سيصبح الإنسان مثل دجاجة

محمد حجيريالثلاثاء 2026/09/22
روبوت
كأن الثورة الدجاجية واللعب بالجينات وثقافة الكورتيزون، كانت مقدمة لما سيفعله الذكاء الاصطناعي بنا
حجم الخط
مشاركة عبر

"سيصبح الإنسان مثل الدجاجة"، هكذا عنونت مجلة "المجلة" مقالاً عن علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي، وكيف يتخيل جيفري هينتون "الأب الروحي للذكاء الاصطناعي" نهاية البشرية. يقول كاتب المقال: "لا يتخيل هينتون بالضرورة نهاية البشرية في صورة روبوتات تستيقظ فجأة وتقرّر قتل البشر(راجت مشاهد كثيرة عن تمرد الروبوتات). وتحدث عن مسارات أخرى محتملة، من بينها استخدام الذكاء الاصطناعي في تنفيذ هجمات سيبرانية أو المساعدة في تطوير فيروسات قاتلة. ولهذا يستخدم هينتون تشبيها صارخاً للعلاقة المحتملة بين الإنسان وذكاء يفوقه كثيراً: الإنسان والدجاج. فالدجاج لا يستطيع فهم ما يخطط الإنسان لفعله به بسبب الفارق الهائل في القدرة على الفهم والتخطيط". 

 

والحال أننا أصبحنا في مرحلة أشد فتكاً من الأنظمة الاستبدادية، وذكّرني مشهد الإنسان والدجاج بمقالات كتبها الشاعر الراحل محمد العبدالله في ملحق "آفاق" في جريدة "الحياة"، ثم نشرها في كتاب "كيفما اتفق"(دار المسار). وفي إحدى مقالاته، يتحدث عن فظاظة الحكم الاستبدادي والنظام الحزبي المرصوص الذي كان ينحو الى جعل الجميع متشابهين في كل شيء، "كدجاج المزارع"، ويصف العبد الله، الفرّوج، في قفصه الحديدي لدى البائع (وهنا القصد هو "التدجين" الذي تتوخاه الأنظمة)، ثم لا يتوانى عن السخرية من طعم الدجاج المشوي الذي أصبح في الفم كطعم السياسة، من دون نكهة ولا لذة ولا متعة، كأنه التبن، (ولعلنا هنا نسخر بدورنا من المقالات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، بلا نكهة ولا بصمة شخصية، فهي أيضاً تشبه الفروج الذي ينمو على علف الذكاء الاصطناعي). 

 

كأن الثورة الدجاجية واللعب بالجينات وثقافة الكورتيزون، كانت مقدمة لما سيفعله الذكاء الاصطناعي بنا. يقول العبد الله عن نفسه: "أنا من جيل مخضرم من الناحية الدجاجية، عرفت الدجاج البلدي الملوّن "القرقة" والبيّاضة والفرخة والصوص والديك، لكن مع الأيام راح الفروج يفقد نكهته، والثورة الدجاجية تفقد جاذبيتها. والدجاجات جميعها بيضاء الريش". يجد العبد الله أنه خُدع بتلك "الثورة الدجاجية، التي نزعت عن الدجاج ألوانه ونكهته وحضوره وشخصيته وسيادته واستقلاله، بحجة تعميم الفائدة: "لعلّي اشعر بأننا مقبِلون، أو أننا قد بدأنا مرحلة دجاجية في ثقافتنا وفي حياتنا، حيث سيصبح الجميع بلون واحد في قفص واحد، يطلقون تلك النظرة الفارغة البلهاء، عبر زجاج المقاهي". مرحلة توحيد العلف الثقافي والفكري والسياسي، على أنقاض ذكريات طازجة، عن وطن ملوّن بلدي حر سيد مستقل.


والشيء بالشيء يذكر، قبل أيام كنت أسأل الصديق الشاعر بلال خبيز، كيف استطاع مع الشاعر علي هاني شمس الدين، وقد أصدرا كتاباً شعرياً مشتركا بعنوان "مدينتان"(دار المتوسط)، كتابة الشعر بعقلين وأربعة أيدٍ. وكانت إجابته في مكان لم يخطر في بالي: "هذا الشيء يدل على أن البشر اليوم صاروا نسخاً من بعضهم البعض. لأنهم يعيشون تحت السلطات نفسها ويواجهون تقريباً المشكلات نفسها، حتى لو كانوا من دينَين مختلفين أو من بلدَين مختلفَين. أحد أسباب هذا التماثل في المصائر والتجارب متمثل في الإضافات الآلية التي أضيفت لأجسامنا، من نجوم السينما أنفسهم عندي وعندك، وصولاً إلى بنطلون الجينز نفسه، ونوع الدخان نفسه، والسيارة التي هي أكثر من تخيل، هي نوع من القدمين الاصطناعيتين...وانتهاء بالتلفون والساعة".
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث