هي مفارقة أن يُدرِج المرء نفسه في متعة مرهقة لأربع وعشرين ساعة، لا سيما أن هذا الإدراج تراه ساقني إلى قناعة مفادها أن حياة كل منا، نحن البشر، ما هي في حقيقة الأمر، إلا حكاية مجهولة التفاصيل والمآلات، وما علينا إلا التحلي بأقصى درجات الحيطة والحذر إزاء المؤلف السري لهذه الحكاية التي لا نملك إلا وهم الوعي بها إلى حدّ يثير الغثيان. فالشخصية الرئيسة في رواية "في قبوي" لدوستويفسكي، تملك من وجاهة القول ما يعزز حقيقة أن الإنسان لا يتجاوز كونه مسماراً في آلة لا يعرف من أمرها شيئاً، كما جاء حرفياً في هذا العمل الروائي المرهق إنما الممتع إلى حدّ التشبّث بدوستويفسكي في كل آن.
في رسالة إلى شقيقه ميشيل، قال الروائي الروسي إنَّ صياغة "في قبوي" أصعب مما تخيّل بكثير، ونحن مع هذا العمل إزاء ما قد اعتُبر من قِبل جملة من النقاد، المفتاح الرئيس لولوج عالم دوستويفسكي الشاسع والموارب والمتعرّج... الظليل. ثمة من هؤلاء النقّاد من كتب أن الخجل من الانتماء إلى الجنس البشري، عقب وفاة دوستويفسكي بعقود وعقود، وصولاً إلى القرن العشرين، إن الخجل من هذا الانتماء قد اتّخذ أبعاداً أشدّ جهامة من تلك التي تنبّأ بها صاحب "الجريمة والعقاب" و"الشياطين" و"الأخوة كارامازوف" و"في قبوي" وغيرها الكثير (جورج شتاينر). إلا أن تمعّن قارئ آخر في المتن الدوستويفسكي العميق، أدّى به إلى القول أن دوستويفسكي لن يكفّ عن كونه معاصراً على الدوم، ومن أبرز تجليات معاصرته لما تلاه من أجيال ذلك الأربعيني المريض في ذلك القبو اللعين، في ذلك القبو الذي يخنق الصدور (رينيه جيرار).
وأنا أكمل لأقول في هذا السياق، في ذلك القبو الذي هو تمثيل مجازي هائل لعالم البشر بالإجمال. فذلك القبو الذي قد بثّنا إياه دوستويفسكي عبر رجل الأربعين عاماً، والذي يعاني مرض فرط الإدراك، هو العالم في وضوح تجلّيه بلا مواربة أو طبطبة كاذبة فوق تفاؤل بشري مهزوز.
لا مفر من القول إن الانتماء إلى العالم الكتابي لهذا الروائي الذي، بحسب التقويم الغريغوري، وُلد في 30 تشرين الأول ("دوستويفسكي"، كتاب جماعي، تحرير رينيه ويليك) (يوم مولدي بالتحديد)، ينطوي – هذا الانتماء – على نمط مضطرب من المازوشية وإرهاق الأعصاب. إذ ليس من يُسر الأمور أن يُدرٍج المرء ذهنه في مغبة جملة من التخبّطات التي تعمل على الارتقاء بالتشاؤم، وبشكل خاص بالجنون، على أن يكونا فناً أرقى من أي أنماط أخرى من الفنون... ولا غرابة عندئذ، وبالعودة إلى شقيقه ميشيل، أن يكون قد أرسل إلى شقيقه هذا رسالة تقول: لدي مشروع، وهو أن أصبح مجنوناً، وكان ذلك في تاريخ 9 آب 1838 .
إن الإخلاص للشرط الجوهري للعالم، حسب قاطن ذلك القبو، هو أن يكون المرء متشائماً إلى أقصى الحدود، وليس التفاؤل في هذا الصدد إلا ضرباً من التعمية عن الحقيقة، فضلاً عن كونه ضرباً من الغباء المفتون بنفسه، بما يثير الغثيان.
يخبرنا دوستويفسكي (أو دودو كما أحبّ أن أسمّيه) في مذكراته، أنه كتب "في قبوي" على عجل، وكان ذلك إبّان احتضار زوجته. وكأني به عبر هذا التزامن الجليل بين الاحتضار وكتابة "في قبوي"، يريد القول بأن هذه الرواية بالذات هي بمثابة احتضار دائم لعالم لا يعرف الأمان، لكنه من جهة أخرى عالم يأبى الرحيل... عالم يحتضر على الدوم، يقوم على احتضار دائم، عالم القبو الأبدي..."لقد أفقدني الضجر والقلق والخوف عقلي، فصرت كالمجنون"، يخبرنا كائن ذلك القبو، كائن ذلك العالَم المتهالك. وهو ما دفع بجورج لوكاش، بعد عقود من اختزال دوستويفسكي للعالم في هذا القبو الضيّق والفضفاض في آن، إلى القول إن أدب دوستويفسكي بالإجمال هو أول أدب في العالم يلمح إلى ذلك التلازم الفظ، إنما الذي لا مهرب منه، بين العيش في المدينة الحديثة ومسّ الجنون، ذلك المس الذي قد ينفجر بغتة أو تراه قد يتحايل خلف الأوهام والآمال واللمعان الكاذب لصدأ يلف الأرجاء.
إن المكوث لمدة 24 ساعة في قبو دوستويفسكي هو بمثابة طَرْق الأبواب الخفية للعالم، تلك الأبواب التي نعمل على تجاهلها في يومياتنا المكتنزة بكل أسباب الملل والضجر وغثيان التواصل مع الآخرين (الشخصي في بعض الأحيان – واستطراداً – ذلك التواصل الميديائي المقزز اللعين). فأن يستفرد بك كائن قبو دوستويفسكي، يعني أن تحشد كل ضروب الشجاعة، والإعتراف من ثم بحقيقة أن هذا العالم الشاسع الذي لا حدود له، هو مجرد قبو ضيّق يعبق بكل أسباب هذا الضيق. أن يتحوّل الإدراك الزائد عن الحد – كما هي حال قاطن قبو دوستويفسكي ذاك – إلى آلة جهنمية تنخر دهاليز الذهن. أن يتحول ذلك الإفراط في الإدراك إلى واقعة شديدة السواد يلمح المرء عبرها الوجوه الحقيقية للعالم، حيث الشرر المتطاير من جهة، وذلك المتربص من جهة أخرى.
الشر عندئذ هو سيّد اللعبة وسيد المشهد وسيد الصياح والتمتمات. ولعل هذا ما دفع بواحد مثل مكسيم غوركي إلى التذمر من دوستويفسكي، مع عدم تجاهل عبقريته، وذلك حينما وصف عبقرية دوستويفسكي وقدرته على سبر الأغوار بالقول: يا لها من عبقرية شريرة!
أما بالنسبة إليّ، فسحقاً للأدب عندما يكون طوال الوقت رهن ابتسامات حب وحنان ودعوات للإصلاح مزرزبة وتهدّل عيون وتسامح مقزز و"عبّوطات"... هو كذب عندئذ وليس أدباً على الإطلاق.
ليست كتابة قصة "في قبوي"، يقول دوستويفسكي، مجرد أدب، بل هي عقاب وتكفير وقصاص، ولعل قراءة هذه القصة تندرج في أفق شروط كتابتها كما ألمح دودو أعلاه.
في حكيه عن "في قبوي"، يقول الفرنسي أندريه جيد، أن هذا الروائي الشيطان (لم يقل "الشيطان" لكني أفترض أن الكلمة قد مرّت بخاطره)، يقول أن دوستويفسكي أثناء الكتابة لا تواتيه الأفكار بالتدريج، إنما ترى هذه الأفكار وقد انزلقتْ فوق الورق دفعة واحدة، ومع هذا (أنا أقول الآن) ترى العالم يمنح نفسه لنا في روايات دوستويفسكي عبر حكايات صغيرة، عبر مواقف ضبابية، وعبر شخصيات ليست مكتفية بنفسها على الإطلاق. إنه الأدب، لا سيما "في قبوي" (وأيضاً رواية "الشياطين")، الذي يمسح الغبار عن الوجه الحقيقي للعالم عبر ذلك المسّ المرعب من الجنون. ذلك المسّ الذي يعمل كل منا على تجنّبه أو مداراته أو تجاهله وفق طريقته الخاصة. قد تزلّ الدروب بالبعض، فيرى العالم على حقيقته من خلف قضبان مصحّ المجانين، أو من داخل جدران قبوه السري. هو تقصٍّ للعالم يستعصي على العقل العلمي وعلى تفاهة 2 +2= 4 كما جاء في "في قبوي".
إن الجدران العالية للتعريفات التاريخية وللتصنيفات المراوغة، كما عايشها البشر، هي مجرد استراتيجيات نزقة في حضرة ما يتجاوز اليوميات المملة للعيش. وليس كائن قبو دوستويفسكي ذاك إلا تعييناً أراد الروائي الروسي عبره أن يقول لنا أن الجنون هو الأصل، وليس العقل إلا رباطاً شديد الهشاشة تراه رهن رغبة غامضة على الدوم.
نشر دوستويفسكي الفصول الأولى من "في قبوي" في إحدى المجلات، العام 1864. لكن العالم لا يني ينشر بقية فصول هذه الرواية حتى اليوم، وذلك عبر مجانينه ومنتحريه وناس الأقبية السرية الذين لا نعرف من أمورهم إلا القليل القليل.
أربع وعشرون ساعة في قبو دوستويفسكي، أعادتني بالذكرى إلى سن الرابعة عشرة، حينما قرأتُ "في قبوي" للمرة الأولى، دون أو يعتريني آنذاك – ربما – أي من ضرب من المسّ. أما اليوم، وقد أعدت قراءتها، تراني محل فرح مباغت، ذلك أنه من محمودات الأمور أن يجد المرء نصيراً لبعض ضروب جنونه عبر روائي بحجم دوستويفسكي.




