المعرض المقام لدى "غاليري SPACE"(مار مخايل)، وتشارك فيه 11 فنانة لبنانية، اتّخذ عنوان "الاختلاف مش خلاف". العنوان يتحدث عن نفسه، ويمكن إسقاطه على غير منحى في هذا البلد المتخم بالخلافات على أنواعها، وبعض هذه الخلافات لا أساس منطقياً لها، ولا يتعدى ظهورها وتفاقمها نطاق المشاكسة والحزازات، كما أنها لا تقوم دائماً على أساس صلب.
"هذا المعرض هو رسالة لكل لبناني من أجل تشجيع كل مبادرة أو جهد لتبني فكرة الاختلاف والتنوع التي تحدد مجتمعنا. إن هدفنا ليس تغيير القناعات بل تحويل الأهداف، وصولاً إلى رؤية مجتمعية من زاوية جديدة". بهذه الكلمات يقدم المنظمون المعرض المذكور.
غني عن القول إن الاختلاف هو مسألة بديهية. لو تمتع الجميع بالآراء نفسها، لكان العالم حزيناَ يغمره الملل. وإذا كانت للاختلاف صفة عامة تنطبق على مرافق الحياة والمجتمع والآراء، فإننا سنراه، في الحالة الحاضرة، من خلال التنوًع المفيد في الأعمال التي يضمّها المعرض الذي نحن في صدده. تنوّع ليس بجديد على الفن التشكيلي، وهو، إذ كان شديد الانحسار في الزمن الكلاسيكي، تكرّس وأصبح أوضح في الفنون المعاصرة. لقد ساهم ظهور الفن الحديث في بروز تيارات مختلفة، بقي بعضها ذا علاقة ما بالماضي، في حين انفصل البعض الآخر عنه، وخضع لجدال لا ينتهي، تبعاً لوجهات نظر هذا الاتجاه أو ذاك.
وللمناسبة، وبصرف النظر عمّا نراه أمامنا من الأعمال المعروضة، لم يتم التعامل، دائماً، مع معطيات الفن الحديث من وجهة نظرة متعمّقة في فهم الأسباب والنتائج التي أدّت إلى ظهور تيار ما، بقدر ما جاء التعاطي معه من زاوية شكلية.
من جهة أخرى، يمكن القول إن العديد من لوحات المعرض ترتبط، بشكل أو بآخر، بالتراث الذي أرسته الواقعية، علماً أن هذا الارتباط لم يكن بحسب الطريقة نفسها لدى الجميع، ولا تبعاً للأسلوب ذاته. هذا الأمر ينطبق على أعمال تالا مرمل وزينة الحجيري وفيرا جحا وماري تيريز زوين وملاك الخطيب. مع العلم أن لوحة ملاك الخطيب، على سبيل المثال، هي الأقرب إلى الاتجاه الواقعي الصرف، إلى حد ما، كما يمكن إيراد الحكم نفسه في الحديث عن لوحة زينة الحجيري، ذات الأسلوب المتقن الأقرب إلى الانطباعية. في حين أن لوحات الفنانات الثلاث الباقيات تنحو صوب نهج تعبيري، وهذا ما يبدو جلياً في لوحة فيرا جحا، وهي الأقرب إلى التعبيرية الألمانية، لناحية "تشويه" الشكل البشري عمداً، خدمة لناحية شعورية. هذا الأمر يمكن رصده، أيضاً، في لوحة تالا مرمل، مع العلم أن الفنانة احترمت هنا بعض أصول التشريح، في تعاملها مع القامة البشرية.
وبالرغم من حضور أشكال بشرية، أو غير بشرية، في لوحة ميليسا عوّاد، فإن العمل يتخذ صفة "إكلكتيكية"، أي بمعنى انتقائية، لناحية المزج بين عناصر واضحة الملامح، وأخرى أقرب إلى الرموز والإشارات، ضمن أسلوب لافت، ما يقرّب العمل من أساليب فنون أميركا اللاتينية المعاصرة (روفينو تامايو). أمّا علياء زغيب فقد حاولت استلهام أعمال بيكاسو، في ما يخص التعامل مع الوجه البشري "المفكك"، لكن، وخلافاً للاختصار اللوني لدى التكعيبيين، فإن زغيب لم تبخل في هذا المجال، بعدما حولّت اللوحة إلى عمل لوني بامتياز.
عمل بتول عاشور يوحي بالقلق والتوتر من النظرة الأولى. وإذا كان من الصعب إدراك مقاصده، من دون تفسير تقوم به الفنانة، فيبدو أن اللوحة تنقسم قسمين متنافرين من الناحية التعبيرية. كذلك سيكون من غير السهل التنبؤ بما تبتغيه ماري تيريز زوين تابت في عملها الذي يدور في أجواء قريبة من السوريالية، في حين أننا لا نشك في وجود نوايا وخلفيات شخصية دفينة في ما صنعته. هذا النمط نفسه سنراه في لوحة مريم فنيش المسماة "الحالم"، مع الأخذ في الاعتبار أن مسألة الحلم تشكل إحدى ركائز السوريالية. لوحة زينب شكر، ومن خلال مضمونها الواضح: بجعة تسبح في محيط متموج أصفر اللون، تشير إلى نمط يسير نحو الرومانسية وأساليب النبيين Nabis (بول سيريزيه)، وذلك بعيداً من التعقيد المبالغ فيه.
المعرض، بما فيه من اختلاف في الرؤى، تجتمع المشاركات فيه عبر علاقتهن الجديّة بموضوع التشكيل، ومن خلال الشغف الذي يشوب هذه العلاقة، الواضح لديهنّ جميعاً.
(*) جدير بالذِّكر أن الفنانتين زينة الحجيري وميليسا عوّاد، تلقتا دعوة للمشاركة في "المهرجان العالمي للشباب – روسيا 2026"، بإسم الجمهورية اللبنانية، ما يعتبر تقديراً لأعمالهما. ولا يبقى لنا سوى تمني التوفيق لهنّ في هذه الرحلة الفنية.




