"الحد الأدنى": كريستال دكّاش تتحدى العِلم بالإنسانية المفرطة

محمد شرفالثلاثاء 2026/09/22
كريستال دكاش
تشهد أعمال دكاش على قوة الحفاظ على الصلة بالماضي
حجم الخط
مشاركة عبر

تعرض الفنانة كريستال دكّاش، لدى ART DISTRICT Gallery في بيروت، مجموعة من اللوحات ذات أحجام متوسطة وكبيرة. أطلقت دكّاش على معرضها تسمية "الحد الأدنى"، وهي تسمية رمزية أكثر من كونها ذات ارتباط مباشر بما نراه أمامنا من أعمال على جدران الغاليري. تعتمد الفنانة تقنية الوسائط المتعدّدة، حيث تبني طبقات من الطلاء والكولاج (القصاصات الفنية) وعمليات المحو والأسطح المكشوفة، مما يتيح لكل عمل أن يصبح سجلاً لما هو مُعلن ومُخفًى ومُتلاشٍ.

 

في هذه المجموعة، تغوص الفنانة في أوضاع الجسد البشري والعُري وحتى الإثارة الحسية، وذلك ضمن قالب ديناميكي. تركَز على ما يتبقى حين يتلاشى كل شيء آخر تقريباً: إيماءة، أو حضور، أو رابط هش، أو ذلك الشيء البسيط للغاية الذي قد يثنينا عن الرحيل.

كريستال دكاش

وإذ تستعير دكاش مراجع مستمدة من تاريخ الفن لتصبح نماذج حية، فهي تعكس قصصاً عن التفاني والسلطة والفقدان والرغبة. قصص ما زالت أصداؤها تتردد في عالمنا اليوم. تستكشف موضوعات الحب وتكلُفته، والانتظار، والاستسلام، والرغبة، وتلك الأجزاء من ذواتنا التي نتخلى عنها بصمت. ومن خلال شخصيات تبدو عالقة في حالات من التوتر والمساومة، تتناول اللوحات علاقاتنا بالجسد والسلطة والحميمية والأساطير.

 

في هذا الإطار، جسّد الفنانون، منذ بداية القرن العشرين، حيوية الحداثة بألوان نابضة بالحياة وخطوط معبرة. صوّرت اللوحات حركات الجسد كعناصر تصويرية انسيابية، بألوان جريئة ترمز إلى طاقات حيوية ولحظات استثنائية. في لوحة "تذكار موسم الأوبرا الروسية"(1909) للفنان كيس فان دونجن، تظهر راقصتا الباليه آنا بافلوفا وإيدا روبنشتاين، اللتان تجسدان شخصية كليوباترا، بألوان زاهية ومنحنيات أنيقة وتكوين إيقاعي، مستحضرةً رقة الرقص الحسية وحيوية الحياة الليلية الباريسية.

كريستال دكاش

قبل ذلك بقليل، نقلت الصور الفوتوغرافية، الحركة، من خلال صور متتابعة مهدت الطريق لاختراع السينما. لاحقًا، أتاحت تقنيات التصوير المحسّنة، التقاط الحيوية من خلال اللقطات المقربة وزوايا الكاميرا المنخفضة، مانحةً الموضوع حضورًا مهيبًا. لقد قدّرت كريستال دكّاش طاقة الحياة ولحظاتها العفوية، بحيث كان على التصوير التمثيلي، بالنسبة إليها، أن ينقل أولاً مشاعر المصور تجاه موضوعه ومحيطه، وهو شعور يمكن تلمسه في صورها لأجساد معبّرة للغاية. لقد أتاحت  العمليات الفنية، في شكل عام، مسارات فكرية محددة للمبدعين، لا سيما أولئك الذين يستكشفون التفاعل بين ضبط النفس والتحكم والتعبير. وللمناسبة، ففي بدايات الفن المفاهيمي، كان الاستديو بمثابة وسيلة للتركيز على الإبداع، انطلاقًا من المقولة الشائعة بأن كل ما يُنتج فيه هو فن، وقد تم إخفاء السياقات السردية للتأكيد على الأنشطة البسيطة والمتكررة. في أعمال أخرى، تعمل الأشكال الجسدية كمنطلقات فنية. كما يُصوَّر الجسد على أنه أسير ومُهجَّر ومُقيد بقوى مجهولة. 


تُعبِّر سلسلة الصور الديناميكية لدكاش، عن حالة جسدية وعاطفية من القوة الضعف والعجز في آن. تنظر إلى أعمالها على أنها "تسجيلات" بصرية لجهود استعادة السيطرة في ظروف لم تكن تملك فيها سيطرة حقيقية. يستكشف آخرون فكرة ذوبان الفرد في الصور، وأحيانًا من خلالها، مما يوحي بأن ما هو غير حاضر، أو غير مرئي بسهولة، لا يقل أهمية عما هو ظاهر للعيان، وغالبًا ما تتعارض القيود الجسدية مع الحقائق النفسية والعاطفية. ويمكن إيجاد تمثيلات تاريخية لهذه الحالة لدى بعض الفنانين، من خلال تفاعل الأفراد بحماس في رقصات الباروك. هنا، يمتزج النبل والانحطاط من خلال التكلف، وحب الكاريكاتير الذي يقترب من الغرابة. 


إستطراداً، يمكن القول إن تطور المفهوم العلمي للجسم، الذي اختزله الطب إلى مجرد "منتَج"، يتناقض تناقضًا صارخًا مع تطور تصوير الجسم في الفن المعاصر. يكفي أن نتذكر أن مصطلح "داء السكري الكاذب" كان يستخدمه الأطباء في مطلع القرن للتأكيد على أن بَول المرضى المصابين بهذه الحالة لا طعم له، على عكس بَول مرضى "داء السكري الحقيقي". إن استذكار هذا الأمر كافٍ لإدراك مدى المسافة التي وضعها الإنسان الحديث، بفضل التكنولوجيا، بينه وبين أجساد الآخرين. 

 

لم نعد نرى أو نلمس أو نشم أو نتذوق أو نسمع أجساد الآخرين، بل نجعلهم يلمسونها بشعاع فوق صوتي، وينظرون إليها بجهاز تصوير بالرنين المغناطيسي، ويتذوقونها بكواشف كيميائية، ويشمونها عبر مزارع ميكروبية. الحقيقة هي أن الجسد أصبح منتجَاً يُصنّع (عبر التلقيح الاصطناعي)، ويُرمّم، ويُعاد تشكيله، وفي النهاية، يُستهلك ويُتخلص منه بعد إزالة الأجزاء السليمة منه. وكأي منتَج، ليس من المستغرب أن يطالب مالكوه بتعليمات الاستخدام، ودليل الصيانة، وخدمة ما بعد البيع، بل وحتى خدمات إضافية كخيار إضافي. 

 

هذا "الجسد كمنتج" حوّل "العرض" إلى مجرد "عطل فني". تُنسى الشكوى التي يُسببها العرض. يُنظر إلى العطل على أنه مشكلة يجب حلها. وبمجرد حلها، تختفي الشكوى. حتى لو لم يكن بالإمكان إصلاح العطل، تبقى الشكوى، والتي تُصبح بالنسبة إلى مقدم الرعاية كيانًا غير ملموس، لا يملك عليه سيطرة تُذكر، لأنه "إنساني للغاية". لذلك، يضطرون إلى ابتكار مفهوم يجعل الشكوى عطلًا فنيًا. عليهم "تقنين" ما لا يملكون السيطرةعليه، وبذلك، يُطَمئنون أنفسهم. لقد ابتكر الإنسان الرعاية التلطيفية، وعَقلَن ما كان فلسفياً، وجعل ما كان إنسانياً تقنياً، ووضع سلوكيات شبه مدونة في مواجهة "نهاية الحياة".

كريستال دكاش

تشهد أعمال دكّاش على قوة الحفاظ على الصلة بالماضي، وذلك بالرغم من العنف الذي عانته تلك المجتمعات في مسيرة بناء الأمة. فالغياب يُوحي بالحضور، لا سيما القوة والدور المحتمل الذي ما زالت هذه الأعمال الفنية قادرة على أدائه لمن يسعون إلى دراسة المظالم التاريخية حيناً، أو المنجزات الكبرى حيناً آخر. تُعيد كريستال دكّاش صياغة المراجع المستمدة من تاريخ الفن لتصبح نماذج حية. القامة البشرية، في وضعية الجلوس والحركة، المقتبسة من "يوم القيامة" أو "الحكم الأخير" لميكال أنجلو هي، في حد ذاتها، لحظة فنية تاريخية، لكنها ترتبط بالحاضر من خلال ما نشهده من أزمات تبدو وكأنها لن تنتهي إلاَ يوم القيامة، كتتويج لهذا المخاض الدراماتيكي. قامات أخرى مقتبسة من "كنيسة سكستين" في الفاتيكان، أو بالأحرى من سقفها الذي رسم ميكال أنجلو عليه المقاطع التوراتية، مستلقياً على ظهره سنوات أربع. ما من شك في أن الفنانة تظهر ميلاً للقامات المنحوتة رسماً، على طريقة الفنان الأسطوري الإيطالي. 


في أعمال دكَاش، يكمن جوهر التناقض بين مفهوم "الجسد كمنتج" من منظور علمي، ومفهوم "الجسد كإنسان" من منظور فني. وفي الجمع بين هذين المصطلحين، تقدّم لنا أعمالاً فنية معاصرة كصورة "مُفرطة في الإنسانية" للجسد، بالقوة نفسها التي يقدم بها العلم صورة "مُفرطة في المنتَج" لأجسادنا. وللتأكد من ذلك، يكفي أن ننظر إلى كيف اكتشفنا مؤخرًا (أخيرًا!؟) فك شفرة جينومنا بالكامل، وهي خريطة تُعرض لنا على أنها المصفوفة التي نُمثل فيها جميعًا "منتجات"، أو حتى "منتجات متشابهة"، مع تجاهل تام للتنوع. لم يعد ما يُحدد هويتنا هو ما نحن عليه، بل مصفوفة سنضطر يومًا ما إلى إتقانها.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث