الدب الوحيد

سيف الرحبيالأربعاء 2026/09/09
وادي ميزاب
في وادي ميزاب على مشارف صحراء الجزائر
حجم الخط
مشاركة عبر

الدب الوحيد في براري القسوة والصقيع، تنظر إليه مستوحشاً شريداً، كأنما أقدارٌ عاتية قذفت به إلى هذا المصير. بروميثيوس الحيوان في تلك الصحراء التي تبتلع حتى الظلال مع أجسامها وأشباح المرايا. هذه الصحراء التي تبتلع الظلال وأجسامها وتبتلع الزمان هي الموئل والبيت لتلك السلالات الوحشية الحنونة، في غيرها يضمحل سريعاً ويموت.

***

يعود الدب الذي كان شريداً مع فريسته إلى الجراء التي تركها خلفه في مخابئ الجليد. تهرع إليه بالأحضان الدافئة، لترى قوس قزح الأبدية في عبور بروقه على أرض الحيوان والبشر.

***

بماذا يحلم هذا الطائر؟ يرفرف في فضاء الشجرة العارية الأوراق والأغصان، في هذه الظهيرة الهائجة لأصياف الربع الخالي.

أي شاعر سريالي يستطيع التقاط حلمه العدميّ المرح؟ أي كاميرا تلاحق فضول هذا الحيوان المُحلِّق فوق سحر اليباب؟ كما التقط فلليني صرخة المجنون الإيطالي منفجرة بآلام السنين، من أعالي تلك الشجرة: "أريد امرأة آتوني بامرأة".

***
في بلدات عُمان الجبلية وواحاتها. الاسم الذي نُحت من المعنى مباشرة. فمن يتناولها ماضغاً أوراقها الخضراء الزاهية يترنح في دوامات هذيانات لا حدود لها. هذيانات تصل الوديان المجاورة بأعالي شعابها الأولى، وتصل الواحات بزرود البلدات الموزعة على خطوط القوافل في الصحراء العربية المتلاطمة، حتى تصل إلى "وادي ميزاب" على مشارف صحراء الجزائر الكبرى وإفريقيا، عابرة بحاراً وأرخبيلات شاقة يلفها الموت والغبار.

***

الولدُ الذي أدركَته المراهقةُ بشبق أسلافه، تراه قريباً من العتبة يبكي على حبيبته التي انتقلت إلى مدرسة أخرى. تفصلها عنه الأوهام والمسافات.

في هذا الصباح يبكي، وسيواصل البكاء صباحات قادمة ومساءات، حتى يجرف غبار النسيان والزمن المشهد العاطفي والمكاني، بدموعه وأحلامه التي كانت، ليبزغ أفق آخر في بلاد أخرى. فالعمر ما زال أمامك يا صديقي الصغير، وأنت في أوله ما زلت بداية الرحلة في سفوح جبال الأسطورة والقسوة. لعل وَعلةَ الصُّدفةِ ستساعدك على الطلوع.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث