شاءت الصدفة أن يرحل الأباتي بولس نعمان، الرئيس العام السابق للرهبانية اللبنانية المارونية، عن 94 عاماً، قبل يومين أو ثلاثة، من ذكرى اغتيال بشير الجميل(1947 - 1982). وما بينهما لم يكن عادياً، فالنافل أن الرهبانيّةَ المارونيّةَ لعبت دورًا بارزاً بين سنتي 1975 و1982 ودخلت في زواريب السياسة اللبنانية وصناعتها، حَضنت بشير الجميّل وساعدته ووفّرت له ظروف الصعود السياسي والتحرّك والاجتماع واللقاء.
وعدا عن أن بشير كان أعدّ العدّة مع فريقه لـ"أطول انقلاب سياسي في تاريخ لبنان الحديث"، كما سماه الكتائبي كريم بقرادوني، فإن الأباتي بولس نعمان كان أعد العدة لاختياره أيضاً لرئاسة الجمهورية. يروي الأب يوسف مونّس أنه ذات ليلة "كان هناك اجتماع في الكسليك ضم الأباتي بطرس قزي والأباتي بولس نعمان وأنا وعدد من الرهبان وقررنا بعد نقاش طويل دعم وصول الشيخ بشير الجميّل إلى سدة الرئاسة مع انتهاء ولاية الرئيس الراحل الياس سركيس، علماً أنّ الشيخ بيار الجميّل كان يميل إلى ترشيح ابنه البكر أمين الجميّل والرئيس كميل شمعون إلى ترشيح نفسه. كنا مدركين لمدى صعوبة إقناع الشيخ بيار والرئيس شمعون بهذا الخيار، كذلك إقناع الآخرين بصوابية خيار الشيخ بشير ووصوله إلى سدة الرئاسة في هذه المرحلة بالذات. وخلال اللقاء تمنينا على الدكتور فيكتور غريب الذي كان من ضمن مجموعة لجنة البحوث في الكسليك أن يؤمن لنا لقاءً مع الشيخ بشير في منزل شقيقه وصديقي المهندس جورج غريب الذي يقع في شارع عبد الوهاب الإنكليزي في بيروت على رغم المخاطر التي كانت تنتظرنا نظرًا إلى وقوعه على خط جبهة نار وقنص.
استقلينا السيارة وتوليت القيادة وكان لقاء شبه مغلق ضمّ الأباتي قزي والأباتي نعمان وأنا والشيخ بشير. وأبلغنا الشيخ بشير برغبتنا في ترشيحه لرئاسة الجمهورية اللبنانية، كما تمنينا عليه أن يبقى هذا الاجتماع سرياً وأن يبلغ أعضاء الجبهة اللبنانية الذين كانوا يجتمعون في دير عوكر بالقرار في أقرب وقت ممكن. وهذا ما حصل. ولاحقاً نقلت الخبر إلى الرئيس سركيس الذي شجعنا على المبادرة وأثنى على القرار نظراً إلى ثقته ومحبته بالشيخ بشير".
ويضيف الأب يوسف مونّس: "كان للأباتي نعمان الدور الكبير والأساسي والمفصلي في هذا القرار وهذا الترشيح لما له من شخصية كاريزماتية ومحبة واحترام وتقدير لشخص الشيخ بشير وصفاته، وكان بشير أصبح أيقونة المقاومة اللبنانية في وجه من يريد الاستيلاء على لبنان وذلك من خلال الشعار المدوي الذي طرحه لبنان ال 10452 كيلومتر مربع". ولم يكن الأباتي نعمان منفصلاً عن بشير وليس بعيداً عن سياسته ومشـروعه، بل "كان مرشداً روحياً لحقبة من التاريخ السياسي للمسيحيين في لبنان، وكان الأكثر تورطاً في الحرب الأهلية والأشد إثارة للجدل"(ساطع نور الدين، السفير)، و"عقل الموارنة"(جهاد الزين – النهار) فغداة انتخابه رئيساً للرهبانية المارونية في 30 تموز من العام 1980.... عنونت صحيفة "اللواء": "الأب نعمان رئيساً وهزيمة قاسية للقسيس انقلاب أبيض في الرهبانية المارونية لمصلحة بشير الجميّل". واستمر نعمان في منصبه حتى عام 1986، واختصر ارتباط الموارنة بلبنان بقوله إن لهم "ولداً وحيداً اسمه لبنان".
الأباتي بولس نعمان، الراهب الشوفي، انتخب. وكان عضواً في الجبهة اللبنانية ومشـرفاً عاماً على إذاعة صوت لبنان الحر. رجل قام بمهام متعدّدة. كان يقول إن بشير الجميّل "ينضج مع الوقت"، الشيخ بيار الجد "عبء" على حركة الجبهة اللبنانية لأنه لا يريد التخلي عن صيغة 1943، بينما الأباتي لا يخفي من اللحظة الأولى انحيازه لفكرة عدم نجاح الصيغة اللبنانية، ومثله صديقه فؤاد افرام البستاني يعتبرها "نفاقية"، ويطالب بالبحث عن الفدرالية. رافق نعمان مهجري الدامور في البحر وتحول لفترة رئيسًا لبلديات كسـروان من دون انتخاب. حوّل دير الكسليك إلى ملتقى للقوى السياسية. وعلى الرغم من كونه طرفاً، لم يقطع الخطوط مع أحد. كان يعتبر الشّيخ بشير "رجل الدولة المثالي"، و"الصادق الذي يستطيع أن يتخطَّى المصلحة الحزبيّة الضيّقة، وحتّى بعض المصالح الخاصّة، من أجل الوصول إلى الخير العامّ والوطن المثال". و"يُحِبُّ الإصغاء ويَستمع إليك بانتباه، يمعن في التبصـّر والإصغاء حتّى يَتَمَثَّل الفكرة، فيتبنّاها ويبلورها بقالبه الخاصّ حتّى تبان وكأنّها فكرته هو، كلمته هو؛ وإذا أخطأ، لم يكن يجد أيّة صعوبة في الإقرار بالخطأ والنّدم عليه".
ويروي الأباتي نعمان أنه "لمَّا حصلت جريمة إهدن، التي هدمت البيت المسيحي، كنت آنذاك في ألمانيا، ولمّا رجعت وجَّهت له كلامًا قاسيًا جدًّا، التفت إليَّ نادمًا وقال لم يكن هذا قصدنا، أرجوك أن تفتديه حتّى بشخصي… لكن التّاريخ، حتّى مع النّدم، لا يَرجِعُ إلى الوراء". وينقل توتُّر بيار الجميّل وسليمان فرنجية (قبل مجزرة إهدن) وقول الأول للثاني "وين كنتو لما كنا وحدنا عم ندافع بالحرب" فأجابه فرنجية: كنا عم نسرق المرفأ، تذكيراً بدور الكتائب الشهير في هذه العملية، وقد أعجب كميل شمعون بردّ فرنجية.
وفي أكثر من رواية يُحكي عن مدى تأثير الأباتي نعمان في ترشيح بشير. قال الرئيس أمين الجميّل لقناة "الجزيرة": "في 5 مايو/ أيار 1982 اجتمعت الجبهة المارونية وطرح الأباتي بولس نعمان ترشيح بشير الجميّل عليهم وقال: يعيش الموارنة منذ أربعمئة عام في القهر ويعيش اللبنانيون منذ سبع سنوات في الخوف والحرب، لا خلاص إلا عبر سلطة مسيحية قوية يقودها رجل قوي، هذا الرجل موجود وهو بشير الجميّل". يروي الأباتي نعمان في مذكراته أنه في ذلك الوقت، "كنا ندرس الوسائل ونحضّـر الخطوات، بكلّ سرّية، لجعل ترشيح قائد القوّات اللبنانية لرئاسة الجمهورية أمراً سهلًا وطبيعيًا، من خلال إقناع أركان الجبهة اللبنانية، الواحد تلو الآخر، بترشيحه قبل عرض الموضوع في أحد اجتماعاتها واتخاذ قرارٍ جماعي بإعلانه مرشّح الجبهة. غير أن الأمور تسارعت في شكل غير منتظر، إذ خلال اجتماع مخصّص للبحث في زيارة السفير فيليب حبيب للبنان وفي الاستحقاق الرئاسي وقضيّة قيادة الدرك وأمور عادية أخرى، فاجأنا الشيخ بيار بالقول، بعد مقدمات طويلة: أيها الإخوان، يشـرّفني أن أرشح فخامة الرئيس كميل شمعون للانتخابات الرئاسية المقبلة، وسط ذهول أعضاء الجبهة وانتظارهم أن يردّ الرئيس الأسبق للجمهورية التحيّة بمثلها ويرشّح بدوره الشيخ بيار، الطامح أيضاً، منذ أكثر من عشـرين سنة، إلى الرئاسة الأولى. غير أن رئيس الجبهة اكتفى بقبول الترشيح شاكراً.
ازدادت حراجة الموقف ونظر إليّ الحاضرون، وبنوع خاص الدكتور شارل مالك والنائب إدوار حنين والدكتور فؤاد افرام البستاني، فهم كانوا يعلمون أني مثلهم أفضّل ترشيح بشير لرئاسة الجمهورية، فوجدت أنّ من واجبي أن أتدخّل وأوضح بعض الحقائق، لا سيما أنّ بشير الذي كان يجلس قبالتي، أطرق عابسّا. وقطعت الصمت الثقيل بالقول بلهجة حاسمة ونغمة محبّة تعكس الاحترام الكبير الذي كنت أكنّه لشخص الرئيس شمعون: "من دون شكّ، إن الرئيس شمعون هو الأكفأ والأفضل، ولديه من الخبرة والحنكة والشجاعة ما يجعله يقوى على كل الصعوبات. لكن من الخطأ أن ندخل الى معركة الانتخابات الرئاسية منقسمين، ونحن لم نُشفَ بعد من النزاع في ما بيننا. لدينا الآن الشيخ بشير، ابن المعاناة المارونية، وهو الوحيد القادر على حلّ الأزمة من خلال إرساء حكم مسيحي قوي، وكما أن الآخرين يواجهوننا اليوم بقوة موحّدة، يجب أن نواجههم بقوّة موحّدة، فإما أن يتنازل الشيخ بشير عن قيادة القوّات اللبنانية للرئيس شمعون وإما أن نختار الشيخ بشير لرئاسة الجمهورية".
"ثم نظرت إلى الرئيس شمعون والشيخ بيار، وأضفت: صدقوني، لا أحد يستطيع الوصول الى الرئاسة من دون المواجهة مع الشيخ بشير. في المقابل، عليه إذا شعر بأن حظوظه ضئيلة وأن الرئيس شمعون بالتالي أوفر حظًا، أن يحيد من الدرب، لكن القرار يعود إليه وحده. لذلك أقترح على الجبهة اللبنانية أن تختار الشيخ بشير الجميّل مرشحاً لها للانتخابات الرئاسية".
"كان لكلامي وقع الصاعقة على الجميع، خصوصاً الرئيس شمعون الذي كان يتفرّس في وجهي من فوق نظّاراته ذات الزجاجتين السميكتين، قبل أن يمسك بقبّعته ويضعها على رأسه، ويحركها يميناً ويساراً، بما يعكس انزعاجه، وهو يقول: "ما بال الأبّاتي اليوم، ما باله لا يفهم علينا". ثم أردف مضيفًا: "لنتكلم بالموضوع في الاجتماع المقبل". ورفع الجلسة، وانفرط عقد المجتمعين وهم يتساءلون عن المنحى الذي ستأخذه الأحداث.
غير أن بشيراً الذي كان جالساً قبالتي وبقرب الرئيس شمعون، من غير أن ينبس ببنت شفة، أدرك أن عليه التحرّك سريعاً. وفي اليوم نفسه، اتصل بالمسؤول في حزب الوطنيين الأحرار، المحامي شارل غسطين، طالباً منه ترتيب موعد عاجل له مع رئيس الحزب. وبالفعل تمّ اللقاء في اليوم التالي. وخرج القائد الشابّ منه، مزوداً ببركة بطريركنا السياسي الذي عرف مرّة جديدة كيف يتفادى الأسوأ، ويقدّم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. وارتحنا مذّاك، إلى مسألة توحيد رأي القيادات المسيحية، حول ترشيح بشير الجميّل باسم الجبهة اللبنانية، باعتبار أن والده وحزب الكتائب سيكونان أكثر من مسـرورين بخروج النمر الكبير من حلبة السباق الى القصر الجمهوري".
"لم يرُق ما قلته في اجتماع الجبهة اللبنانية للنائب أمين الجميّل الذي قام، بعد أيام، بزيارة إلى الأبّاتي بطرس قزّي والأب يوحنا تابت، في جامعة "الكسليك"، وأعرب عن استيائه من الدور الذي قمت به على مستوى ترشيح شقيقه بشير، معتبراً أنّي تجاوزته عمداً، رغم كونه الابن البكر، وبالتالي الأحق في الحصول على دعم الجبهة اللبنانية للترشّح للانتخابات الرئاسية". يضيف الأباتي نعمان: "ظهر بشير الجميّل، كما نحن اكتشفناه، صاحب الصفات التي جعلت منه قائدًا لا بديل له في حينه، ولا اليوم". شكل تلك المرجعية التي وجده فيها الأباتي، أما بعده فـ"فلت الملق". وقبل أن يتسلم الرئاسة، يقول الأباتي: "وجدته بعبعًا لكن بعدها عشقه الجميع لتبقى حرب الجبل التي لم يشأها لا الجميّل ولا جنبلاط وكان بالتأكيد لإسرائيل دور بشع فيها". (غراسيا بيطار السفير: 2009-10-01).
قال الآباتي نعمان في بشير: "بعض الأحيان شعب بكامله، أمّة بكاملها بمواهبها وطموحاتها، يختصـرها فرد، شخص". "بعض الأحيان أمم وشعوب وجامعات أمم تعجز عن إنجاب شخص بمستوى بشير الجميّل". "كان وحده بنفسه الأبيّة الشامخة بمستوى جيش، وكان بعنفوانه بمستوى السلطان بالنسبة لأمّته ووطنه لبنان". "بشير الحلم: هذا شيء زهيد عن بشير الواقع، أما بشير الحلم في قلب وضمير ووجدان كل واحد منا"... "يقولون: البطل ما بيموت! غير صحيح. البطل الحقيقي يموت ويموت بعمر الثلاثينات، بعد أن يتأكد أنّ الفدى تمَّ، والوعد سيكتمل".
سيرة الأباتي
وُلد بولس نعمان في بلدة شرتون بقضاء عاليه العام 1932، ودخل دير الابتداء في 1951. درس الفلسفة واللاهوت في جامعة الروح القدس–الكسليك، قبل أن ينتقل إلى روما ويتخصص في التاريخ في الجامعة الغريغورية. انشغل خلال سنوات دراسته بالبحث في جذور المارونية ونشأة الكنيسة المارونية والظروف التي تكوّنت فيها. عاد إلى لبنان العام 1967 حاملاً شهادة الدكتوراه، وبدأ مسيرة تعليمية وإدارية في مؤسسات الرهبانية اللبنانية المارونية، قبل أن يؤدي دوراً أساسياً في جامعة الروح القدس–الكسليك.
كان عميداً لكلية الآداب ومديراً لمعهد التاريخ في جامعة الروح القدس - الكسليك، ودرّس مواد التاريخ فيها لسنوات طويلة.
جسّد كتاب مذكراته "الإنسان، الوطن، الحرية" خلاصة تجربته الروحية والسياسية. ألّف العديد من الكتب والمقالات والأبحاث التاريخية باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، تركز معظمها على تاريخ الكنيسة المارونية والجبل اللبناني من دون أن تخلو من الإيديولوجيا.




