح الاقتصادي الذي شهدته مصر السادات منذ منتصف السبعينيات.
ووفقاً للشروط المهرجانية التي وضعها الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام، والذي استظل به المهرجان الوليد، فقد مثّل مصر في المسابقة الرسمية -من دون المرور على جهاز الرقابة- فيلم "المذنبون" قصة نجيب محفوظ، وسيناريو وحوار ممدوح الليثي، وإخراج سعيد مرزوق في رابع تجاربه الإخراجية بعد أفلامه المهمة: زوجتي والكلب، الخوف، وأريد حلاً. سردية الفيلم تقوم على اتهام مجموعة من الأفراد بقتل ممثلة شهيرة، فبات لزاماً على كل منهم إثبات أين كان وقت وقوع الجريمة، ليتكشف لجهات التحقيق أنهم جميعاً مدانون في قضايا أخرى، غير مقتل الممثلة التي أدت دورها سهير رمزي نجمة إغراء السبعينيات. حظي الفيلم بتقدير لافت من جانب لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وفاز عنه الممثل الكبير عماد حمدي بجائزة أفضل ممثل في تلك الدورة، وفاز الفيلم بجائزة اتحاد المنتجين ونال مخرجه سعيد مرزوق جائزة الإخراج، فكان ذلك أكبر دعاية يتمناها أي فيلم قبيل العرض التجاري الذي حُدد في 23 أيلول/سبتمبر 1976 بعدما أجازته الرقابة على المصنفات الفنية مع إبداء مجموعة من الملحوظات.
لكن المدهش حد الضحك أنه بعد 17 أسبوعاً على بدء العرض التجاري، وبعد تصدير نسخ الفيلم إلى الخارج، أصدر وزير الثقافة المصري في ذلك الوقت جمال العطيفي، قراراً غريباً بمنع عرض الفيلم ومصادرة نسخه، وحجب تصديره خارج مصر لأنه ينطوي على تشويه لوجه المجتمع المصري وتدمير قيمه وتقديمه على أنه مجتمع استشرت فيه كل قيم الفساد والانحلال وتعرض لمؤسسات قومية بالاسم مثل المجمعات الاستهلاكية وشركة التأمين الأهلية، وعرض ذلك كله في إطار من المشاهد الجنسية الجريئة، وهذا كله أضر بنفسية العاملين المصريين في الخارج بعدما سُمح بتصديره.
ولم يكتف الوزير بحجب عرض الفيلم، بل شكّل لجنة للبحث في أمره ضمت كلاً من د.أحمد خليفة رئيس المركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية آنذاك، د.سهير القلماوي عضو المجلس الأعلى للفنون والآداب، والصحافية أمينة السعيد رئيسة مجلس إدارة دار الهلال، وأستاذ القانون د.عبد الأحد جمال الدين الذي تولى لاحقاً رئاسة المجلس الأعلى للشباب والرياضة، بالإضافة إلى الكاتبين الكبيرين د.مصطفى محمود ود.يوسف إدريس، وشيخ المخرجين أحمد كامل مرسي. وخرجت تلك اللجنة بكلام إنشائي وفضفاض من قبيل أن السينما يجب أن تكون فناً هادفاً، وإن الأهداف التجارية أو الاقتصادية يجب ألا تكون على حساب هدم القيم الاجتماعية.
وكان طبيعياً أن تدافع السيدة اعتدال ممتاز، رئيسة الرقابة على المصنفات الفنية، عن موقف الجهاز الذي ترأسه، فأكدت أن الرقباء أجازوا عرض الفيلم بعد التأكيد على مجموعة من الملاحظات الرقابية، الأمر الذي لم يلتزم به منتج الفيلم إيهاب الليثي أو صالات السينما التي عرضت الفيلم. وفي يقيني أن ممتاز كانت على حق، فقد اطّلعت بنفسي على ملف الفيلم في جهاز الرقابة، المرقّم 230/75، والذي أجاز عرض الفيلم مع حذف المشاهد واللقطات التالية:
الفصل الأول: عبارة "شدّ يا عم وانبسط واتونون" التي قالها توفيق الدقن لعماد حمدي للتدليل على تعاطي المخدرات.
الفصل الثاني: عبارة "سنة واحدة إعارة وتجيب لك الطاووس"، كناية عن الغناء السريع، ورد عماد حمدي بالقول "ده أنا بقالي 30 سنة مش عارف أجيب جزمة"، وحذف جملة على لسان توفيق الدقن أثناء مشاركته في حلقة صوفية " إنت ريحتك فايحة قوي" دليل على تعاطيه الخمر.
الفصل الثالث: حذف ما يشير إلى أن الفتاة طالبة جامعية، وحذف سخرية طالبة أخرى من كلمة "مودموزيل" مصحوبة بضحكة مستهترة.
الفصل الرابع: حذف لقطة للفتاة وهي تجلس على السرير وتفتح ساقيها بشكل مخل.
الفصل الخامس: حذف لقطة سمير غانم في الحفلة وهو يمسك عورته ويسقط البنطلون، وحذف كامل لمشهد اللقاء الجنسي بين سهير رمزي وعادل أدهم والأصوات المصاحبة له، وحذف الصورة المكبرة للصورة العارية على الحائط، وتخفيف مشهد اللقاء الجنسي بين سهير رمزي ويوسف شعبان بإظلامه بحيث لا يظهر منه شىء.
ورغم هذه التوضيحات من جانب الرقابة، وإرضاءً للرأي العام، أصدر الدكتور العطيفي وزير الثقافة والإعلام، القرار الوزاري رقم 624، بإحالة ملف الفيلم للنيابة الإدارية لتحديد مسئولية من تعامل مع الفيلم في كل مراحله، من أول السيناريو وحتى إجازة عرضه وتصديره، ومنع مشاهدة الفيلم للأحداث الذين تقل أعمارهم عن 16 سنة، ووقف تصدير الفيلم إلى السودان وسوريا وغيرهما من البلاد العربية التي لم يتم تصديره إليها بعد، حتى يتم تنفيذ قرارات الرقابة بالحذف، ومنع تصدير نسخ إضافية إلى أي قُطر سبق وتم تصديره إليه، وتشكيل لجنة استشارية لمعالجة تشوهات قوانين الرقابة. وعلى ضوء ذلك، أصدر الوزير القرار الشهير رقم 220 لسنة 1976 بتغليظ لوائح الرقابة على المصنفات الفنية.
واستمرت مهزلة فيلم "المذنبون"...إذ اجتمعت اللجنة الاستشارية، برئاسة الكاتب سعد الدين وهبه، في الأول من حزيران 1979، أي بعد ثلاث سنوات على بداية الأزمة وارتأت أن عرض الفيلم لمدة 17 أسبوعاً في صالات السينما، وتصديره إلى كثير من الدول العربية وغير العربية، لم يعد مجدياً معه منع عرض الفيلم، ومن ثم أوصت بإعادة عرضه مع تنفيذ الملحوظات التي كانت الرقابة قد أبدتها في بادئ الأمر.
ورغم أن هذا القرار كان كافياً لتبرئة ساحة موظفي جهاز الرقابة، فقد استمرت إجراءات محاكمتهم، وصدر قرار النيابة الإدارية (الذي اطّلعت عليه) بالإحالة إلى المحكمة التأديبية لكل من: اعتدال ممتاز وعلية فريد وفاطمة عبد الحميد السراج ومصطفى أحمد أبو النصر وعفاف عبد العزيز ومحمود كامل أبو زيد وسوسن طلعت النشار ويسري عبد الحكيم وأفكار إبراهيم، وغيرهم. وقد التقيت منذ سنوات بالسيدة سوسن طلعت التي أكدت لي أن تلك المحاكمة استمرت حتى العام 1981 وانتهت إلى تغريم معظم هولاء بمبالغ لا تتعدى المئة جنيه مصري، بمن فيهم رئيسة الرقابة اعتدال ممتاز التي كانت قد أحيلت قبل صدور الحكم إلى التقاعد عند وصولها إلى السن القانونية في العام 1977، وليس كما ذكر بعض المصادر بأن إحالتها للتقاعد كان عقوبة لها على التصريح بعرض "المذنبون".
هكذا، فإن ملف فيلم "المذنبون" في جهاز الرقابة، والذي أعدت قراءته بمناسبة خمسين عاماً على عرضه في 23 أيلول 1976، انطوى على تناقضات كثيرة، وتسببت طريقة التعاطي معه في تغليظ لوائح الرقابة، وإحالة مسؤوليها إلى المحكمة التأديبية والحكم بإدانتهم وترك منتج الفيلم الذي تلاعب بالنسخ المعروضة من دون أى إدانة أو محاكمة، وهذا كله من أجل إرضاء الرقيب الخفي المسمّى بالرأي العام.




