يقدّم الشاعر اللبناني يوسف بزي في مجموعته الجديدة "الشمس كلها في وجهي"، الصادرة عن دار رياض الريّس في بيروت، ما يشبه جردةً أخيرة لزمن انقضى. فالكتاب لا يستعيد الماضي بقدر ما ينثر خلاصاته، ويعلن نهايته بهدوء من يعرف ألّا جدوى من الرثاء. القصيدة هنا تعمل على مستوى واحد، تستجمع فيه الذات نفسها وتلمّ شملها من تواريخ وحقب ومشاريع ذهبت هباءً، ثم تنصرف إلى تقييم شامل لما بقي بعد الانهيار.
يبدو الشعر في هذا الكتاب كلاماً يصدر عمّن يستفيق من حياة مضت، ويحاول أن يتذكّر ما كان عليه الحال قبل النوم. الحياة السابقة تتراءى أحلاماً انقلبت كوابيس لحظة الاستفاقة، واللغة تتقدّم بحذر، كمن يتحسّس جسده والمكان من حوله في العتمة الأولى للصحو. وما تكشفه هذه اللغة هو نهاية صورة لبنان نفسها: سقوط مدوٍّ لحمولاتها المتراكمة على ظهر مكسور، وتبعثر حطامها أمام عيني الشاعر. فبيروت، المدينة التي صنعت جسده بوصفها مختبراً للمتع والغواية والحرية انتهت، والمشاريع كلها صارت بقايا تمرّ على جسد لم يعد يعرف ما يفعل بها.
في هذا المشهد يتخذ الحب معنى مختلفاً. لم يعد مغامرة ولا وعداً، بل صار ما يترسّب من الفشل بعد أن انتهت المغامرات وانطفأ الأمل. واللذة بدورها تتضاءل حتى تصير رشّة ملح على وجبة في حاضر يشبه الوقت الميت. أو لحظة استجمام وجودية أمام البحر مع "جيران الصيف" الغرباء، تتبدى فيها غُربة الشاعر في الإقامة بين الطوائف. هناك يظهر الحبيبان جسدين يتفيّآن بالأنقاض على شاطئ في الجهة التي نجت من الأعطاب المباشرة، بينما "البلد كله في سيارة إسعاف". الصورة بليغة في اقتصادها: لا كارثة معروضة هنا، بل بلد بأكمله في حالة إسعاف دائمة، واثنان يجلسان على حافته.
من هنا تصبح الضآلة والانحسار علامة النجاة الوحيدة الممكنة. النجاة في هذا الكتاب احتفال كئيب بما تبقّى من أيام، نجاة لا تفتح باباً على المستقبل، بل تكاد تستحيل معها فكرة استقباله. القصائد أقرب إلى تقرير يكتبه من بقي بعد الإعصار، تقرير يُظهر كيف انتهت الصورة التي كانت للذات عن نفسها. ومع ذلك تبقى في النصوص كائنات أخرى، أولئك اللواتي ما زلن يضفين شيئاً من الملامح على ذاكرة خاسرة؛ ذاكرةِ ما كان ولم يستطع أن ينتقل إلى ما بعده، فظلّ يدور في لحظة جثوم أمام الهباء. كأن الشاعر يقيم في المقلب الآخر من الخريطة، حيث يتعثّر الحاضر أمام ماضٍ تهدّم في الجهة المقابلة.
لهذا لا يحتمل هذا الشعر احتفالاً. إنه يشبه عودة القصيدة إلى حدود الممكن، وتصالحها مع الشروط الموضوعية بعد زمن طويل من التطلّع إلى ما يتجاوزها. الحياة صارت عيشاً بعد أن كانت حلماً، والمسافة بين الكلمتين هي المسافة التي يقطعها الكتاب كله. ولا يسعى بزي إلى غنائية تستدرّ التعاطف أو تطلب المواساة؛ فنبرته أقرب إلى الإقرار: هكذا هي الحال. لا احتجاج ولا نحيب، بل نظرة مباشرة إلى الحطام، كمن يستقبل الشمس كاملةً في وجهه ولا يشيح عنها.
وربما تكمن قوة الكتاب في هذا الامتناع تحديداً. فبدل أن يرفع الخراب إلى مرتبة الملحمة أو يحوّله إلى مرثية، يتركه على حاله، ويجلس الشاعر مع حبيبته داخل القصيدة كناجيَين بلا أمل، لا ينتظران شيئاً، ويكتفيان بأنهما ما زالا هنا. وفي زمن لبناني تكاثرت فيه الكتابة عن الانهيار، يقدّم "الشمس كلها في وجهي" صوتاً خافتاً ومتقشّفاً، يعرف أن ما تبقّى قليل، ويعرف أيضاً أن هذا القليل هو كل ما يمكن قوله بصدق.




