قاموس الشتائم المفقود: عن تراث شفهي يذهب مع الريح

علي سفرالجمعة 2026/09/11
الماغوط وفايز خضور وعلي الجندي في صورة صممها الذكاء الاصطناعي
محمد الماغوط وفايز خضور وعلي الجندي (صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي)
حجم الخط
مشاركة عبر

يشتهر بعض السلامنة (أهل مدينة سلمية) بأنهم يبذلون جهوداً في اختراع شتائم لم يسبقهم في قولها أحد! فجأة وحين تتعطل الماكينة (السيارة) أو يفقد أحدهم شيئاً، أو يرى مسؤولاً قبيح الخلقة والسيرة في الشاشة، سيجهر الشخص بشتيمته المبتكرة! وسيبحث المستمع في قاموسه الذهني إن كان قد سمع شيئاً مشابهاً، لكنه سيكتشف أن الشتائم تتبع خصوصية أصحابها، وأن التنافس بين الناس على تخوم البادية وجبل البلعاس يتعدى الشعر والثقافة وحفظ الأغاني العراقية، ليصل إلى التقريع ومراكمة طبقاته.

 

لم أحظ بفرصة جمع شتائم اخترعها أصدقائي، لكني أتذكر نبرة كل منهم في الإضافة إلى ما سبق، وأعتذر بالطبع عن إيرادها لكونها لا تليق، وأسأل دائماً عمن استطاع أن يوثق بعض ما سمعه منها! 

 

وحتى اللحظة يمكن التأكيد أن ثمة تراثاً شفوياً سورياً يذهب مع الريح، من دون أن يمسك به المهتمون، وربما مع مرور الوقت سينسى الشباب ما سطّره آباؤهم وأجدادهم من تعابير، كسرت حاجز التفهم والمراعاة، وعبّرت عن الغضب، أو السخرية الممتزجة باللؤم تجاه المشتوم.

 

قبل فترة وجيزة قررت أن أبحث في الانترنت عن قواميس غرائبية، وعلى رأسها تلك التي اهتمت بالشتائم، لكن النتيجة بما يخص المنطقة العربية كانت صفرية، أي أن أحداً لم يهتم بهذا النمط من الأقوال. بينما أظهر البحث في اللغات الأخرى بمساعدة الذكاء الاصطناعي، أن الشتيمة ليست مادة هامشية في الدراسات اللغوية والمعجمية، حيث حظيت في عدد من اللغات بقواميس وكتب مستقلة تجمع ألفاظ السباب والإهانة والكلمات البذيئة، أو تدرجها ضمن معاجم العامية واللغة الشعبية. ففي الإنكليزية مثلاً، نجد أعمالاً كلاسيكية مثلA Dictionary of Slang and Unconventional English  لإريك بارتريدج، إلى جانب كتب أكثر تخصصاً مثلThe F-Word  لجيسي شيدلوفر. وفي الفرنسية، ظهرت قواميس مخصصة للشتائم، من بينها أعمال مارك لومونييه وروبير غوردين، إلى جانب معاجم الـargotواللغة الشعبية. كما تقدم الروسية نموذجاً لافتاً من خلال الاهتمام بما يعرف بـ mat، أي منظومة الألفاظ البذيئة التي تشكل ظاهرة لغوية وثقافية قائمة بذاتها. وثمة نماذج مشابهة، بدرجات متفاوتة، في الألمانية والإسبانية وغيرها. 

أحمد الجندي ولهو الأيام
أحمد الجندي

ويكشف هذا التراث المعجمي أن جمع الشتائم كان وسيلة لدراسة تاريخ اللغة، والطبقات الاجتماعية، والعلاقات بين الجنسين، ومفهوم الشرف، والسلطة، والسخرية، وحدود المقبول والمحرّم في كل مجتمع، ولم يكن مجرد فضول لغوي أو تسلية! 

 

أما في العربية، فيبدو المشهد أكثر تشتتاً. الألفاظ النابية والسباب، موزعة بين المعاجم القديمة، وكتب الهجاء، والأدب الشعبي، ومعاجم اللهجات، من دون أن يتبلور، في حدود ما ظهر في البحث، قاموس عربي شامل يضع هذه المادة في سياق لغوي وثقافي واحد، وهذا تحديداً ما يجعل فكرة القاموس المقترح ذات جدوى.

 

غير أن التفكير في جمع المادة اللغوية يجب أن يكون مترافقاً مع البحث عن إجابات على أسئلة مهمة مثل: لماذا يبتكر الناس الشتائم؟ وما الذي يجعل شتيمة معينة "مبدعة"؟ ومن أين تأتي قدرتها على الإضحاك أو الإيلام؟ وعندها ينتقل العاملون على القاموس من جمع الألفاظ إلى دراسة الخيال الشتائمي نفسه.

 

وبالعودة إلى مدينة سلمية، يمكن إضافة سؤال حول اقتران ابتكار المجازات الشعرية بارتكاب المفارقات، وكذلك هندسة الشتائم، وفي حيوات الشعراء المشهورين الذين خرجوا من هنا، مثل محمد الماغوط وعلي الجندي وفايز خضور وغيرهم. إذ يروي من جالسوهم، العديد من الحكايات الساخرة والألفاظ التي خرجت من أفواههم مع دخان السجائر، والقهقهات العالية. وفي كتابه عن ظرفاء المدينة، يورد الكاتب مصطفى علوش، أمثلة عن آخرين لم يشتهروا خارج المدينة، لكنهم جمعوا بين الشعر والشتيمة أو الكلام البذيء، من دون أن يكون الأمر نافراً عند القراء أو المستمعين للحكايات، طالما أن الحيز الذي تروى فيه لا ينتشر بطريقة رسمية، ويبقى ضمن حدود التداول المحدود والروايات الشفوية بعيداً من الرقابات الرسمية، ومن هؤلاء، الشاعران منذر الشيحاوي ونزيه عيسى اللذان اشتهرت لهما قصائد سمّيت بالثنائيات، لم تخل من شتائم مقذعة وجّهاها إلى الشخصيات التي كتبوا الشعر في هجائها!

سلمية
سلمية

لو أن أحداً قرر أن يجمع ما تم تداوله على الألسن في هذه المدينة، لاستطاع أن يلم قدراً كبيراً من الشتائم، لكن القصة تبدو أكثر تعقيداً من الاقتصار على توثيق هذا النمط من التراث الشعبي، إذ ثمة نقص فادح في توثيق كل شيء، ليس في سلمية وحدها، وإنما في الأرياف السورية كلها، والمدن أيضاً! ورغم أن الفنون اللغوية ومجازاتها تحوز مساحة كبيرة من اهتمام المتلقين، إلا أن هناك انتقائية في التظهير، تدفع بما يعجب الذائقة الرسمية العامة إلى السطح، بينما تدفع ما يُضحك الناس -لا سيما البذاءة- نحو الخفاء.

 

في كتابه "لهو الأيام: مذكرات سنوات المتعة والطرب والثقافة"، يورد الكاتب الراحل أحمد الجندي (سلموني أيضاً) حوادث شتى عن التشاتم بين المثقفين. ومن خلال ما ورد في الكتاب، تظهر الشتيمة عند هذه النخبة من الأدباء والشعراء والموظفين، باعتبارها أقرب إلى أداة اجتماعية ولعبة لسانية، منها إلى إهانة حقيقية، إذ كانوا يتراشقون بالشتائم في المقاهي والسهرات كنوع من "خفة الظل" وإثبات البراعة اللفظية.

 

وبحسب أحمد الجندي، كانت الشتيمة أحياناً تُصاغ شعراً أو نكتة ساخرة بدلاً من الكلام المباشر، مثل الأناشيد التي أدخل فيها عبد الرحيم الداغستاني أسماء رفاقه ليرميهم بشتائم مضحكة، فتتحول الإهانة إلى فن أدبي صغير.

 

وفي الوقت نفسه، بقيت حدود اجتماعية صارمة. فبعض أصحاب المجالس كانوا يمنعون الشتم صراحة باعتباره خروجاً على الذوق واللياقة، مثل قول أحدهم: "والشتم فهذا ما لا أقرّه في مجلسي". لكن، حين يتدخل الغضب الحقيقي أو الكحول، كانت الشتيمة تتحول من مزاح إلى انفجار فعلي، كما في حادثة صبحي الدهني الذي شتم المحافظ وهو سكران، أو القاضي العراقي الذي "لم يترك شتيمة إلا رماها" في لحظة غضب. بمعنى آخر، عكست الشتيمة عند هذه الطبقة ازدواجية طريفة: وجه اجتماعي مهذّب يوظّف السباب كفكاهة ومهارة كلامية، ووجه آخر ينفجر عفوياً حين تنهار ضوابط المجلس واللياقة.

 

ويبقى في النهاية أن البحث عن قاموس للشتائم في أي بيئة سورية أو عربية، أو البدء في تدوينه، سيفضي إلى تأريخ مختلف، يبدأ من الشتيمة كبؤرة أولى، ولا ينتهي عند حدود اللهجات واللغة، مروراً بالتاريخ والسياسة. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث