دأبت مؤسَّساتنا الثقافية على تصنيف الكتُب الأدبية (السردية منها بصورة خاصة)- الصادرة خلال الأعوام الأخيرة- وفقاً لأسس ليست "ما قبل كلاسيكية" ولا "ما بعد كلاسيكية". فالنوع الأول- "ما قبل كلاسيكي"- كالمؤلفات التأملية والذاتية، مثل "منطق الطير" لفريد العطار، و"رسالة الغفران" للمعري و"المقامات" للحريري و"البخلاء" للجاحظ، لا تستجيب للتصنيف المعاصر "ما بعد الكلاسيكي". كذلك، فإنّ كُتُباً مثل: "اللانهائي/السلالم التي تبتكرنا" للؤي حمزة عباس، و"السرير/الجسد في خلوته" لهاشم تايه، و"العربة قبل الأخيرة" لطالب عبد العزيز، هي مصنَّفات سيرة ذاتية، تتجاوز تصنيف "ما قبل الكلاسيكي".
أمّا ما بين هذين الصنفين "ما قبل، وما بعد" ممّا صنّفه نقادّنا المعاصرون بالمصنَّفات السردية "غير المجنَّسة"، ومنها كُتُبي "بصرياثا" و"أحلام باصورا" و"العشّار" و"كتاب العقود"، فقد يلقى تصنيفُها عسرةً أكبر، لأنّها من الجنس السردي، الحائر بين القصة والسيرة، فمِن ثَمَّ هي كُتُب، لفظتْها المؤسسة الثقافية خارج أيّ تصنيف كلاسيكي، محدَّد بالقصة والرواية، على وجه الحصر والنظر النقدي.
لستُ ممّن يطمع في جائزة، درجَت المؤسّسة الثقافية على منحها سنوياً للأدباء العراقيين، على وفق التصنيف "الكلاسيكي" الشائع في التصنيفات التقليدية، العربية والعالمية، والموروثة من عهود التقليد والتبعية الأدبية في العراق. فهذه الجائزة مطمع فوق نظري وتصنيفي الذي دأبتُ عليه، وأظنُّها ليست مطمع المؤلفين الذين ذكرتُ أسماءهم في أعلاه، أيضاً. بل إن ما يدعوني لإبداء ما أظنُّه إهمالاً وتقصيراً في النظر النقدي المؤسّسي، وجموداً ورتابة في تخصيص الجوائز الأدبية، ينبع من تأسيسٍ مغاير وحداثيّ، تسير عليه قوانين التقييم الأدبية العالمية، وقواعد النظرية السردية المعاصرة. وفي حالنا، لا تنفع إضافةُ خاناتٍ كلاسيكية أخرى إلى شروط الجوائز، لتدارك التقصير والجمود، مثل خانة السيرة الذاتية، فهذه لا تشير إلى تجديد النظرة، ومسايرة التحديث النقدي، أو الارتفاع فوق مستوى الروتين الثقافي الراكد للمؤسّسة.
ليست مشكلة المؤسّسة "الكلاسيكية" في اتباع التقاليد الشائعة في التصنيف الأدبي، وعجزها عن تصنيف المؤلفات الحديثة "ما بعد الكلاسيكية". بل هي، أيضاً، مشكلة الداعمين، من نقّاد الأدب المستقلّين، الذين ينتهجون سبيل المؤسّسة نفسه في إقصاء المصنَّفات الجديدة من اهتمامهم؛ بل يحصرون وعيَهم الأدبي والفكري، في تبرير جاهز، يسمّونه "اللا تجنيس"، لا غير. وكأن رغبةً ما، بحتة، تدفع الأدباء المجدّدين لتأليف كُتبهم، أو هدفاً غامضاً يوجّه وعيَهم الطليعي، ويديم زخمَهم التحديثي، في نُظُم الكتابة، وموضوعاتها "ما بعد الكلاسيكية".
(*) عن فايسبوك




