بلد "ع البلاطة"

زياد كاج الثلاثاء 2026/09/08
حجز سيارة
قال لي الدركي إن "البلاطة" مرت وحجزت كل السيارات المركونة الى جهة اليمين
حجم الخط
مشاركة عبر

انتهت جلسة "طاولة الزهر" مع صديقي في المقهى بشارع عبد العزيز، وهو يشمت بي ممازحاً بسبب خسارتي. أنا علّمته اللعبة وصبرت كي أكسب منافساً. صارت عادة أن نلعب ونأركل نفَساً معسلاً بنكهة "الحامض بالنعنع" لتزجية الوقت، شرط ألا يزعل الخاسر. خرجنا إلى الرصيف الملاصق للمقهى، حيث ركنت سيارتي قرب الحائط، فلم أجدها.


اختفت السيارة!
"سرقوا السيارة يا..."، قلت لصديقي. 
كان يوم الرابع من آب، الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت الرهيب الذي قضى على البشر والحجر، ولم يُكشف حتى اليوم المجرم الحقيقي خلف الانفجار الذي شُبه "بالنووي".


 نسيت خسارتي، وبدأت أشك في أنني قد ركنت سيارتي في مكان بعيد من المقهى. رحنا ندور في الشوارع حول المقهى بحثاً عنها. سألنا أحد عناصر الدرك المنتشرين في المنطقة، فقال إن "البلاطة" مرّت وحجزت كل السيارات المركونة الى جهة اليمين. كان الدركي، عابساً، متوجماً، ينظر يميناً ويساراً، من دون التحديق فينا مباشرة. لاحظت أن عدداً من السيارات الفارهة جداً كانت قد تُركت مكانها. من حبي وتعلقي بالدولة، لا أحب الجدل مع عناصرها، وأتفهم وضعهم وحال البلد عموماً. تذكرت رواية قرأتها منذ سنوات، لصديقي فوزي ذبيان، "مذكرات شرطي"، التي جعلتني أتفهم جهاز قوى الأمن الداخلي وأتعاطف مع عناصره. فنحن في بلد، يُساوي المواطن برجل الأمن في المظلومية.


 قررت التوجه الى مخفر عند أحد مداخل بيروت الجنوبية لتسوية وضع السيارة وتحريرها من الحجز. ركبت "الفان 4"، الذي لم أستخدمه منذ سنوات طويلة. لحسن حظي، كان الفان مريحاً. وصلت ودفعت 150 ألف ليرة، والسائق يقول لي وأنا أترجل: "انتبه من الموتوسيكلات" (الدراجات النارية).


"اليوم عطلة رسمية"، قال العسكري من خلف الحاجز الحديدي. شرحت له وضعي، لكنه اعتذر بلطف. ونصحني: "ما تجي بكرا بالشحاطة.... ما بيخلوك تفوت".


شكرته على نصيحته القيمة، وصعدت فاناً آخر في طريق العودة الى البيت في بيروت.
بعد العشاء وتسليم أمري لله، بدأت سلسلة من الاتصالات عساي أفلح في فك قيد سيارتي من الأسر. ومع الدولة عندنا لا بد من "سند" ونحن في زمن "الإسناد"، وأنا نازح من بيتي في الضاحية الجنوبية منذ سنة تقريباً. وقد عانيتُ وعائلتي مرارة التهجير والحرب والكيل عندي طافح... حتى جاءني الغوث من أحد الأقارب، اتصل بي قائلاً: "روح هلق جيب السيارة واسأل عن فلان".


للحقيقة ترددت. فأنا أعاني جينة النفور من المعاملات في الدوائر الرسمية. والأمر هذا المساء جلل: بلاطة، وقيظ آب، وذكرى انفجار المرفأ في الشاشات. مظاهرات، دموع، أمهات وأخوات ثكالى متشحات بالسواد... والبلد في أمكنة أخرى.. جنة السياح! شعرت بالمظلومية. لكني عدت وخرجت مشياً إلى قرب حديقة الصنائع، وركبت فاناً "مهرهراً"، والسائق يقود وهو غارق في حديث رومانسي لمّاح مع الصبية المحجبة الجالسة الى يمينه.

"يا عمي والله ليل بيروت حلو ولا يخلو من الغراميات والمغامرات!".
وصلت الى مدخل المخفر، وتحدثت مع حارس جديد. أعطيته الاسم، فهز رأسه، وقال: "فوت".
 

بعض العسكر في الداخل بثياب عسكرية، ومعظمهم في ثياب مدنية، وهم في حال استرخاء بعد يوم طويل في شوارع المدنية. لفتني معاون، يرتدي البذلة وفي يده محاضر ضبط المخالفات، وهو يتنقل بين المكاتب ويتحدث مع الزملاء. أستغرقني الأمر دقائق والكثير من الأسئلة، قبل الوصول إلى الشخص المعني. دخلت مكتبه وكنت محرجاً لأن اليوم عطلة، والوقت قارب التاسعة مساء. فأخذ أوراق سيارتي وعاد بعد دقائق، حاملاً ورقة باسم مرآب الحجز قرب مستديرة شاتيلا. دفعت له 500 ألف للمعاملة. "روح استلم سيارتك، وبكرا تعا كمّل المعاملة"، قال بلطف.
 

ركبت سيارة سرفيس أوصلتني الى أمام مدخل المرآب. وجدتني أمام بوابة حديدية ضخمة مغلقة، وسط مكان مقفر، فقال لي السائق قبل أن يغادر: "دق ع الجرس"، ففعلت.
 فُتح الباب وظهر رجل ستيني، عرفت من لهجته أنه فلسطيني ومعه ابنه. أعطيته الورقة وقلت بثقة: "جايي من المخفر".
"68 دولار"، قال.
"قالولي 50 دولار"، اعترضت.
نظر إلى  السماء، وردّد المبلغ نفسه بصوت أخف.

دفعت له، ولاحظت بأن البورة في الداخل لا تحوي الا موتوسيكلات محجوزة.
"ما في وَصل؟ وين السيارة؟"، سألت.
"دقيقتين وبيجيبها... تفضل".
 دخلت، أغلق الباب. ذهب لتناول العشاء، وجلس ابنه، صاحب الأسنان المحطمة، "يتولدن" مع أحدهم على الهاتف، بعدما قدم لي كرسياً بلاستيكياً للجلوس.


جلست في وسط البورة واتكلت على الله أن يمنحني الصبر والسلوان. استعنتُ بمسبحتي ذات الحبوب الخشبية كي أكتسب القدرة على انتظار لا أطيقه. تأملت المشهد حولي: دراجات نارية محجوزة الى اليمين واليسار، بعضها عليها نمرة، ومعظمها بلا نمرة وغير مسجلة لدى مصلحة تسجيل الأليات. قط أبيض نحيف جداً، وسخ، كأنه خاضع لريجيم قهري، يروح ويجيء. الجرذان تجتاز الباحة من اليمين ومن اليسار. كانت جزءاً من المشهد المأسوي. وكان القمر جميلاً معلقاً في السماء، بعيداً من هذه الأرض التعسة على أطراف المدينة.


صدح صوت الأذان. كم كان جميلاً وصافياً. وأخذَت حبيبات مسبحتي الخشبية تتقلب بسرعة أكبر بين أصابعي. ارتحت قليلاً وقلت في سرّي: هي الحياة كلها بلاء ببلاء. 
 أخيراً رأينا ضوءاً من خارج البوابة. فقال الصبي: "يا لا يا عم، وصل الشب".
"ليه وين السيارة؟"، استغربت.
"بتطلع وراه ع الدراجة، وبيوصلك ع الجناح، هونيك السيارة".
صُدمت.
 

بصعوبة ركبت خلف الشاب المهذب على الدراجة النارية، بعدما أصررت عليه بأن يستبدلها بواحدة أقل ارتفاعاً، وأنا أشدد عليه ألا يسرع لأني خاضع لعمليتَي ديسك. كان ابن عيلة، فالتزم بالتعليمات. مر بشوارع وزواريب أرض جلول ثم صبرا ثم المدينة الرياضية، وصولاً إلى الجناح قرب مبنى الضمان الاجتماعي. اكتشفت أن الركوب على دراجة نارية ليلاً هو أفضل طريقة للتخلص من قيظ وحرارة آب. 

أخيراً، رأيت سيارتي المُصادَرة في مرآب إلى جانب سيارات من حجمها وأكبر. لم أصدق حين جلست وأدرت المحرك، وانطلقت عائداً الى البيت.
   

في الصباح التالي، كان علي العودة الى المخفر. استنسخت صوراً لتأمين السيارة وإيصال دفع الميكانيك، وقصدت المخفر بسيارتي. كنت حذراً جداً وأنا أفكر في مكان ركنها بعيداً، كي لا يكون مصيرها على البلاطة مجدداً. في أقل من ساعة، قدمت أوراقي للدركي من خلف شباك حديدي ودفعت 500 ألف مرة ثانية.


"ضروري نحتفظ بهويتك ليمضيها الضابط"، قالي لي معتذراً.
"بجي بعد الظهر؟"، سألت.
"نعم. يلي بعدو"، أجاب منهمكاً بالمعاملات المتراكمة أمامه في مكتبه المكيّف.
 عدتُ الى مكان عملي. وبعد انتهاء الدوام، ورجعت للمرة الثالثة الى المخفر. تسلّمت هويتي التي كانت في المكان الأكثر أماناً لتنسى فيه هويتك لأيام وشهور... وربما لسنوات.


الرابع من آب كان يوماً عصيباً عليّ، لكنه كان بالتأكيد أصعب على أهالي ضحايا تفجير المرفأ، وعلى كل من تركت تلك الجريمة أثارها في أجسادهم ونفسياتهم. 

 

نحن نعيش في بلد على "البلاطة". 
و"البلاطة" تعبير شعبي يُستخدم في حالات الضيق من شخص أو شيء ما. "قاعد متل البلاطة ع قلبي"، أو حين يسأل طبيب القلب مريضه "حاسس ببلاطة ع صدرك؟". 

وهو أيضاً تعبير عن حال الفقر وقلة الحيلة: "عايشين ع البلاطة".

بلد "ع البلاطة".


                       
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث