(شذرات على هامش الإبادة)
الفلسطيني ليسَ وحيداً في المنفى. ثمة آخرون معه في ذلك. اللبناني الشقيق الذي غادر بلده ولم يعُد يعرفُ لو كان سيعود. السُّوريُّ حاملاً حربهُ ومدنَه في هاتف. والأخُ العراقيُّ الهائم منذ عقودٍ ولا نهايةَ لمحنته، وعنوانه وطنٌ قديمٌ. نعم، الفلسطيني ليسَ وحيداً في المنفى. كثرٌ معه يحملون هذا الصَّليب!
▪▪▪
سنوات ثلاث على الإبادة. ومن الصَّعب أن نضحكَ من دون أن نسأل أنفسنا لو كان يحقُّ لنا أن نضحَك. أن نذهبَ مثلاً إلى البحر أو أن نشتري كتاباً، وربما لو قدِّرَ لنا أن نقع في الحبّ. بينما هناك من لا يعرف إن كان سيجدُ ماءً أو سقفاً أو مكاناً آمناً لينام فيه. كأنَّ المأساة الفلسطينيّة تدخلُ إلى حياتنا اليومية فتفسد علينا عاديّتها.
▪▪▪
نشعرُ مع إبادةِ غزَّة. نشعرُ مع إبادة جنوب لبنان اليوم ومقتلَتُه أنّ حياتنا خيانةٌ للموتى. أنَّ فرَحنا نقيضٌ للعدالة. نشعر لوهلةٍ أننا نعيش جميعاً في حالة حدادٍ دائم. ها قد تحوَّلنا إلى كائنات محرومة من الفرح. منزوعٌ هو الفرحُ من أعماقنا. لكننا هنا، نحلمُ وندقِّقُ فيطالعُنا وجهٌ آخر. وجهٌ هو النقيضُ لكلّ المآسي هذه.
▪▪▪
مع غزَّة وأهلها اليوم نحبُّ الفلسطيني الحقيقي. نحبُّ الفلسطيني المقاوم. نحبُّ الفلسطيني الصَّامد. نحبُّ الفلسطيني الشُّجاع. البطل الفلسطيني الذي يصلحُ للقصيدة والمُلصق والخطاب. نحبُّه أيضاً ذلك الفلسطيني في وجهه الآخر الذي يريدُ حياة عادية. نتخيَّلُه ذاهباً إلى الجامعة، أو باحثاً عن عمل. مغروماً وذاهباً ليشتري القهوة. نحبُّه عارياً بلا تقديس ولا تدنيس وخالياً من الرمز.
▪▪▪
نحبُّه كما هوَ. لن نحوِّلَه إلى رمز. لن نطالبه دائماً بأن يكون أقوى. لن نطالبه بأن يصمد (وهو هكذا منذ ثمانية عقود). يكفي أن نتركَ له الخيار في أن يكون عادياً. كائناً مهزوماً ومنتصراً كما يليقُ بالبشر العاديين وبطاقاتهم المتفاوتة والمتناثرة يسرة ويمنة. نحبُّه حين يتعب. حين يخاف. حين يمرض. حين يُحِبّ. حين يكره وحين يخطئ.
▪▪▪
نحبُّه لو سارَ بنفسه وصارَ لصيقاً بالأسطورة. نحب الفلسطيني الذي تذكِّرنا قصته دائماً بقصَّتنا لدرجة أنه أضحى مرآةً لعجزنا وأسئلتنا التي نخافُ من طرحِها على حياتنا نحنُ الحيارى. الفلسطيني صورتُنا نحن كلَّما فقدنا مكاناً وفقدَ هو أيضاً شيئاً منه. صورتُنا ونحنُ نتمسَّكُ بالأشياء الصغيرة كي نثبت لأنفسنا أننا كنا هنا. صورتُنا ونحنُ نعرفُ أنَّ الماضي هو المكان الوحيد الذي يمكن للإنسانِ أن يعودَ إليه.
▪▪▪
نحنُ فلسطينيون. فلسطينيونَ في تفكيرنا بمعنى الانتصار. نقولُها ولا نعرفُ لو كانت فلسطين ستنتصر. لا نعرفُ متى، ولا حتَّى كيف! لربَّما يكفي أن تكونَ هذه الكلمة من ستة أحرف قادرة على نقلِنا إلى مشاهدَ أخرى. نكتب عن غزَّة. عن فلسطين وعن أشياء أخرى وعن مقتلتِنا الجنوبيّة. نكتبُ وفي القلب شيء من الغبار الذي راكمناه. أشياء نبحثُ عنها وأسئلةٌ تظلُّ معلَّقة فوقنا وتمشي معنا في مسيرتنا الآيلةِ إلى أين!
▪▪▪
الفلسطيني وجعٌ نعرفه. يردِّدُ اسم قريته ويعترض على حاضر يريد أن يقول له إن قريته انتهت. يحقُّ له ذلك، فتجربته وملحمته تثبتُ مطلبه الذي بقيَ حياً كلّ هذه السنوات. يحقُّ لنا أيضاً أن نفعلَ شيئاً مشابهاً. أن نقولَ إنّ قرانا المتناثرة والمدمّرة والمهجورة، منذ أبد، هي قرانا. وأشجارُها هي أشجارنا. يحقُّ لنا ذلك حتى لو لم يبقَ من القرية سوى اسمها، أو ما بقيَ من صورتِها في الرأس الأرعن.
▪▪▪
نكتبُ عن الفلسطيني وعنّا. عن الأشياء الصغيرة التي ترافقُنا في تهجيرنا وفي حلِّنا وترحالنا الأبدي. نكتبُ متَّصلينَ بكلِّ هذا القدر من الألم. لسنا عاجزين عن إيقافه. ولكن لماذا نوقفه ما دام في كلّ جرعة منه هو بصمتُنا وصوتُنا وعودُنا الأبديُّ إلى سيرتنا الأولى. نكتبُ عن الفلسطيني وعنّا ونؤرِّخُ البيت لحظة سقوطه. نصرخُ مع الأم باحثةً عن اسمها أو اسم ابنها، أمام شاشةِ العالم الملعون.
▪▪▪
نحبُّ الفلسطيني. اختبارُ عجزنا الوحيد أمام العالم. نحبُّهُ ولا نسقِطُ آلامهُ من سيرتنا. نحبُّهُ حاملاً لبيته داخل ذاكرته في وجه لعنة البشريّة وقسوتها ووجهها السَّافر الأجوف. نحبُّه غريباً، ومنفياً ومسافراً ومبتعداً ومنغمساً. نحبُّ الفلسطيني فلسطينياً. عادياً. يريدُ أن يعيش.
▪▪▪
نكتبُ عنه وعن فلسطين وعن أشياء أخرى. نكتبُ ولا نعرف كيف نقول كلّ هذه الأشياء الحميمة دفعةً واحدة. لربما نجدُ شيئاً منّا بين الكلمات الهادئة والمؤلمة. نحبُّهُ ونكتبُ عنهُ هادئاً وأميناً وبيتاً نرجوه ونعودُ إليه.




