برحيل علي زيعور عنّا في 18 أيلول الجاري، لا نخسر أستاذًا كبيرًا فحسب، ولا واحدًا من الوجوه البارزة التي اشتغلت بالفلسفة وعلم النفس في لبنان، بل نفقد أيضًا واحدًا من الأبناء الكبار لجيل من الفلاسفة كان له حضورٌ قويٌّ ومميّزٌ في الجامعة اللبنانية.
حين نتحدث عن ذلك الجيل، تحضر أسماءٌ كثيرة: موسى وهبه، ناصيف نصار، جورج زيناتي، فريد جبر، بولس الخوري، حسين مروة، مهدي عامل، وعلي زيعور، إلى جانب أسماءٍ أخرى أسهمت في تعليم الفلسفة والبحث والترجمة والتأليف. ولم يؤلِّف هؤلاء مدرسةً واحدة، ولم يكونوا متفقين على معنى الفلسفة أو وظيفتها أو علاقتها بالتراث والواقع والعلوم الإنسانية. لكنهم، باختلافهم، صنعوا شيئًا يمكن أن نسميه مشهد الفلسفة في لبنان، وكان للجامعة اللبنانية فيه موقع أساسي.
ولعل قيمة هذا المشهد أنه كان مشهدًا متعدّد الأصوات. كان فيه مَن جعل الفلسفة سؤالًا في ذاتها، ومن جعل الاستقلال الفلسفي شرطًا للنهضة، ومن وضع الفلسفة على تخوم الإيمان، ومن جعلها أداة لنقد البنية الاجتماعية والسياسية، ومن عبر بها إلى علم النفس والتحليل النفسي والثقافة والإنسان.
ومن بين هؤلاء جميعًا، يظل علي زيعور حالةً تستحق التوقف عندها طويلًا، لأن السؤال عن موقعه في هذا المشهد يقود إلى سؤال آخر: ماذا يعني أن يبقى المرء فيلسوفًا حين لا يستقر داخل حدود الفلسفة الأكاديمية وحدها؟
علي زيعور: فيلسوف لم يستقر في حقل
أكثر ما يلفت في الكتابات التي ظهرت عن علي زيعور بعد رحيله أنها تميل إلى تقديمه بوصفه عالِم نفس أو محلِّلًا نفسيًّا، من دون الإشارة إلى تكوينه الفلسفي الأساسي. غير أنّه ظل، في تقديري، فيلسوفًا حتى حين ابتعد عن الفلسفة بمعناها الأكاديمي الصرف.
وهذا لا يعني أن اشتغاله بعلم النفس والتحليل النفسي كان عابرًا أو ثانويًّا. بل على العكس، فقد كانا في صميم مشروعه. لكنه لم يدخل علم النفس لكي يصبح عالم نفس تقليديًّا، كما لم يدخل التحليل النفسي لكي يمارس التحليل في العيادة. لقد أخذ أدوات وأفاهيم من هذه الحقول ووضعها في خدمة سؤال أوسع عن الإنسان، ولا سيما الإنسان العربي.
وهنا تكمن خصوصية مشروعه. فقد كان الإنسان عند زيعور نقطة انطلاق أساسية، لكنه لم يكن موضوعًا جاهزًا يمكن للفلسفة أو علم النفس أن يضع له تعريفًا نهائيًّا. كان الإنسان يتكوّن في الحلم والأسطورة واللغة والجسد والرغبة والذاكرة والثقافة، ويتقاطع فيه الواعي واللاواعي، الفردي والجماعي، التاريخي والرمزي.
من هنا جاء اشتغاله على "التحليل النفسي والأناسي للذات العربية"، وعلى الحلم والأسطورة والتصوف والنرجسية والجسد واللغة والثقافة، وعلى ما يختبئ في الذات العربية من جراح وتوترات ورغبات ومناطق لاواعية.
لذلك لا أراه عالم نفس بالمعنى الذي يمكن أن يستنفد مشروعه، ولا محللًا نفسيًّا بالمعنى المهني الذي تحدده ممارسة التحليل في العيادة. كان أقرب إلى فيلسوف يستعمل التحليل النفسي وعلم النفس والأنثروبولوجيا والتاريخ والثقافة من أجل أن يقترب من سؤال الإنسان.
ومن هذه الزاوية يمكن أن نعقد، مع اختلاف السياق والمشروع، مقارنة مفيدة مع جيل دولوز وفليكس غتاري في "الرأسمالية والفصام". فهما لم يأخذا التحليل النفسي باعتباره حقلًا مغلقًا، بل أدخلاه في مشروع أوسعَ يتعلق بالرغبة والمجتمع والرأسمالية والإنتاج والذات. وكذلك فعل زيعور، بطريقته، حين نقل التحليل النفسي من العيادة إلى مجال الذات العربية في تاريخها وثقافتها وأحلامها وأساطيرها.
هكذا بدا أنّ زيعور لم يستقر داخل الحقل الفلسفي استقرارَ موسى وهبه مثلًا، ولم تستقر صورته داخل علم النفس استقرارَ عالم النفس الذي تنتمي أعماله بوضوح إلى التخصص ومؤسساته. بقي بين الحقول، أو عند تخومها، وكان هذا الموقع نفسه جزءًا من خصوصية مشروعه، وإن جعل تصنيفه أكثر صعوبة.
وربما لهذا السبب، لم يُدرج كتاب "الفكر الفلسفي المعاصر في لبنان"، الذي ضم عددًا من أبرز الأسماء الفلسفية اللبنانية، اسم علي زيعور بين الأسماء التي تناولها. وهذه واقعة تطرح، على الأقل، سؤالًا عن موقع زيعور في خريطة الفلسفة اللبنانية وكيف جرى تصنيفه داخلها: أين نضع مفكرًا وكاتبًا كبيرًا ذا تكوين فلسفي لافت وتعليم فلسفي جامعي مديد، لكنه جعل الفلسفة تتحاور باستمرار مع علم النفس والتحليل النفسي والأنثروبولوجيا والثقافة؟
كان زيعور من كبار المفكرين اللبنانيين. وقد اشتهر بغزارة إنتاجه، بحيث امتد مشروعه إلى مجالات لم تكن مألوفة عند من اشتغل بالفلسفة في لبنان. ورغم كثرة مؤلفاته وكثافة نشاطه، فإنّ ما يبقى هو السؤال الكبير الذي كان يحرّكه.
ولعل قيمة مشروع زيعور لا تكمن في أنه أقام "أنظومة" فلسفية مغلقة بالمعنى الصارم، بل في أنه ظل يطارد سؤالًا فلسفيًّا كبيرًا في تجلياته الكثيرة: كيف تتكوّن الذات العربية، وما الذي تخفيه عن نفسها، وكيف يمكن قراءة ما يظهر فيها وما يتخفّى فيها، ما تعيه وما لا تعيه؟
من هنا لا نحتاج إلى الاتفاق معه في كل أجوبته لكي ندرك قيمة أسئلته. فالمفكر لا تُقاس قيمته فقط بما يبقى صحيحًا من أجوبته، بل أيضًا بقوة الأسئلة التي استطاع أن يجعلها ممكنة.
موسى وهبه: حين تعود الفلسفة فلسفة أولى
إذا كان زيعور قد جعل الإنسان طريقًا إلى الفلسفة، فإن موسى وهبه جعل الفلسفة نفسها موضوعًا مباشرًا للتفكير. لم تكن الفلسفة عنده مجرد تاريخ للفلاسفة، ولا ثقافة عامة في الأفكار، بل كانت السؤال الذي ينبغي أن يعود إليه الفكر كلما ظن أنه وجد لنفسه موضوعًا آخر.
ولعل تسمية وهبه لمحاضراته بـ"في الفلسفة الأولى" تختصر شيئًا أساسيًّا من موقعه الفلسفي. فالفلسفة الأولى عنده لم تكن مجرد اسم تاريخي للميتافيزيقا، بل كانت عودة إلى السؤال عن الفلسفة نفسها: ماذا يعني أن نفكر فلسفيًّا؟ وما الذي يجعل قولًا ما قولًا في الفلسفة؟ وكيف يكون القول الفلسفي بالعربية ممكنًا اليوم؟
لذلك لم يكن انشغاله بكانط وهوسرل ونيتشه وهايدغر مجرد اشتغال بتاريخ الفلسفة، بل كان عودًا دائمًا إلى سؤال الفلسفة نفسها. فإمكان القول الفلسفي بالعربية لم يكن مسألة تقنية تخص الترجمة والمصطلح، بل كان جزءًا من السؤال عن إمكان الفلسفة نفسها في الثقافة العربية.
وتكشف ترجمته لـ"نقد العقل المحض" لكانط و"المباحث المنطقية" لهوسرل عن هذا الهم بوضوح. فالمترجم، عند وهبه، لا ينقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل يواجه بنية أفهومية كاملة، ويبحث عن إمكان قولها بالعربية. ولذلك كانت عنايته بالمصطلح جزءًا من عنايته بالفلسفة نفسها؛ إذ إن السؤال عن الكلمة التي يمكن أن تحمل الأفهوم ليس منفصلًا عن السؤال عن إمكان التفكير به.
وكان وهبه أيضًا من الذين قاوموا فكرة أن الفلسفة أو الميتافيزيقا قد بلغت نهايتها. فالقول بموت الفلسفة لا يمكن، في نظره، أن يحسم حاجة الإنسان إلى السؤال الفلسفي، كما أن تقدم العلوم لا يلغي الأسئلة التي لا تستطيع العلوم، بحكم طبيعتها، أن تحسمها. وقد كان هذا الهم حاضرًا في كتاباته وفي دفاعه عن استمرار الميتافيزيقا بوصفها حاجةً إلى التفكير في ما لا تستنفده الأجوبة العلمية.
وهنا تظهر "لوثة الفيلسوف" التي كان وهبه مصابًا بها: لا يستطيع أن يفلت من سؤال الفلسفة حتى حين يترجم أو يشرح أو يقرأ فيلسوفًا آخر. كانت الفلسفة عنده لا تكفّ عن العودة إلى نفسها، وكأن كل طريق يسلكه الفكر ينتهي، في مكان ما، إلى السؤال الأول: ماذا يعني أن نفكر؟
ناصيف نصار: الاستقلال الفلسفي والنهضة الثانية
مع ناصيف نصار يأخذ المشهد الفلسفي اللبناني وجهًا آخر. فالسؤال عنده لم يكن فقط: كيف نفكر فلسفيًّا؟ بل أيضًا: كيف نفكر فلسفيًّا من موقعنا التاريخي من دون أن نتحول إلى تابعين للفلسفة التي أنتجها الآخرون؟
كان أفهوم الاستقلال الفلسفي في صميم مشروعه. لكنه لم يكن يعني الانغلاق على الذات، ولا اختراع فلسفة لبنانية أو عربية تنقطع عن الفلسفة العالمية. كان يعني، على العكس، أن ندخل إلى الفلسفة العالمية بوصفنا قادرين على التفكير، لا بوصفنا مجرد متلقين.
وهذا ما يجعل مشروع نصار متصلًا اتصالًا وثيقًا بمسألة النهضة. فالنهضة ليست عنده مجرد تحديث للمؤسسات أو استيراد لنماذج جاهزة، بل تتطلب قدرة على إنتاج فكر مستقل، وعلى تحويل الواقع التاريخي العربي إلى موضوع للتفكير، لا إلى مجرد مادة لتطبيق نظريات الآخرين.
من هنا جاءت عنايته بالتراث والمجتمع والدولة والنهضة، ومن هنا أيضًا ولِد كتابه "طريق الاستقلال الفلسفي" وما اتصل بمشروعه في النهضة العربية الثانية. فالاستقلال الفلسفي ليس استقلالًا عن العالم، بل استقلالٌ في طريقة الدخول إليه.
وإذا كان وهبه قد انشغل بإمكان القول الفلسفي بالعربية من جهة الأفهوم واللغة والممارسة الفلسفية، فإن نصار انشغل، على نحو آخر، بإمكان أن يكون لهذا القول موقع تاريخي مستقل.
وهنا تتجاور التجربتان من دون أن تتطابقا. كلاهما يرفض أن تكون الفلسفة العربية مجرد شرح للفلسفة الأوروبية، لكن وهبه يضع السؤال في صميم ممارسة الفلسفة نفسها، بينما يربطه نصار بمسألة الاستقلال والنهضة وبناء المجتمع.
وما يزيد حضور نصار أهمية اليوم أنه الشاهد الحي على ذلك الجيل. فمع رحيل زيعور، وقبله رحيل وهبه ومروة وعامل والخوري وغيرهم، لا يعود نصار مجرد اسم في تاريخ الفلسفة اللبنانية، بل يصبح أيضًا شاهدًا على زمن عاش فيه الفلاسفة اللبنانيون الفلسفةَ بوصفها شأنًا عامًا، وعلى تجربة الجامعة اللبنانية التي احتضنت هذا التعدد الفكري.
لذلك لا يمكن أن نتحدث عن المشهد الفلسفي اللبناني في الماضي بوصفه شيئًا مكتملًا أغلق صفحته. فما زال بيننا أحد أبرز وجوهه وأحد كبار صانعيه، وما زال مشروعه نفسه مفتوحًا على أسئلة لم تفقد راهنيتها: الاستقلال، والنهضة، والتراث، والمجتمع، وإمكان التفكير من موقعنا الخاص داخل عالم لا يمكن الانفصال عنه.
بولس الخوري: حين لا تغادر الفلسفة تخوم الإيمان
ويمثل بولس الخوري وجهًا آخر من وجوه ذلك المشهد، هو وجه الفلسفة حين تقف على تخوم الإيمان ولا تغادرها.
ولعل المدخل إلى فهم هذا الموقع هو الإنسان نفسه. فالإنسان، كما رأينا، كائنٌ لا يكفيه ما هو متاح له. فيه توقٌ إلى المطلق، إلى الحقيقة الأخيرة والمعنى الذي لا يعود معه شيء بحاجة إلى سؤال آخر. لكنه، في الوقت نفسه، لا يستطيع أن يمتلك هذا المطلق امتلاكًا نهائيًّا. من هنا ينشأ ذلك التوتر العميق الذي يرافق وجوده: أن يطلب ما لا يستطيع أن يحوزه، وأن يتوق إلى ما يتجاوز قدرته على الامتلاك.
من هنا يمكن فهم الإيمان بوصفه واحدًا من أقدم الأشكال التي حاول الإنسان من خلالها أن يتعامل مع هذا التوق. فالدين لا يأتي إلى الإنسان من خارج هذا السؤال الإنساني العميق؛ إنه، في أحد أبعاده، استجابة لمحاولة الإنسان أن يجد للمطلق حضورًا في حياته، وأن يمنح توقه إلى الحقيقة والمعنى أفقًا يمكن أن يسكن فيه. لكن الفلسفة لا تستطيع أن تكتفي بهذا الجواب؛ إذ ما إن يصبح الإيمان موضوعًا للفكر حتى يعود السؤال من جديد: ماذا يعني أن يؤمن الإنسان؟ وما الذي يطلبه حين يؤمن؟ وما حدود العقل في فهم ما يتجاوزه؟
وهنا بالذات يقع بولس الخوري.
فالمسألة عنده لم تكن مجرد اختيار بين الفلسفة والدين، ولا مجرد محاولة لإخضاع أحدهما للآخر. كان السؤال كيف يمكن للفلسفة أن تفكر في الإنسان والحرية والإيمان والمحدودية من دون أن تتحول إلى لاهوت، وكيف يمكن للإيمان أن يحضر في أفق الفكر من دون أن يلغي استقلال السؤال الفلسفي. لذلك لم يكن الإيمان عنده جوابًا ينبغي للفلسفة أن تكرره، ولا عائقًا ينبغي لها أن تتخلص منه، بل كان مجالًا يختبر فيه الفكر قدرته على السؤال وحدوده في آن.
وهذا ما يعطي أفهوم المحدودية أهمية خاصة في هذا السياق. فالإنسان لا يفكر من موقع المطلق، ولا يستطيع أن يحوّل الحقيقة الأخيرة إلى موضوع يمتلكه كما يمتلك الأشياء. لكنه لا يستطيع، مع ذلك، أن يتوقف عن طلبها. إن محدوديته لا تلغي توقه إلى المطلق، كما أن توقه إلى المطلق لا يرفع عنه محدوديته. ولعل التوتر بين الأمرين هو أحد أكثر المواضيع خصوبة للفلسفة.
من هنا لم يكن اعتراف الخوري بحدود العقل دعوةً إلى التخلي عن العقل، كما لم يكن دفاعه عن العقل محاولةً لإغلاق الباب أمام الإيمان. المسألة أدق من ذلك: أن نعرف ما يستطيع العقل أن يقوله، وأن نعرف أيضًا متى يصل إلى حدوده، من دون أن نحول هذه الحدود إلى عجز عن التفكير. فأن يعترف العقل بأن هناك ما لا يستطيع البرهنة عليه لا يعني أنّ عليه أن يتوقف عن التفكير فيه.
وهذا ما يجعل موقع الخوري مختلفًا عن مجرد "فلسفة دينية". فالفلسفة الدينية، إذا فهمناها بوصفها فلسفة تنطلق من أجوبة إيمانية مكتملة، قد تجعل السؤال الفلسفي تابعًا لما هو محسوم سلفًا. أما الخوري، في ما يبدو من مشروعه، فكان يريد إبقاء السؤال حيًّا في المنطقة التي يتقاطع فيها الإيمان والعقل والإنسان. لذلك لم تكن قيمة الإيمان بالنسبة إلى الفلسفة أنه يقدم لها أجوبة جاهزة، بل أنه يكشف لها عن سؤال الإنسان في أكثر صوره حدة: كيف يعيش كائن محدود وهو يتوق إلى المطلق؟
وهنا تلتقي الفلسفة مع ذلك التوق الذي يبدو أنه لا يمكن للإنسان أن يمحوه من حياته. فالفلسفة لا تستطيع أن ترويه، بالمعنى الذي يمكن فيه لشيء أن يشبع حاجةً نهائية، لكنها تستطيع أن تجعلنا نفكر في مصدره وفي أشكاله وفي الحدود التي تحكم محاولات إشباعه. وربما كان هذا أحد المعاني العميقة لبقاء الفلسفة على تخوم الإيمان: أن كليهما يصدر، بطريقته الخاصة، عن الإنسان نفسه، عن ذلك الكائن الذي لا يكفيه ما هو متاح له.
بهذا المعنى، لم يكن بولس الخوري فيلسوفًا يضع الإيمان في مواجهة العقل، ولا فيلسوفًا يذيب الفلسفة في الإيمان. كان يشتغل في المسافة التي ينفتح فيها أحدهما على الآخر من دون أن يفقد هويته. وكان الإنسان، بمحدوديته وحريته وتوقه إلى ما يتجاوز هذه المحدودية، هو نقطة التقاء السؤالين.
ولعل هذه هي قيمة موقعه في المشهد الفلسفي اللبناني: أنه أبقى الفلسفة قريبة من السؤال الذي لا يستطيع الإنسان أن يتخلص منه، حتى حين لا يستطيع أن يجد له جوابًا نهائيًّا. فالإيمان قد يعد بالإرواء، والفلسفة قد تواصل السؤال عن إمكانه، لكن الإنسان يظل ذلك الكائن الذي يتوق إلى المطلق لأنه لا يستطيع أن يكتفي بما هو متاح له.
مهدي عامل: حين ترفض الفلسفة أن تبقى فلسفةً أولى وتسأل عن شروط الواقع
وعلى الضفة الأخرى من تفلسف موسى وهبه يقف مهدي عامل. فإذا كان وهبه قد أعاد الفلسفة إلى سؤالها الأول، إلى السؤال عن معنى التفلسف وشروط القول الفلسفي وإمكانه، فإن مهدي عامل دفع الفلسفة إلى جهة أخرى: ماذا يحدث حين لا تكتفي الفلسفة بالسؤال عن شروط الفكر، بل تسأل عن شروط الواقع الذي يُفكَّر فيه؟
هنا لا تعود الفلسفة مكتفية بأن تسأل: كيف يكون القول الفلسفي ممكنًا؟ بل يصبح عليها أن تسأل أيضًا: كيف يكون الواقع الذي نقول فيه هذا القول ممكنًا؟ وما الشروط التي تنتج الأفاهيم والنظريات التي نحاول بها فهمه؟ وما الذي يجعل أفهومًا ما قادرًا على تفسير واقع بعينه، بدل أن يكون مجرد أفهوم مستعار يُسقط عليه من الخارج؟
لذلك لم تكن الماركسية عند مهدي عامل مجرد مذهب جاهز يُطبَّق على الواقع العربي، بل كانت، في صميم مشروعه، مشكلةً في كيفية إنتاج النظرية نفسها داخل واقع محدد. كان السؤال عن التبعية والبنية الاجتماعية والدولة والطائفية والاقتصاد والسياسة متصلًا بالسؤال عن الشروط التاريخية التي تجعل هذا الواقع على ما هو عليه، وعن الكيفية التي ينبغي أن يتكوّن بها الفكر القادر على فهمه.
من هنا تأتي أهمية أفهوم البنية في مشروعه. لم يكن الواقع عنده مجموعة وقائع متجاورة يمكن وصفها واحدةً بعد أخرى، بل أنظومة علاقات اجتماعية وتاريخية تتحدد عناصرها داخل بعضها بعضًا. لذلك لا يمكن فهم ظاهرة سياسية أو اقتصادية أو طائفية بمعزل عن الموقع الذي تحتله داخل هذه البنية وعن العلاقات التي تنتظمها. والواقع الذي تسأل عنه الفلسفة هنا ليس "ما يحدث" فحسب، بل الشروط التي تجعل ما يحدث ممكنًا.
وهذا ما يفسر أيضًا إصراره على العلاقة بين النظرية والممارسة. فالنظرية ليست مرآة محايدة للواقع، ولا الممارسة مجرد تطبيق لما تقوله النظرية. ثمة علاقة متبادلة بينهما: الواقع يفرض على الفكر أن يعيد النظر في أدواته، والفكر، حين ينجح في إنتاج معرفة دقيقة بالواقع، يغيّر بدوره إمكانات التعامل معه. لذلك يصبح إنتاج النظرية نفسه جزءًا من الصراع مع الواقع، لا نشاطًا منفصلًا عنه.
ومن هذه الزاوية يبدو مهدي عامل فعلًا على الضفة الأخرى من موسى وهبه، لكن ليس بوصفهما خصمين في الفلسفة. فوهبه كان يسأل عن شروط إمكان الفلسفة والقول الفلسفي، بينما كان عامل يدفع السؤال إلى ما وراء ذلك: ما الشروط التاريخية والاجتماعية التي تجعل الفكر نفسه ممكنًا؟ وإذا كان وهبه يريد للفلسفة أن تستعيد استقلالها عن كل ما ليس فلسفة، فإن عامل كان يخشى، في المقابل، أن يتحول هذا الاستقلال إلى انفصال عن الواقع الذي يفترض أن يفكر فيه الفكر.
لهذا لا يكفي أن نضع مهدي عامل في خانة "الفيلسوف الماركسي" ثم نمضي. فالمهم في تجربته ليس المذهب الذي انتسب إليه فقط، بل الطريقة التي جعل بها النظرية تواجه شروط إنتاجها، وجعل بها الفلسفة تواجه واقعًا لا يمكن اختزاله في أفكار جاهزة. لقد كان يريد للفكر أن يعرف من أين تأتي مفاهيمه، ولأي واقع تنتمي، وما الذي يجعلها صالحة للفهم أو عاجزة عنه.
وبهذا المعنى، فإن انتقال الفلسفة من "الفلسفة الأولى" إلى شروط الواقع لا يعني التخلي عن السؤال الفلسفي، بل تغيير موقعه. فالسؤال لم يعد فقط: ما الذي يجعل الفكر فكرًا؟ بل أيضًا: ما الذي يجعل هذا الفكر ممكنًا هنا، في هذا الواقع، وفي هذه اللحظة التاريخية؟
وربما لهذا يمثل مهدي عامل أحد أكثر وجوه المشهد الفلسفي اللبناني اتصالًا بمشكلة الواقع. لقد أراد للفلسفة ألا تكتفي بأن تعرف شروطها هي، بل أن تذهب إلى الشروط التي تنتج العالم الذي تريد أن تفهمه. وهنا يصبح الواقع نفسه امتحانًا للفكر: لا يكفي أن يكون الأفهوم متماسكًا في ذاته؛ عليه أيضًا أن يستطيع أن يقول شيئًا في العالم الذي وُلد فيه.
مشهد...لا مدرسة
هذه الأسماء الخمسة لا تختصر الفلسفة في لبنان، ولا يجوز أن تتحول إلى قائمة بديلة عن قوائم أخرى. فالمشهد كان أوسع من ذلك بكثير، وضمّ فلاسفة ومفكرين وأساتذة تركوا آثارًا متفاوتة في الجامعة اللبنانية وفي الحياة الثقافية العربية. وليس المقصود هنا أن نرسم خريطة نهائية لذلك المشهد، بل أن نلتقط، من خلال بعض وجوهه، تعدد الطرق التي أمكن للفلسفة أن تسلكها في لبنان.
فمع موسى وهبه تعود الفلسفة إلى سؤالها الأول: ماذا يعني أن نفكر فلسفيًّا؟ وما الذي يجعل قولًا ما قولًا في الفلسفة؟ وكيف يكون القول الفلسفي بالعربية ممكنًا اليوم؟
ومع ناصيف نصار ينتقل السؤال إلى الاستقلال: كيف يكون للفكر العربي موقعه الخاص داخل الفلسفة العالمية، وكيف يمكن للنهضة أن تكون أكثر من مجرد استقبال لأفاهيم ومذاهب صيغت في أماكن أخرى؟
ومع بولس الخوري لا تغادر الفلسفة تخوم الإيمان: كيف يفكر الإنسان في الإيمان من دون أن تتحول الفلسفة إلى لاهوت، وكيف يعترف العقل بحدوده من دون أن يتخلى عن استقلال السؤال؟
ومع مهدي عامل ترفض الفلسفة أن تبقى فلسفةً أولى وتسأل عن شروط الواقع: كيف نفكر في واقعنا من دون أن نستعير أدوات التفكير فيه استعارة جاهزة؟ وكيف ننتج النظرية في علاقتها بالبنية الاجتماعية والتاريخية التي تجعل الواقع على ما هو عليه؟
أما مع علي زيعور، فتتجه الفلسفة إلى الإنسان نفسه، لا إلى الإنسان بوصفه أفهومًا مجردًا، بل إلى الإنسان الذي يتكوّن في الحلم والأسطورة واللغة والجسد والرغبة والذاكرة والثقافة، والذي تتقاطع في ذاته مستويات النفسي والتاريخي والرمزي.
هذه ليست اختلافات في الموضوعات فحسب، بل اختلافات في كيفية ممارسة الفلسفة نفسها. فواحد يسأل عن إمكان الفلسفة، وآخر عن استقلالها، وثالث عن علاقتها بالإيمان، ورابع عن شروط الواقع الذي تفكر فيه، وخامس يجعل الإنسان، في تعدد طبقاته وتوتراته، طريقًا إلى السؤال الفلسفي.
من هنا لا أظن أن من الصواب أن نتحدث عن "فلسفة لبنانية" بالمعنى الذي يوحي بوجود أنظومة أو مدرسة واحدة. الأدق أن نتحدث عن مشهد للفلسفة في لبنان: مشهد تعددت فيه الأسئلة والمناهج والمواقف، ولم يجمع بين وجوهه اتفاق فلسفي أو مذهبي، بل جمع بينها أن الفلسفة كانت بالنسبة إليها أكثر من اختصاص جامعي.
كانوا يدرّسونها، ويترجمونها، ويكتبون فيها، ويختلفون حولها، ويجعلونها تدخل في حوار مع الدين والتراث والنهضة والواقع والسياسة والعلوم الإنسانية واللغة والمجتمع. وكان اختلافهم نفسه جزءًا من ثراء المشهد؛ إذ لم تكن الفلسفة عندهم موضوعًا واحدًا يمكن الاتفاق عليه، بل ممارسةً يمكن أن تبدأ من سؤالها الخاص، أو من سؤال الاستقلال، أو من الإيمان، أو من الواقع، أو من الإنسان.
وربما لهذا تبدو خسارة علي زيعور اليوم أكبر من خسارة أستاذ أو مؤلف.
فمع رحيله يغيب وجه آخر من وجوه ذلك المشهد الذي عرفته الجامعة اللبنانية في زمن كان للفلسفة فيه حضور يتجاوز حدود القاعة الدراسية. ولا تكمن خسارته في غزارة ما كتب فقط، ولا في عدد الكتب التي تركها، بل في الطريقة التي كان بها يمارس التفكير: أن يخرج بالسؤال الفلسفي من حدوده المألوفة، وأن يجعله يتقاطع مع علم النفس والتحليل النفسي والأنثروبولوجيا والتاريخ والثقافة، من دون أن يتخلى عن تكوينه الفلسفي.
لذلك ربما كان زيعور من أكثر وجوه ذلك الجيل تعبيرًا عن الفلسفة بوصفها طريقة في النظر. لم يكن عالم نفس يستنفد مشروعه في علم النفس، ولا محللًا نفسيًّا بالمعنى العيادي، ولا مجرد باحث في الثقافة العربية. كان فيلسوفًا، وظل فيلسوفًا، لكنه جعل الإنسان مدخلًا إلى الفلسفة، وجعل في الإنسان نفسه ما يستدعي عبور الحدود بين الحقول: بين الوعي واللاوعي، وبين الفرد والجماعة، وبين الحاضر والذاكرة، وبين الحلم والتاريخ، وبين الأسطورة والواقع.
ولعل هذا هو ما ينبغي أن يبقى من صورته بعد رحيله: لا "مفكر الجنوب" فقط، ولا "عالم النفس العربي" فقط، ولا "المحلل النفسي للذات العربية" فقط، بل علي زيعور الفيلسوف الذي جعل الإنسان، بكل ما فيه من انقسام والتباس وحلم وجرح ورغبة، طريقًا إلى الفلسفة.
لقد رحل الرجل، نعم، لكن السؤال الذي عاش من أجله لم يرحل.



