خرجت الجدة من فلسطين بالعربية عام 1948، وبعد ثمانية وسبعين عاما يعيد الحفيد كتابة حكايتها بالفرنسية. وتكاد هذه المسافة، بين المرأة التي غادرت أرضها والروائي الذي ورث ذاكرتها، تختصر عالم الروائي جاد هلال في روايته الجديدة "هنا تبدأ الأرض" (Ici commence la terre) فالكاتب الفرنسي-الفلسطيني-اللبناني لا يعود إلى فلسطين من ذاكرته الشخصية، وإنما من ذاكرة امرأة سبقته إلى المكان وإلى المأساة. كأن الأرض التي فقدتها الجدة ظلت تتحرك داخل العائلة حتى وصلت إلى الحفيد في صورة حكاية.
عاد اسم جاد هلال إلى الواجهة مجددا بعد إعلان معهد العالم العربي في باريس ومؤسسة جان-لوك لاغاردير، في الثالث من أيلول/سبتمبر الجاري، القائمة الرسمية للدورة الرابعة عشرة من جائزة الأدب العربي، حيث تسعة أعمال تتنافس على الجائزة، بينها روايات لهدى بركات وطالب الرفاعي وإيمان حميدان وكريم قطان، إلى جانب "هنا تبدأ الأرض"، الصادرة حديثا عن دار "إليزاد".
وقدّم المعهدُ هلال في القائمة تحت يافطة لبنان/فلسطين، في إشارة تبدو صغيرة، لكنها تكاد تصلح مفتاحا لقراءة عالمه، فالكاتب المولود في فرنسا عام 1987، من أصول فلسطينية لبنانية، والمقيم في منطقة باريس حيث يدرّس الآداب والفلسفة، ينتمي إلى جيل من الكتاب العرب الذين أصبحت هويتهم موزعة بين أكثر من مكان، وأحيانا أكثر من لغة، لكن فلسطين في حالته تبدو أكثر عنادا من الجغرافيا.
ماذا فعل الخروج بامرأة؟
صدرت رواية "هنا تبدأ الأرض" في 21 آب/أغسطس الماضي، في نحو ثلاثمائة صفحة. وتبدأ الحكاية عام 1948 مع عايدة، الشابة المتزوجة حديثا وأم التوأمين، التي تضطر إلى مغادرة قريتها الفلسطينية شفا عمرو إلى بيروت برفقة طفليها وزوجها الموسيقي.
هناك تبدأ حياة أخرى. يبتعد عنها والداها المزارعان، ويبتعد زوجها بدوره، ويظهر الاضطراب في حياتها، قبل أن تأتي الحرب في لبنان فتفتح باب الخوف مرة أخرى وتدفع العائلة إلى دورة جديدة من الشتات. لكن التفصيل الذي يمنح الرواية معناها خارج حدود الحكاية نفسها، أن عايدة ليست شخصية جاءت من بحث في التاريخ الفلسطيني، حيث تقدم دار النشر الكتاب بوصفه عودة من جاد هلال إلى حياة جدته، التي يمنحها فيها الكلام.
وهنا يتغير السؤال، فنحن نعرف كثيرا عما جرى للفلسطينيين سنة 1948. لدينا الخرائط والوثائق والصور وشهادات اللاجئين وأسماء القرى التي أزيلت أو تغيرت أسماؤها. وثمة أرشيف كامل يحاول أن يحرس الواقعة من النسيان.
لكن ماذا فعل الخروج بامرأة واحدة؟
وهذا سؤال آخر ميدانه الرواية. مبدئيا يمكن لأرشيف أن يخبرنا أين كانت القرية وكم كان عدد سكانها وإلى أين ذهب أهلها، أما الرواية فتحتفظ بأشياء يصعب على الوثيقة التقاطها، مثل خوف امرأة، وعلاقتها بزوجها بعد الرحيل، وصمتها، واضطرابها، والطريقة التي استقرت بها المأساة في ذاكرة الأسرة بعد أن انتهى صوت المدافع.
وليست العودة إلى ذاكرة الجدات والأمهات جديدة على سردية النكبة؛ فقد قام جانب مهم من التاريخ الشفوي الفلسطيني على استعادة أصوات النساء وتفاصيل الحياة التي لا تحتفظ بها الوثيقة السياسية. إن جاد هلال يتحرك داخل هذا التقليد، لكنه ينقل الذاكرة العائلية من الشهادة إلى التخييل، ومن العربية التي عاشت بها الجدة تجربتها، إلى الفرنسية التي يكتب بها الحفيد.
إذن الجدة، بهذا المعنى، أرشيف آخر، ولعل ما يلفت في مشروع هلال أن الطريق إلى التاريخ الفلسطيني تمر كثيرا من داخل العائلة، ومن جهة النساء تحديدا.
أربع نساء يبحثن عن البيت
في روايته الأولى "أجنحة في البعيد" (Des ailes au loin)، الصادرة عام 2018، كانت هناك أربع نساء وأربعة أجيال، وهن نعيمة وإيما ودارا وليلى، وتتحرك حكايتهن من حيفا إلى جنيف مرورا ببيروت، ومن ثلاثينيات القرن الماضي إلى بدايات الألفية.
لقد منحت الرواية الكاتب هلال حضورا مبكرا في المشهد الفرنكوفوني؛ فحصلت على الجائزة الكبرى للرواية Grand Prix du Roman Métis عام 2018 وجائزة طلاب المدارس للرواية نفسها، ثم جائزة العمل الأدبي الفرنكوفوني الأول عام 2019. تلتها رواية "حوض استحمام في الصحراء" (Une baignoire dans le désert) عام 2020، ثم رواية "نزوة العيش" (Le Caprice de vivre) عام 2023، وصولًا إلى "هنا تبدأ الأرض".
حين توضع هذه الأعمال إلى جانب بعضها، تظهر العائلة بوصفها أكثر من خلفية للحكاية. إنها طريقة في النظر إلى التاريخ. وفيما التاريخ الكبير يحدث في الخارج، فإن ارتداداته تصل إلى المطبخ وغرفة النوم وعلاقة الأم بابنتها والمرأة بزوجها. وما يبقى بعد عقود قد لا يكون تسلسل الوقائع نفسه، وإنما الأثر الذي تركته في البشر.
ومن هنا يمكن فهم عودة هلال إلى جدته بعد ثماني سنوات من روايته الأولى، فلم تكن الجدة غائبة عن هذا العالم منذ البداية، فقد أهدى هلال روايته الأولى إلى جدته وأمه، واستلهم مادتها من تاريخ عائلته وشهاداتها. لذلك لا تمثل "هنا تبدأ الأرض" عودة متأخرة إلى الذاكرة العائلية، بقدر ما تبدو تضييقا للعدسة، من أربع نساء وأربعة أجيال إلى امرأة واحدة؛ ومن تاريخ عائلي تتوزعه الأصوات إلى الجدة نفسها وقد أصبحت في مركز الحكاية.
كاتب يريد الخروج من هويته
لكن ثمة منعطفا آخر يجعل الرواية الجديدة أكثر إثارة عند وضعها داخل مشروعه. في روايته "نزوة العيش"، الصادرة عام 2023، اختار هلال بطلا يدعى همام، وهو كاتب من غزة يعيش في باريس. وقد التقطت صحيفة "لوموند" في قراءتها للرواية مأزق الشخصية، إنه كاتب يحاول الإفلات من اختزاله في "عروبته". وهنا تظهر واحدة من أكثر المسائل حساسية لدى الكاتب العربي في الغرب: هل يستطيع أن يدخل الأدب من دون أن تسبقه بطاقة هويته؟
إنه السؤال أشد تعقيدا بالنسبة إلى الفلسطيني، ففلسطين ليست أصلا عائليا يمكن وضعه جانبا بسهولة. إنها تاريخ سياسي مفتوح، وصراع حاضر، وصورة ثقافية جاهزة أيضا. يستطيع القارئ والناشر والصحافة أن يصلوا إلى الكاتب الفلسطيني وهم يعرفون مسبقا تقريبا ما يريدون منه أن يتحدث عنه. وهكذا قد تصبح الهوية نافذة يدخل منها الكاتب إلى المشهد الثقافي، ثم تتحول النافذة نفسها إلى إطار يصعب عليه الخروج منه.
وفي الرواية نفسها وجه آخر للعودة إلى العائلة. فنجد وردة، الصحافية وصديقة همام، تفتح ملف أحد أسلافها المتورط في "الفرهود"، المذبحة التي استهدفت يهود بغداد عام 1941. وهنا لا تستعاد ذاكرة الأجداد طلبا للحنين، وإنما للمساءلة. وهذه حركة تستحق وضعها إلى جانب "هنا تبدأ الأرض"، إذ ثمة ذاكرة عائلية تقود إلى جرح الضحية، وأخرى قد تقود إلى مسؤولية السلف. وعليه فالماضي عند هلال لا يمنح أحفاده الطمأنينة دائما.
لهذا تبدو المسافة بين "نزوة العيش" و"هنا تبدأ الأرض" لافتة، ففي الأولى، كاتب غزّي يقاوم اختزاله في عروبته. وفي الثانية، يعود هلال بنفسه إلى الجدة الفلسطينية وإلى سنة 1948. ولا يعد هذا تناقضا بين الحركتين، وربما تكمن المسألة كلها في الفرق بين هوية يفرضها الآخر عليك وذاكرة تختار أنت أن تذهب إليها. ولعل الكاتب يمكنه أن يرفض أن يُقرأ فقط لأنه فلسطيني، ثم يعود إلى فلسطين لأنها جزء من الأسئلة التي لم ينته منها.
فلسطين التي فقدت العربية
يبقى التحول الأشد إثارة في هذه الرحلة هو اللغة، فالبطلة عايدة عاشت حكايتها في عالم عربي، وخرجت من فلسطين إلى لبنان، والحكاية انتقلت داخل عائلة فلسطينية-لبنانية. لكن الحفيد حين جاء دوره ليكتبها، كتبها بالفرنسية. وبعد أجيال من المنفى، لم يتغير المكان وحده، لقد تغيرت لغة الحكاية أيضا.
وهذا أحد الآثار الأقل ظهورا للشتات، فاللاجئ الأول يحمل معه لغته إلى المكان الجديد، أما أبناؤه فيعيشون بين لغتين. وبعد أجيال قد تصبح اللغة الجديدة هي الأداة التي يعود بها الأحفاد إلى المكان الأول. وهكذا تحدث مفارقة تستحق التأمل، إذ يبتعد الفلسطيني لغويا عن فلسطين، ثم يستخدم اللغة التي اكتسبها في المنفى لكي يعود إليها. وهو ما يفتح سؤالا لا يخص جاد هلال وحده: متى يكون الأدب فلسطينيًا؟ وهل تحدده اللغة التي كتب بها؟ أم أصل الكاتب؟ أم موضوعه؟ أم الذاكرة التي تتحرك داخله؟
ومع ذلك، يتحفظ الروائي هلال نفسه على الصفة التي تبدو جاهزة لكاتب مثله، فقد رفض في حوار حديث وصفه بـ"الكاتب الفرنكوفوني"، ورأى في التصنيف أثرا استعماريا وتمييزيا يفصل بعض الذين يكتبون بالفرنسية عن "الكاتب الفرنسي". وهنا يضع اعتراضه سؤال اللغة في مكان آخر، إذ المشكلة ليست في الفرنسية نفسها، وإنما في الهوية التي يصنعها التصنيف حول من يستخدمها، أي أنه يرفض أن تتحول اللغة مقترنة بأصله، إلى هوية أدبية تضعه في خانة منفصلة.
حتى الجائزة التي أعادت اسم هلال إلى الواجهة تحمل شيئا من هذا الالتباس. "جائزة الأدب العربي" التي يمنحها معهد العالم العربي ومؤسسة لاغاردير، وتبلغ قيمتها ثمانية آلاف يورو، تقبل الأعمال المكتوبة بالعربية والمترجمة إلى الفرنسية، كما تقبل الأعمال المكتوبة أصلًا بالفرنسية لكتاب من بلدان جامعة الدول العربية.
العربية، إذن، ليست شرطا وحيدا لكي يدخل العمل تحت مظلة "الأدب العربي". وهذا التعريف يتسع لتجربة هلال على نحو خاص، إنه كاتب فرنسي-فلسطيني-لبناني، يكتب بالفرنسية عن ذاكرة فلسطينية، وينشر لدى دار تونسية فرنكوفونية، ثم يدخل قائمة جائزة تحمل اسم الأدب العربي في باريس. وتكاد سيرة الكتاب نفسها تصبح خريطة صغيرة للشتات.
من يملك الحكاية؟
وراء ذلك كله سؤال آخر يتعلق بالذاكرة الموروثة، فالجيل الذي عاش النكبة يستطيع أن يقول "كنت هناك". أما الحفيد فلا يملك هذه الجملة، إنه يعرف فلسطين من كلام شخص آخر، وعليه أن يصدق الذاكرة، وأن يشك فيها أيضا؛ وعليه أن يملأ الفراغات التي تركها الموت، وأن يتخيل أمكنة لم يرها، ثم يحول كل ذلك إلى أدب.
وهنا تصبح الكتابة مخاطرة، فالذاكرة العائلية ليست وثيقة تاريخية، والرواية لا ينبغي أن تتحول إلى وثيقة بديلة، فقوتها تأتي من مكان آخر، أي قدرتها على مساءلة ما فعلته الواقعة بالإنسان بعد أن غادرت كتب التاريخ إلى حياته اليومية.
ومن هذه الزاوية تبدو عودة هلال إلى جدته مفهومة. إنه لا يستطيع أن يستعيد القرية التي خرجت منها، لكنه يستطيع أن يسأل عما بقي من تلك القرية فيها، ثم عما بقي منها في الذين جاؤوا بعدها، فالذاكرة في المنفى لا تنتقل سليمة، إنها تتغير في الطريق، ويسقط منها شيء ويضاف إليها شيء، ويعيد كل جيل روايتها بالطريقة التي يستطيعها. وفي حالة جاد هلال، وصلت الحكاية في النهاية إلى الفرنسية.
أين تبدأ الأرض؟
ربما لهذا يبدو عنوان الرواية أكثر إثارة كلما ابتعدنا قليلا عن معناها المباشر. "هنا تبدأ الأرض". لكن أين هي "هنا"؟
هل هي في فلسطين التي غادرتها الجدة عايدة، أم في بيروت التي لجأت إليها، أم في فرنسا التي ولد فيها حفيدها، أم في الصفحة التي أعاد عبرها بناء حكايتها؟
هذه هي المسافة التي يكتب هلال داخلها منذ روايته الأولى. فلسطين عنده تنتقل من امرأة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل، ومن العربية الشفوية في البيت إلى الفرنسية المكتوبة في الكتاب. وما تفعله الرواية الرابعة هو الاقتراب من نقطة البداية إلى أقصى ما تسمح به الوراثة. لقد خرجت الجدّة من بلدة شفا عمرو بالعربية. وبعد ثمانية وسبعين عاما، يعود إليها الحفيد باللغة الفرنسية التي منحه إيّاها المنفى.




