بشار فيوض "للمدن": الأحلام انعكاسات حداثية لجوهر الميثولوجيا

بدر العقبانيالأربعاء 2026/09/16
Image-1789551328.Jpg
"عندي يقين بعدد لا محدود من وجهات النظر لمواضيع تبدو بديهية..وبهذا اليقين كتبتُ قصصي"
حجم الخط
مشاركة عبر

بشار فيوض، كاتبٌ سوريّ في الرابعة والثلاثين، تخرّج في طبّ الأسنان بدمشق ثمّ هجره إلى الكتابة. نشأ شغفه بالأدب طفلاً، فنُشرت قصصه في مجلّات الأطفال. خلال الحرب كتب ما رآه توثيقاً، ونشر سنواتٍ طويلة باسمٍ مستعار هرباً من الأجهزة الأمنية، رافضاً الخدمة العسكرية ومغادرة البلاد. من جرمانا، وبعد سقوط النظام، وقّع باسمه للمرّة الأولى مجموعتَه "رُبَاع" الصادرة عن دار دلمون الجديدة.

 

 ـ  لنعُد قليلاً إلى ما قبل النصّ. تتشكّل "رباع" في ضاحيةٍ حكوميةٍ مُحدَثة شبهِ منفيّة، يورِّث فيها الآباءُ أبناءَهم خوفَهم مُتلبّساً صورةَ تقديسٍ عنيف للدراسة، ظاهرُه حبُّ التعلّم وواقعُه انتفاءُ أيّ بديلٍ للبقاء. حدِّثنا عن البيئة الاجتماعية والثقافية التي تكوّنتَ في داخلها، وكيف ترشَح اليوم في تفاصيل خياراتك ولغتك؟


في الحقيقة فقط القصة الأولى من الرباعية الأولى هي التي تدور احداثها في ذلك المكان، ثم تنتقل الأحداث إلى مناطق أخرى منها محيط العاصمة "الافتراضية"، مدينة صغيرة حديثة، رباعية "كَلَب" تجري احداثها في موقع جغرافي معزول قرب ثكنة عسكرية، والأحلام في واقع سوريالي خيالي. هذا التنوع المكاني في الرباعيات الثلاث هو - بشكل جزئي – انعكاس لتنوع البيئات التي نشأت فيها، حيث اضطرت عائلتي للانتقال عدة مرات قبل الحرب، وهذه البيئات تشكل بجموعها وتقاطعاتها وتواصلاتها البلاد التي نعيش فيها، وهي غير محددة بالمناسبة، حرصت على عدم ذكر أسماء أشخاص أو أماكن تعطي أي انطباع بانتماء جزئي قد يشوش على الحدث بذاته ويعطيه أبعاداً ضيقة. شخصياً، حرصت منذ فترة مبكرة من نشأتي على بناء مكتبة متنوعة قدر الإمكان، لتعويض "الأحاديات الثقافية" الشائعة في كل منطقة عشت فيها، لا سيما بعد الاستقطاب الحاد الذي رافق السنوات الـ15 الماضية، وهذا التنوع المقصود في المصادر الثقافية انعكس عندي يقيناً بوجود عدد لا محدود من وجهات النظر للمواضيع التي تبدو بديهية لكل طرف، وهذا مثلاً ما حاولت عكسه في رباعية "كَلَب" وتعدد رواتها للحدث نفسه.

رباع

ـ  يُقال إنّ القصّة تكتمل في الرأس قبل أن تبلغ الورق. حدِّثنا عن الطريق الذي قطعته "رباع" قبل النشر: من البذرة الأولى إلى صورتها الأخيرة، وما الذي تبدّل في أثناء الكتابة، وأيُّ المشاهد سبق سواه إلى الوجود؟
 

الكثير من قصص "رباع" نشأت من فكرة بسيطة ظاهرياً، تبدأ كبذرة ثم تتراكم عليها شذرات من مواقف واحداث وقصص حصلت في الواقع وتم تخزينها في الذاكرة، وفجأة تنبثق الروابط بينها فتتبلور في قصة "متكاملة"، منسجمة مع نفسها ومع منطقها الخاص. والترتيب لاحق على الكتابة، فهو بحد ذاته جزء مستقل من الكتابة ولا يعتمد بالضرورة على الترتيب الزمني لتدوينها، لاسيما وأني حاولت طرح أسلوب جديد من التقديم يعتد على الرباعيات التي يمكن قراءة كل قصة منها على حدة، ولكل أربع منها فكرة جامعة في نفس الوقت.

 

ـ  يتوزّع الراوي الواحد على وجوهٍ يكاد لا يجمعها جامع، المتطوّع الصغير وقائد الثّكنة والقنّاص في الصهريج حتى الكلبِ الذئبيّ ذي العينين المختلفتين. ننتقل بينها فيخامرنا الشكّ: أهو شخصٌ واحد تُقطّعه الحرب، أم بشرٌ شتّى توحّدهم؟ ما الذي وجّه خياراتك في رسم هذه الشخصيات، ولماذا منحتَ الراوي هذا الكمّ من الأقنعة بدلاً من قناعٍ واحد؟


تحديداً حتى لا يكون راوياً. لم أرد أن يكون للقصص راوٍ تقليدي، وأردت عكس فكرة تنوع وجهات النظر لأقصى حد ممكن، لذا لجأت للحيلة الأبسط وهي جعل كل وجهة نظر تتحدث بحريتها، وبعيداً عن أي تأثر بالآخر، على العكس، فكل شخصية تغوص في ماضيها الخاص وتجاربها التي أوصلتها للحدث المركزي، وفي "كلب" تحديداً كان الحدث تقاطعاً ملموساً لأبعد الحدود لعدد من المسارات المختلفة لسكان البلاد. هناك نقص حقيقي في الاطلاع على روايات الآخرين في هذه البلاد والبلاد المشابهة لها، وقد حاولت بشكل بسيط كسر الثقة الشديدة التي تصبغ معتقدات ومواقف الكثيرين، عبر طرح الأمور من وجهات نظر متعددة لحادثة واحدة، فكيف بحوادث وقضايا أكبر.

 

ـ  تستعير في "رباعية الأحلام" عبارةً لجوزِف كامبل من كتابه "البطل بألف وجه"، على أنّ بطلك يبدو نقيضَ بطل الأسطورة، حيث لا يَعبُر العتبةَ ولا يعود بالإكسير، إذ يظلّ معلّقاً عند سواترَ وصخورٍ وحبوبٍ مؤجَّلة. كيف تقرأ رحلة البطل السوريّ في نصّك؟ وما مواصفات هذه الشخصية التي تُكتب رحلتُها تحت عنوان ما لم يحدث، لا ما حدث؟


الأحلام هي انعكاسات حداثية لجوهر القصص الأسطورية، الميثولوجية، التي حللها كامبل وخرج منها بنوع من المخطط الدائري. تحاول الاحلام إعادة طرح الصراعات التي يواجهها بعض الأفراد في المجتمعات الذين لا يرضون بالسائد المفروض بكل بساطة، وذلك عبر وضع الشخص في مواقف يكون فيها شاهداً فاعلاً أكثر من كونه بطلاً تقليدياً، والحداثة في القصص تشكل بيئة مضادة أصلاً لفكرة البطولة، لكنها تترك له بعض الأدوار التي تنقله من مكان إلى آخر بشكل تصاعدي للتحديات دون الوصول للنجاح الكامل، والحلم الأخير تحديداً يقفل هذه الدائرة المحاكية لدائرة كامبل، حيث تشرح تصوري لسقوط النظام قبل سقوطه بعدة أشهر. بالمناسبة المجموعة تأخر نشرها أكثر من سنة ونصف، وهذا خفف من جدة النبوءة بـ"العود الأبدي".

 

ـ  نشأت القصة القصيرة السورية حديثاً، وحملت منذ ستينيات القرن الماضي ثقلَ السياسة والهزيمة والمدينة، وتتقاطع اليوم في نصوصها تجربتا المنفى والداخل تحت ظلّ الحرب. أين تضع "رباع" من هذا المسار؟ وهل ما زالت القصة القصيرة قادرةً على حمل التجربة السورية، أم تنوء بها كما ناء راويك بكرته الشائكة؟


كل الأشكال الأدبية قادرة على نقل الأفكار والمشاعر بطريقتها، وأنا ميال أكثر لتسميتها القصة بدلاً من القصة القصيرة، وصحيح أنها حديثة نسبياً لكن كان لدينا في العربية أشكال مختلفة للقصّ. لا أظن أنه يوجد ما يمكن تسميته أب سوري بعد، ما زلنا نحاول ونجرب، أما إن كان القصد القصص التي كتبها سوريون عموماً فهي كانت السبيل الأساسي لتعبيرهم عن مواقفهم وتأملاتهم حول البلاد وظروف الحياة، ولكن هناك نظرة دونية نسبياً للقصص تبدأ من حكم القيمة المرافق لتسمية (القصة القصيرة) وانتهاء باعتبار الرواية هي التطور الطبيعي للقصّ الناضج. أعتقد أن القصة بأطوالها المختلفة هي السبيل الأفضل للتكثيف والإضاءة الفاعلة على جوانب لا تنال الاهتمام الكافي في المجتمع أو السياسة أو الحياة الخاصة حتى، وهي الأقرب للناس وأساليبهم الاعتيادية في نقل الأحداث، حيث تصبح ببساطة قصة. أيضاً هناك ميزة إضافية للقصة تتعلق بسهولة نشرها الواسع عبر الصحافة أو الوسائل الإعلامية الحديثة، أنا من أنصار القصة، ليس في مواجهة بقية الأشكال والأساليب الأدبية، ولكن مع إعطائها فرصة أكبر وأكثر عدالة.

 

-  يقوم البناء على رباعيّاتٍ مُحكَمة، "درب" و"ذنب" و"صدع" و"ردم"، ثمّ رباعيةِ الأقنعة في فصل "كلب"، فـ"رباعية الأحلام" وعوالمِها السفلية. ويتكرّر في خواتيمها الصعودُ نحو السماء، عند القنّاص والكلب والحشد. يحتمل العنوان «رباع» قراءتين: جمعَ الرباعيّة شكلاً، وجمعَ الرَّبْع بمعنى الديار التي تُرثى أطلالُها، وهو ما يتردّد صداه في مطلع أدونيس عن القافلة التي غابت خلف البيوت. أيَّ المعنيين أردتَ؟ وهل التكرار الرباعيّ إيقاعٌ موسيقيّ، أم بنيةٌ للمعنى تقول إنّ الحدث الواحد لا يُروى إلا أربعاً؟


كل التأويلات صحيحة بالدرجة نفسها، وهي متروكة لتجارب القارئ ورأيه، أما استعمالي للرباعيات فكان محاولة لطرح شكل جديد للقصص، مجرد تجربة لشد القارئ، وفي الوقت نفسه تقريب الأجواء من فكرة تعدد الروايات والبيئات وغيرها. اقتباس أدونيس كان أحد تلك البذور الفكرية التي نمت حولها قصة، حيث كنت سمعت القصيدة كأغنية من فرقة "وشم" وتخيلت طويلاً تلك الأضواء التي تتحدث عنها، قافلة تبدو ثم تختفي وتتهدم بعدها البيوت، تخليتها قافلة عسكرية لا يدري من يراقبها تبعيتها، يتوسمون خيراً ثم "تخرب الدنيا". هذه الفكرة هي محور القصة الأولى درب التي انبثقت منها رباعية المذكرات. أعتقد أن تركيزي على التربيع كان أخذاً لفكرة التعددية إلى حدود قصوى، فليس هناك فقط نصفان للحقيقة، ولا تيار ثالثاً، وسطياً، بل أكثر وأكثر.

 

-  تُعلِن راشومون نفسَها صراحةً على عتبة فصل "كلب" باقتباسٍ من أكوتاغاوا، ثمّ يُروى الكمين عند الثّكنة من أربع زوايا متضاربة — وتلك حِيلةُ فيلم أكيرا كوروساوا بامتياز، إذ تتعدّد الشهاداتُ حول الحدث الواحد فلا تأتلف على حقيقة. غير أنّنا، ونحن قرّاء، أحسسنا راشومون الأعمق لا عند الثّكنة، إنّما حين انفلقت الصخرةُ في "صدع" فخرجت منها الجيوشُ وطفلُها. ولافتٌ أنّك تستلهم السينما لتكتب أدباً، على عكس العادة التي تقتبس فيها السينما من الأدب. لماذا أودعتَ راشومون المُعلَنةَ عند الكمين، وتركتَ أثرها الأعمق في الصخرة؟ وهل تعتقد أنّ لمن رحل ولمن بقي حكاياتٍ مختلفة، جميعُها منقوصٌ أو كاذب؟


منذ شاهدت فيلم راشومون وأنا من أكبر المعجبين بكوروساوا، ولاحقاً قرأت النص المسرحي المأخوذ من قصة أكوتاغاوا، فالواجب الأبسط هو إهداء النص لصاحب الفضل في زرع بذرة الفكرة، فالفيلم والقصة يكتسحان بهدوء فكرة أحادية القراءة، لكن مع زرع الأمل بعد تهديم اليقينيات. للأسف لا أظن أني استطعت زرع الكثير من الأمل فاكتفيت باقتباس الختام لراشومون. بالمناسبة أنا أشاهد القصة قبل كتابتها، باعتباري مصوراً فوتوغرافياً أيضاً فإني أعتمد كثيراً على البناء البصري، وأحاول نقله بالكتابة لمساعدة القارئ على تمثّل البيئة التي أراها. أما بالنسبة للصخرة التي انفلقت عن هوة في (صدع) فلا أدري إن كانت لها ارتباطات بالفيلم، أترك التأويلات للقارئ، لكني أردت بشكل أساسي توصيف الحاجز البصري (الصخرة) الذي لا يراه بشكل حقيقي سوى المهتم، والذي يخفي تحته الهوة التي تعيد التاريخ من جديد بكل ماضويته، ماضيه البصري حتى.

 

-  اخترتَ القصة القصيرة لتجربةٍ تتّسع لاثنتي عشرة سنةً من الحروب والتحالفات، ولثلاث رباعيّاتٍ وعالمٍ سفليّ كامل، وهي مادّةٌ تُغري بالرواية. لماذا القصة القصيرة تحديداً؟ وما الذي يمنحه التكثيفُ القصصيّ لتجربةٍ بهذا الاتّساع، ولا تمنحه الروايةُ المسترسلة؟


كما قلت سابقاً أنا من أنصار القصة، باعتبارها الأقدر على التكثيف والوصول، والتركيز على جوانب متعددة يمكن تناولها بعدد القصص التي تستطيع كتابتها، وليس ذلك ضد الرواية أو المسرحية أو أي شكل، لكن كلما اتسعت الأحداث والقضايا يصبح من الصعب جمعها في نص متسلسل كالرواية، فيتم التركيز على جوانب محددة والربط بينها عبر استرسال واستطالات نسبية، قد تكون تلك وسيلة أسهل، لكني هنا فضلت (ضيق العبارة) حسب تعبير النفّري.

 

ـ  يحمل العنوانُ مفارقةً صريحة، "مذكّرات ما لم يحدث" كأنّ الكتابة عن الكارثة لا تُمسك ما وقع، إنّما تُمسك طيفَه وما لم يقع. ما الظروف والسياقات التي ينبغي أن تتوفّر ليكتب أحدٌ «قصة ما حدث»؟ وما الفاصل الزمنيّ اللازم بين الحدث وروايته: أنكتب من قلب الحريق، أم ننتظر أن يبرد الرمادُ لنرى؟


لن يكتب أحد قصة ما حدث، سيكتب قصته وروايته لما حدث، ومن موقعه المكاني والزمني والنفسي والعاطفي... تلك هي الفكرة المحورية، لا توجد رواية، فلنسمع الروايات من المعنيين بها. مذكرات ما لم يحدث جاءت من الانعطافة السوريالية التي تتخذها أحداث الرباعية، فالقصص فيها تبدأ "واقعية" بأحداثها ومفرداتها، ثم تتحول إلى السوريالية المنسجمة مع منطقها الخاص لأخذ الحدث إلى أقصى مداه الاحتمالي وتسريع الوصول إلى النتائج، والنتائج هي ما شاهده كل واحد من أصحاب المذكرات الأربع، ما عاشه ورآه، ربما وحده.

 

ـ  نختم بسؤال معتاد بصيغته التي تليق بك: لو مُنحتَ حريّةً تامّة وتمويلاً مفتوحاً، ما العمل الذي ستكتبه؟ وهل في جُعبتك مشروعٌ يعبُر هذه المرّة عتبةَ "ما لم يحدث" إلى ما يحدث فعلاً؟


العمل المقبل هو مجموعة قصصية أيضاً، وهي الأولى بالكتابة زمنياً لكنها ستكون الثانية بالنشر، تعتمد على "القص بالحوار"، شخصياتها هم من "يحكون" الحدث الحي عبر حواراتهم الاعتيادية الحقيقية، بعارفهم ومستواهم الثقافي والاجتماعي العمري حتى، وستكون عن أحداث واقعية تضيء جوانب رئيسية عن الحرب بشكل غير مباشر، وهي من ناحية أخرى "معارضة أدبية" للموروثات الدينية والميثولوجية للمنطقة، حيث تبدأ كل قصة باقتباس من نص مقدس يقول "ما نرجو"، وتدور الأحداث حول "ما حدث فعلاً"، ولكن ولا واحدة منها تروي "الحقيقة" التي لا يستطع أحد أن يدعي معرفتها.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث