منذ صيف 2013، تحوّل المشهد الثقافي المصري إلى ساحة اختبار لنموذج حكم يقوم على المأسسة الشاملة للهيمنة، فقد تجاوزت السلطة منطق الرقابة التقليدية القديمة، واتجهت نحو هندسة مسبقة للذائقة والوعي العام، بحيث يصبح الفن جزءاً عضوياً من معادلة البقاء السياسي، لا مجرد نشاط موازٍ له. تستدعي هذه القراءة أدوات فوكو وألتوسير وغرامشي وبورديو، إذ تتقاطع مفاهيم الرقابة الإنتاجية والأجهزة الأيديولوجية والهيمنة الثقافية والعنف الرمزي عند نقطة واحدة وهي تحويل الحقل الإبداعي من فضاء نسبي الاستقلال إلى امتداد وظيفي للسلطة السياسية. من هذا المنطلق، يمكن رصد ثلاثة محاور متشابكة تفسر آلية هذا التحول، احتكار صناعة الوعي، تدجين الجسد والصوت والمكان، وامتداد القمع إلى فضاءات الشتات.
من الرقابة اللاحقة إلى الهندسة المسبقة
شهدت مصر، في عهد مبارك، صيغة رقابية تقوم على التفاوض والمنع المتأخر، مع بقاء هامش نسبي لتعددية الإنتاج السينمائي والدرامي، أتاح لصناعة سبعينيات وثمانينيات ذلك الزمن إنتاج أعمال ذات نفس نقدي حقيقي تناولت الفساد والبيروقراطية وتجاوزات جهاز الشرطة. لكن، تبدلت هذه المعادلة جذرياً بعد 2013، حين تأسست "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" كذراع احتكارية مرتبطة بالأجهزة السيادية، فامتصت القنوات الفضائية الكبرى وشركات الإنتاج والصحف الورقية ومنصات البث الرقمي، وحوّلت السوق الإعلامي من فضاء تنافسي متعدد الفاعلين إلى بنية أحادية يديرها بائع واحد ومشتر واحد.
نشرت إحدى عشرة صحيفة العنوان الرئيسي ذاته في يوم واحد، استعادةً حرفية لعبارة رئاسية
عكست وقائع عديدة عمق هذا التوجيه المركزي، كواقعة "مصر تفيق" حين نشرت إحدى عشرة صحيفة العنوان الرئيسي ذاته في يوم واحد، استعادةً حرفية لعبارة رئاسية، وواقعة إقالة رئيس تحرير "المصري اليوم" وفرض غرامة مالية عليه، بعد نشر عنوان يخالف السردية الرسمية عن الانتخابات. كما أضافت واقعة "تم الإرسال من جهاز سامسونغ"، أثناء بث خبر وفاة الرئيس الأسبق محمد مرسي، بعداً سيميائياً كاشفاً عن غرف تحكم رقمية تُدار منها الرسالة الإعلامية بأكملها.
أما في الحقل الدرامي، فجسّد مسلسل "الاختيار 3" نموذجاً لهذه الرقابة الإنتاجية، إذ أعاد كتابة أحداث 2013 ضمن ثنائية قطبية تفصل بين حماة الوطن من الجيش والشرطة، وبين المتآمرين وأهل الشرّ. في المقابل، وقع مسلسل "أهل إسكندرية" ضحية للمنع الكامل رغم اكتمال تصويره، لمجرد تطرقه لفساد جهاز الشرطة في حقبة سابقة على الثورة. تتضح من هذين المثالين حدود السردية المسموح بها، فمساءلة الأجهزة الأمنية، مهما اتصلت بزمن بعيد، تظل خطاً أحمر يستدعي المحو الفوري، حتى لو تعلق الأمر بعمل مكتمل جاهز للعرض.
تدجين الجسد والصوت والمكان
امتدت آليات الانضباط لتطال الموسيقى والجسد الراقص والفضاء الحضري بالقدر ذاته الذي طالت به الصورة والكلمة، حيث مارست نقابة المهن الموسيقية، بصلاحياتها شبه الأمنية وسلطة الضبطية القضائية الممنوحة لممثليها، حصاراً اقتصادياً واسعاً على مطربي المهرجانات والراب، فحظرت 19 فناناً، من بينهم حسن شاكوش وحمو بيكا، واشترطت مرافقة فرق موسيقية حية مكلفة تصل إلى 12 عازفاً، بما قوّض بنية الإنتاج المستقل منخفض التكلفة. صيغ هذا الاستبعاد ضمن خطاب أخلاقي محافظ عن "قيم الأسرة"، بينما يكمن جوهره في إقصاء أصوات الهامش الاجتماعي التي تخرج عن الذوق الرسمي المعتمد، وصولاً إلى الإحالة للنيابة العامة كما جرى مع المؤدي "كزبرة".
انتقلت الأنشطة الثقافية من وسط القاهرة، بمقاهيه ومسارحه المستقلة ومكتباته التاريخية، نحو ضواحٍ نيوليبرالية معزولة
على المستوى الجغرافي، انتقلت الأنشطة الثقافية من وسط القاهرة، بمقاهيه ومسارحه المستقلة ومكتباته التاريخية، نحو ضواحٍ نيوليبرالية معزولة خلف بوابات أمنية وتسعير مرتفع، فتحوّل الفن إلى سلعة استهلاكية موجهة لشرائح اجتماعية متوافقة مع الخيارات الاقتصادية القائمة، بينما استُبدلت الفضاءات المفتوحة بمشاريع تجميلية فوقية كـ"شارع الفن" في القاهرة الخديوية، تُقدَّم بوصفها واجهة بصرية معاد تشكيلها وفق معايير سيادية.
في الحقل السينمائي، رسمت تجارب متعددة ملامح ما يمكن تسميته سينما الحصار. ففيلم "ريش" الذي حاز تكريماً دولياً في مهرجان كان قبل أن يتعرض لحملة تشويه محلية أوقفت توزيعه التجاري، و"آخر أيام المدينة" الذي مُنع لارتباطه بلحظة ما قبل ثورة 2011، و"حادثة هيلتون النيل" الذي اضطر طاقمه للتصوير في المغرب هرباً من القيود الأمنية، وصولاً إلى "صقور الجمهورية" الذي واجه حظراً مسبقاً لتفكيكه شبكات التحالف بين الرقابة والسلطة العسكرية. تتقاطع هذه النماذج عند نقطة واحدة، وهى مساءلة صورة الدولة، مهما اتخذت أشكالاً فنية راقية ومعترفاً بها عالمياً، تصطدم بجدار الإقصاء ذاته.
الفن في الشتات ومقاومة المحو
دفع تجريف الفضاء العام الداخلي مئات المبدعين نحو المهجر، بحثاً عن سياقات أكثر استقلالية لإنتاجهم الفني، من أمثال المغني المعارض رامي عصام. غير أن حدود الدولة الجغرافية توقفت عن تشكيل نهاية لامتداد آليات الضبط، فتبلور نمط من القمع العابر للحدود يستهدف الأصوات المعارضة في الخارج بأدوات متعددة ومتشابكة. برز الاستهداف بالوكالة عبر مداهمة منازل عائلات المبدعين واعتقال أقاربهم من الدرجة الأولى، إلى جانب الحرمان الإداري من تجديد الجوازات وتعطيل الأوراق الثبوتية، والمحاكمات الغيابية التي طالت أسماء بارزة مثل عمرو واكد وبلال فضل وخالد أبو النجا، وحملات التشهير التي تقترن باتهامات جاهزة بالعمالة والخيانة. شكّلت تجربة الصحفية بسمة مصطفى، وما واجهته من تهديدات في مدن أوروبية كجنيف، شاهداً على اتساع رقعة هذا القمع خارج الجغرافيا المصرية، مصحوباً بتوظيف أدوات المراقبة الرقمية والتجسس الإلكتروني.
في المقابل، تحوّلت فضاءات الشتات إلى مختبرات لترميم الذاكرة السياسية المفتتة، فواصل فنانو الغرافيتي، بعد طمس جدارياتهم الثورية في محيط ميدان التحرير، إنتاج أعمالهم عن حقوق الإنسان في معارض دولية، بينما وثّقت السينما والموسيقى الإلكترونية في المهجر تجارب الاختفاء القسري والتعذيب، وقد أصبحت هذه الممارسات شكلاً من أشكال المقاومة الرمزية، قادراً على مراكمة سردية بديلة تصمد في وجه محاولات المحو الرسمي، وتفتح أفقاً لتخيل مستقبل ديمقراطي محتمل.
نهاية، أعادت سلطوية ما بعد 2013 صياغة علاقتها بالفن عبر منظومة مركّبة تجمع بين الاحتكار الاقتصادي والرقابة الإنتاجية والهندسة الجغرافية والملاحقة العابرة للحدود. كما نجحت هذه المنظومة في تضييق مساحات التعددية وتحويل جزء واسع من الإنتاج الفني إلى أداة لتثبيت الشرعية السياسية، تماماً كما نجحت في تصنيع إجماع اصطناعي يعوّض غياب الشرعية الديمقراطية التوافقية. غير أن الفجوة بين السردية الرسمية والواقع الاجتماعي المتحرك تفتح باستمرار منافذ للسخرية وإعادة التأويل، تتجلى في محتوى السوشيال ميديا والميمز بقدر تجليها في أعمال الشتات وفضاءاته الرقمية. يبقى مستقبل الحقل الإبداعي معلقاً بين قبضة مؤسسية تزداد إحكاماً، وطاقة مقاومة كامنة في جوهر الفعل الإبداعي ذاته، القادر دوماً على توليد أشكال تعبير تتجاوز حدود الرقابة وتعيد فتح المجال أمام تعدد الأصوات. وفي نهاية المطاف، يتجاوز هذا الصراع مسألة حرية التعبير الفردية، ليطرح سؤالاً أعمق حول من يمتلك سلطة تعريف الواقع، وصياغة الذاكرة الجماعية، من خلال الفن، لجيل بأكمله.




