أصالة بذاكرة السوريين: صوت ارتبط بسنوات طويلة من الغياب

نوال الحوارالأحد 2026/09/13
أصالة
كانت أصالة من الفنانات السوريات اللواتي أعلن موقفهن المؤيد للثورة السورية
حجم الخط
مشاركة عبر

لا شك أن أصالة نصري تقف اليوم في الصف الأول من مطربات الأغنية العربية، وقد استطاعت خلال مسيرتها الطويلة أن تبني لنفسها مكانة راسخة بين الأصوات التي تجاوزت حدود الجغرافيا واللهجة واللون الغنائي. غير أن هذا الحضور لم يأتِ مصادفة، ولم يكن صعودها سريعاً أو عابراً، فقد بدأت رحلتها منذ الطفولة، في بيت فني كان والدها الفنان مصطفى نصري، فشبّت على الغناء ورافقته في بداياتها، واحتكت منذ سنواتها الأولى بأصوات وتجارب سورية كبيرة.

تدرجت أصالة في تجربتها الفنية حتى أصبحت صاحبة مشروع غنائي واسع. وكانت إقامتها الطويلة في مصر بعد زواجها من المخرج طارق العريان محطة أساسية في مسيرتها، إذ اقتربت من كبار الملحنين المصريين، وغنت باللهجة المصرية، وتعاملت مع أسماء كبيرة مثل عمار الشريعي وحلمي بكر، فاستطاعت أن تثبت أن الصوت السوري قادر على استيعاب المدرسة المصرية بكل خصوصيتها.
أصالة
ثم اتجهت إلى الخليج، وأقامت بين دبي والرياض، فدخلت عالم الأغنية الخليجية بلهجاتها وإيقاعاتها وألوانها المتعددة، وغنت السامري والهجيني وغيرها، ولم تكن تجربتها مجرد استعارة للهجة، بل محاولة للدخول في روح اللون الغنائي نفسه.
ولم تتوقف عند حدود العربية، فقد اتسعت تجربتها لتصل إلى الغناء بالكردية أيضاً، في خطوة تعكس طبيعة صوتها المنفتح على الثقافات الموسيقية المختلفة.
هذه المسيرة الطويلة تجعل من أصالة مطربة قادرة على الانتقال بين المدارس الغنائية من دون أن تفقد هويتها. وربما هنا تحديداً تكمن قوتها؛ فهي لا تغني اللهجة فقط، وإنما تحاول أن تدخل إلى وجدانها وإيقاعها.
 
أما علاقتها بسورية، فقد اتخذت بعداً آخر خلال سنوات الحرب والاغتراب. كانت أصالة من الفنانات السوريات اللواتي أعلنّ موقفهن المؤيد للثورة السورية، ورافقت السوريين في تغريبتهم، وأحيت حفلات لهم في عدد من المدن والعواصم التي وصل إليها السوريون، ولذلك فإن عودتها إلى دمشق اليوم ليست مجرد عودة مطربة إلى خشبة مسرح، وإنما عودة صوت ارتبط في ذاكرة جمهوره السوري بسنوات طويلة من الغياب.
ومن هنا جاءت فكرة مشروعها الغنائي الجديد، القائم على تقديم أربع عشرة لوحة غنائية بعدد المحافظات السورية، وهي فكرة جميلة في ظاهرها، وتحمل رغبة واضحة في الاحتفاء بسورية من خلال غنائها وتراثها. 
وقد جاءت الاختيارات المتداولة على النحو الآتي:
 
دمشق: «طولو»
 
ريف دمشق: «الريف الشامي»
 
حلب: «عالروزانا»
 
إدلب: «عَ الهوني يا سمرة»
 
حمص: «عرب الشرقية»
 
حماة: «والله لعبي الجرة»
 
اللاذقية: «على روض الحبيب»
 
طرطوس: «على دلعونا»
 
دير الزور: «عمداً»
 
الرقة: «يما مويل الهوى»
 
الحسكة: «حلوة وطلتك ضلال»
 
درعا: «أم العريس»
 
القنيطرة: «حطي على النار يا جدة»
 
السويداء: «محبوب قلبك»
 
لكن هنا تبدأ الأسئلة الفنية التي تستحق أن تُطرح بهدوء، بعيداً عن الاحتفاء بالعودة أو الاعتراض عليها.
 
فالغناء السوري، في الحقيقة، لا يمكن اختزاله في خريطة المحافظات. سورية ليست أربع عشرة جزيرة غنائية منفصلة، لكل محافظة لونها المغلق على نفسها، وإنما هي مساحة واسعة من التداخل بين القوميات واللهجات والقبائل والمدن والأرياف، وبين تراث انتقل عبر الأجيال وتجاوز الحدود الإدارية للمحافظات.
 
ومن هذه الزاوية، تبدو بعض الاختيارات بحاجة إلى قراءة أوسع.
 
فحلب، مثلاً، لا يمكن اختزال غنائها في «الروزانا» وحدها. فالمدينة تمتلك مدرسة غنائية عريقة تمثلها ....
 القدود الحلبية   والموشحات 
 بما تحمله من خصوصية لحنية وأدائية، وهي المدرسة التي ارتبطت بأسماء كبيرة مثل صبري مدلل وأديب 
الدايخ ..... 
 وصباح فخري. وكان يمكن للقدود والموشحات ن تكون حاضرة بقوة في لوحة حلب لأنها ليست لوناً هامشياً في غنائها، بل واحدة من أهم بصماتها الموسيقية التي عُرفت بها عربياً.
 
أما الساحل السوري، فكان يمكن أن تقدم له أصالة لوحة أكثر ثراء، تستحضر المواويل والعتابا والألوان التي برع فيها أبناء الساحل وسهل الغاب. فهذه المنطقة تمتلك مخزوناً شعرياً وغنائياً واسعاً، وكان صوت أصالة، بما يملكه من مساحة وإمكانات، قادراً على أن يقدم هذا اللون بصورة لافتة.
 
وفي درعا والقنيطرة، يبدو التراث الحوراني والجولاني مساحة أوسع من أغنية منفردة. فالدحية والحداء والأغنية البدوية والحورانية تشكل جزءاً أساسياً من الذاكرة الشعبية في الجنوب، ويمكن الاستماع إلى نماذج لافتة من هذا التراث فيما قدمه الفنان أحمد القسيم، الذي حمل اللون الحوراني بين سورية والأردن.
 
أما الحسكة، وربما هنا تكمن أكبر مساحة للتساؤل، فلا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد مساحة للمردلية..... على جمال هذه اللهجة وعذوبة حضورها في الغناء. 
 
فالجزيرة السورية واحدة من أغنى مناطق البلاد بالتنوع الفلكلوري والثقافي. فيها التراث الكردي الواسع، وفيها تراث القبائل العربية الكبرى، من طي وشمر والجبور والبكارة وغيرها، وفيها ألوان غنائية ارتبطت بالربابة وبالشعر الشعبي، فضلاً عن التراث الآشوري والسرياني والأرمني، وما يحمله من لغات وألحان وذاكرة متجذرة في سورية.
 
وهذا التنوع لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه تفصيلاً خارج المشروع، بل هو في صميم فكرة «الغناء السوري». فالقيمة الحقيقية لأي مشروع يريد أن يرسم خريطة موسيقية لسورية تكمن في قدرته على إظهار هذا التعدد، لا في الاكتفاء بتمثيل جغرافي لكل محافظة.
 
ولذلك فإن التحفظات التي ظهرت في وسائل التواصل، مع الترحيب الواسع بعودة أصالة يمكن فهمها من هذه الزاوية. السوريون يريدون أن يروا سورية في غنائها كما يعرفونها: متعددة، غنية، متداخلة، لا تحدها حدود المحافظة ولا تختصرها أغنية واحدة.
 
وربما يكون السؤال الأهم هنا: هل استعجل فرح العودة هذه الطبخة الغنائية، فجاء المشروع في حاجة إلى مزيد من البحث والتأمل في تفاصيل التراث السوري ومذاقاته المختلفة؟ أم أن ما قدمته أصالة ليس إلا خطوة أولى يمكن أن تتبعها خطوات أكثر نضجاً وشمولاً؟
 
فأصالة، بما تمتلكه من اسم وصوت وتجربة، قادرة على أن تفعل أكثر من ذلك. وقادرة، إذا أرادت، أن تحول مشروع المحافظات الأربع عشرة إلى مشروع غنائي سوري متكامل، تشارك فيه أصوات الباحثين والموسيقيين وأبناء البيئات المحلية، بحيث لا تكون المحافظة هي النهاية، بل تكون بوابة لاكتشاف تراثها بكل تنوعه.
 
سورية لا تغني بلون واحد، ولا تتحدث بلسان واحد، ولا تختصرها مدينة أو محافظة. سورية تغني بالكردية والعربية والسريانية والآشورية والأرمنية، وتغني بالقدود والعتابا والمواويل والدحية والحداء والربابة وغيرها من الألوان التي صنعت عبر التاريخ فسيفساءها الموسيقية.
 
ومن هنا فإن عودة أصالة إلى الشام تستحق الفرح، لكن مشروعها الغنائي يستحق أيضاً أن نطالبه بالمزيد.
 
فالسؤال ليس: هل عادت أصالة؟
 
لقد عادت.
 
السؤال الحقيقي: أي سورية غنائية ستقدمها أصالة في المرحلة المقبلة؟
 
وهل ستكتفي بأربع عشرة لوحة بعدد المحافظات، أم ستذهب أبعد من الخريطة الإدارية لتكتشف سورية الحقيقية سورية التراث والقوميات واللهجات والأصوات؟
 
ذلك ما ستكشفه الأيام المقبلة، وربما تكون هذه العودة بداية مشروع أكبر، يليق بصوت أصالة، وبغنى سورية.
 
فأصالة لم تعد إلى الشام فحسب...
بل عادت إلى ذاكرة وطن كامل.
Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث