كتب الباحث العراقي المتخصص في الفلسفة الإسلامية والفكر الديني، علي المدن، في حسابه الفايسبوكي:
قبل أيام، وتحديدًا في اليوم الثاني لافتتاح معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته السابعة والعشرين، يوم الخميس، أخبرني ناشر كتابي "تخوم الوعي الديني" الأستاذ عبد الحليم السامرائي (مدير دار الحكمة / لندن)، أن عناصر من جهاز الأمن الوطني حضروا إلى جناح المكتبة وأخذوا نسخة من الكتاب. واليوم، اتصل بي الناشر ليخبرني بأن الجهاز عاد مرة أخرى، وصادر جميع النسخ الموجودة في المعرض، ومنع بيع الكتاب، من دون إيضاح أسباب المصادرة والمنع، ومن دون أن يسلّمه - بحسب ما أُبلغت - كتابًا رسميًا يبيّن الجهة التي أصدرت القرار أو الأساس القانوني المُستند إليه.
لقد فوجئت بهذا الإجراء حقًا.
أعرف أن الكتب قد تُمنع أحيانًا في معارض بعض الدول العربية والإسلامية، وأن المنع يستند - أو يفترض أن يستند - إلى أسباب محددة: كالمساس بالذات الإلهية، أو خدش الحياء والآداب العامة، أو التحريض على العنف والكراهية والعنصرية، أو الإساءة إلى الدولة ومؤسساتها، أو غير ذلك مما تحدده القوانين والأنظمة النافذة. لكني لا أعرف أيًّا من هذه الأسباب يمكن أن ينطبق على كتابي. فالكتاب ليس منشورًا تحريضيًا، ولا بيانًا سياسيًا، ولا دعوة إلى العنف أو الكراهية، وإنما هو حصيلة سنوات من البحث والكتابة في الفكر الديني والاجتماعي والسياسي العراقي.
أما كاتبه، فقد أمضى عقوداً في الدراسة الدينية والأكاديمية في مدينة قم، ودرس في معاهدها الدينية وجامعاتها، وأكمل فيها دراساته الجامعية من البكالوريوس إلى الماجستير والدكتوراه. ومن يعرف كتاباتي ومواقفي، يدرك جيدًا أني أكتب من داخل سؤال المعرفة والإصلاح، ولست معنياً بالتحريض ضد/أو الخصومة مع أي طرف، كما أني غير مرتبط بأجندة، ولا أنتمي لأي جهة، إنما أنتمي لذاتي ولديّ أجندتي الخاصة من موقعي المعرفي ككاتب ومحلل ومواطن عراقي يهمه هذا البلد وشعبه.
وكتاب "تخوم الوعي الديني" نفسه شاهد على ذلك. فقد تناولتُ فيه تاريخ حوزة النجف وتحولاتها، ودرست المرجعية الدينية، لا سيما تجربة السيد علي السيستاني وخطابها وتأثيرها في المجال العراقي والإيراني والإقليمي والدولي. كما تناولت تاريخنا السياسي والاجتماعي القريب، خصوصاً المهمل أو الإشكالي منه، كانتفاضة آذار1991، والظاهرة الصرخية والحركة الصدرية والتشيّع السياسي، وعن عدد من أعلام الفكر العراقي، مثل علي الشرقي ومحمد رضا المظفر، فضلًا عن التيارات الدينية والسياسية وتحولاتها والتحديات التي تواجهها.
بل خصصتُ فصلًا كاملًا لموضوع الفقه والدولة الوطنية، تناولت فيه تجربتين كبيرتين في الاجتهاد الشيعي المعاصر: تجربة المفكر والفقيه محمد باقر الصدر، وتجربة المرجع المعاصر السيد علي السيستاني، وحاولت بيان ما أضافاه من "أشكلة" وعمق للتفكير الفقهي في قضايا الدولة والمجتمع، وذهبت إلى أن العودة بالعقل الفقهي العراقي إلى ما قبل الأسئلة والاجتهادات التي أثارها الصدر والسيستاني تمثل تراجعًا عن تطور مهم شهده الفقه العراقي المعاصر.
كما ناقشتُ، في دراسات مطولة، المدونة الشيعية للأحوال الشخصية، وما أراه فيها من مشكلات قانونية واجتماعية، وما يمكن أن يترتب عليها من أزمات تمس الدولة والمجتمع والأسرة العراقية. وكتبت كذلك عن أحداث معاصرة (احتجاجات البصرة في تموز2018، واحتجاجات تشرين2019)، وغيرها من التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها العراق خلال السنوات الأخيرة. أما الفصل الأخير من الكتاب، فتناول قضايا التدين والفردانية ورهاب الهويات الجماعية، وإمكان بناء تديّن مسالم ومتوافق مع الدولة المدنية، واحترام الدستور والقانون، والعيش المشترك في مجتمع متعدد.
قد يوافق القارئ على ما كتبته، وقد يعارضه، وقد يجد في بعض أفكاره ما يستحق النقد والمناقشة؛ وهذا كله طبيعي، بل هو الغاية من الكتابة أصلًا. فالكتاب الذي لا يقبل الاختلاف حوله، لا ينتمي إلى ميدان الفكر، وإنما إلى ميدان التلقين. ولهذا فإن سؤالي إلى جهاز الأمن الوطني العراقي إنما هو سؤال مواطن وكاتب يريد أن يعرف: لماذا صودر كتابي؟ ما النص أو الفكرة أو الصفحة التي وجد الجهاز أنها تستوجب منع الكتاب من التداول؟ وما الأساس القانوني الذي استند إليه قرار المصادرة؟
لا أطالب بامتياز لكتابي، ولا بحصانة لأفكاري، لكن أن يُسحب كتابٌ فكري من معرض دولي، وتُصادَر نسخه، ويُمنع من البيع من دون بيان معلن للأسباب، فإن المسألة عندئذ تتجاوز كتابًا أو كاتبًا بعينه، لتصبح سؤالًا عن حرية التأليف والنشر، وحدود سلطة المؤسسات التنفيذية، وحق المواطن في معرفة الأساس القانوني للإجراء المتخذ بحقه.
لقد كتبت في هذا الكتاب، وفي غيره، كثيرًا، عن ضرورة احترام الدولة ومؤسساتها، وعن الدولة المدنية والدستور وسيادة القانون. ومن هذا المنطلق نفسه أسأل اليوم المؤسسة التي صادرت كتابي. لا أريد أن أستبق الإجابة بتفسير، لست في صدد اختلاق مواجهة سياسية أو إعلامية مع طرف، أريد فقط جوابًا واضحًا: لماذا صادرتم كتابي يا جهاز الأمن الوطني؟
6 أيلول/سبتمبر 2026
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وشغلت مصادرة الكتاب رواد فايسبوك، وهنا أبرز ما كُتب:
حسنين العلي
ما حدث مع كتاب "تخوم الوعي الديني" للباحث علي المدن، هو تجسيد كلاسيكي لما يُعرف في علم الاجتماع والإعلام بـ"تأثير سترايسند" (Streisand Effect)حيث تؤدي محاولة حجب أو مصادرة معلومة أو مادة معينة إلى تسليط الضوء عليها ومضاعفة انتشارها بشكل غير مسبوق.
لم تكن تلك المصادرة سوى إطلاق شرارة لفضول جمعي عارم. فما إن كُتب المنشور وانتشر الخبر حتى انقلبت المعادلة رأسًا على عقب واستيقظت في الشارع العراقي الغريزة الأزلية: «كل ممنوع مرغوب» تحول الكتاب بين ليلة وضحاها من دراسة أكاديمية متخصصة إلى حديث الساعة وأصبح التساؤل عن سر الخوف منه كافيًا لدفع القراء نحو التدافع على المكاتب العامة وأرصفة شارع المتنبي لاقتناص أي نسخة متبقية قبل نفادها.
لم يقف الأمر عند نفاد الورق واشتعال الطلب في الأسواق بل سرعان ما تحول الحظر إلى حملة تسويق مجانية هائلة لم تكن لتخطر على بال المؤلف أو الناشر تسربت الصفحات إلى فضاءات الإنترنت وقنوات التواصل، وأصبح الكتاب يُتداول بالمجان وعبر آلاف الأجهزة، لتكتشف أدوات المنع التقليدية أنها لا تواجه كتابًا، بل تواجه عصرًا مفتوحًا يجعل من كل محاولة للمصادرة أسرع طريق إلى الخلود والانتشار.
فرات علي
بما انو تم مصادرة كتاب علي المدن "تخوم الوعي الديني" من قبل الامن الوطني ومن دون معرفة الأسباب، هذي محتويات الكتاب لمن يود معرفة عن ماذا يتحدث.
يذكر في صفحة 331 لماذا ثورة تشرين عظيمة؟!
-لأنها ثورة مواطنة
-لأنها ثورة مواطنين
-لأنها ثورة حقوق
-لأنها ثورة إصلاحية
-لأنها ثورة سلمية
-لأنها ثورة تضامنية
ولهذه الخصائص يعدها علي المدن ثورة العراق الكبرى.
إن شاء الله في المقبل من الأيام، ننشر شيئاً من محتوى الكتاب، إذا ما صادروه الأمن الوطني.
مصادرة «تخوم الوعي الديني».. هل يُمنع حتى من يذكر مواقف المرجع الصرخي؟
أثارت مصادرة كتاب «تخوم الوعي الديني» للباحث علي المدن من معرض بغداد الدولي للكتاب تساؤلات واسعة، خصوصًا أن الكتاب في جزء منه يتناول مواقف المرجع المهندس الصرخي الحسني ويعرضها ويبينها
ويرى منتقدون أن هذه الحادثة تكشف نهجًا تتبعه الدولة المدعومة من الحوزة والمرجعية في النجف، بقيادة السيستاني، يقوم على التضييق على كل من يتناول المرجع الصرخي أو يشرح مواقفه، حتى عندما لا يكون الطرح مؤيدًا له بصورة مباشرة.
فهل أصبح مجرد ذكر المرجع الصرخي أو عرض مواقفه سببًا كافيًا لمنع الكتاب ومصادرته؟
عادل صادق
مصادرة كتاب "تخوم الوعي الديني"، للدكتور علي المدن، من قبل الأجهزة الأمنية، من دون إعلان أسباب المنع أو سنده القانوني، ليس مجرد إجراء أمني عابر؛ إنها إشارة مقلقة إلى عودة العقلية التي ترى في الكتاب خطر، وفي الفكرة جريمة، وفي القارئ مشروع متهم.
يجب رفض هذا السلوك الاستبدادي والقسري بأشد العبارات، فليس من وظيفة الأجهزة الأمنية أن تفتش الكتب، أو تراقب الأفكار، أو تتلصص على أحاديث الناس، أو تقرر لهم ماذا يقرأون وماذا يفكرون. الأمن يحمي المجتمع، ولا يحرس العقول من الأسئلة.
وإذا كانت هناك مخالفة قانونية في الكتاب، فليُعلن نصها وسندها وإجراءاتها أمام الرأي العام؛ أما المصادرة الصامتة، بلا تفسير ولا شفافية، فهي عودة صريحة إلى منطق الرقابة الأمنية وتكميم الأفواه وتحجيم الثقافة.
نحن لا ندافع عن كتاب لأننا نتفق مع كل ما فيه، لكن ندافع عن حق الكتاب في أن يُقرأ، وحق الكاتب في أن يكتب، وحق المواطن في أن يختلف.
لقد تجاوز العراق، أو (هكذا يفترض)، زمن الدولة البوليسية التي تخاف من كتاب ومن سؤال ومن عقل حر. ومن المؤسف أن نرى اليوم من يحاول إعادة إنتاج ذلك الماضي بأدوات جديدة.
الكتب لا تهدد الدول؛ فقط الدول الهشة هي التي تخاف من الكتب.
والفكرة لا تُهزم بالمصادرة؛ و انما تكبر بها.
أما العقول، فلا يمكن وضعها تحت الحراسة إلى الأبد…
محمد الشمري
المنع والمصادرة أفضل دعاية ممكن يحصل عليها كتاب ما، بغض النظر عن محتواه، وهو ما حصل مع كتاب "تخوم الوعي الديني" للباحث علي المدن.
وكالات أنباء ومواقع سوشيال ميديا، تناولت خبر مصادرة نسخ الكتاب من معرض بغداد، من قبل جهاز الأمن الوطني، بحيث العديد يتسألون عن مضمونه ويبحثون عنه!!
أكو دعاية أفضل من هاي؟!!
بالمناسبة البعض يروج سبب المصادرة كون الكتاب يصف تشرين بالثورة العظيمة، وهاي مو حقيقة، السبب الرئيسي، باعتقادي الشخصي، هو محاولة تصور مرحلة ما بعد رحيل السيد السيستاني، وتقديم "الصرخي" بوصفه المرجعية العراقية.
وسام الخزعلي
السؤال الأساسي الذي يبدو أن الكتاب يدور حوله هو:
هل يستطيع الوعي الديني العراقي أن يتطور بحيث يتعايش مع الدولة الوطنية والمواطنة والقانون والحياة المدنية، من دون أن يتحول الدين إلى مشروع للهيمنة السياسية؟
وأنا أقرأ خبر سحب كتاب علي المدن من معرض بغداد للكتاب، وما أثاره ذلك من ضجة وجدال، تذكرت رواية سلمان رشدي «آيات شيطانية». فقد كانت الرواية، قبل الجدل الذي أُثير حولها، محصورة إلى حدٍّ كبير في أوساط القرّاء والمهتمين والأكاديميين، ولم تكن تحظى بذلك الانتشار العالمي الواسع.
لكن ما حدث بعد إثارة الجدل حولها كان مختلفاً تماماً؛ إذ انتشرت الرواية على نطاق واسع، وأعيد طبعها بأعداد كبيرة، وترجمت إلى لغات متعددة، وأصبح اسم سلمان رشدي والرواية معروفين على المستوى العالمي، حتى بات الكتاب متداولاً لدى جمهور أوسع بكثير من جمهوره الأول.
إن سحب ومصادرة كتاب «تخوم الوعي الديني» لعلي المدن من معرض بغداد الدولي للكتاب، تعيد إلى ذاكرة العراقيين نمطاً من الاستبداد الفكري والسياسي الذي عرفه العراق قبل عام 2003، حين كانت السلطة تصادر الأفكار والكتب وتحاصر حرية التعبير، وتحاول حصر المجال العام في فكر واحد ورؤية واحدة
وبينما كان من المفترض أن تكون الديمقراطية مدخلاً إلى حرية الفكر والتعبير وتعدد الآراء واحترام الاختلاف، نجد اليوم أن مصادرة كتاب أو التضييق على فكرة تعيد إلى الأذهان السؤال عن طبيعة الدولة التي تشكلت بعد 2003: هل نحن أمام دولة ديمقراطية تتسع للاختلاف، أم أمام إعادة إنتاج لبعض ممارسات الدولة الاستبدادية ولكن بأدوات وشعارات جديدة؟
لا تزال الأفكار تحاصر خلف الأبواب،
مصادرة نسخ كتاب (تخوم الوعي الديني) للدكتور علي المدن من معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته الحالية ، ومنع بيعه وتداوله، من دون أن يقدم للرأي العام توضيح يبين أسباب المصادرة أو مسوغاتها.
وهنا يحق لنا أن نسأل: متى يدرك أصحاب القرار أن مصادرة الكتاب لا تعني مصادرة الفكرة، وأن حجب المعرفة لا يمكن أن يحجب أثرها؟
إن منع كتاب من رفوف معرض لا يمنع وصوله إلى أيدي القراء، بل قد يمنحه شهرة لم يكن يسعى إليها، ويحوله من كتاب بين مئات الكتب إلى كتاب يبحث عنه الجميع. فالمنع، في كثير من الأحيان، لا يقتل الفضول؛ بل يوقظه.
لقد انتهى زمن كانت فيه الأفكار تحاصر خلف الأبواب، وتدفن بعيداً عن أعين الناس. نحن نعيش في عصرٍ لا تعترف فيه المعرفة بالحدود، ولا تستطيع السلطة أن تضع أقفالا على العقول.
الفكرة لا تصادر، والكتاب لا يغيب بمجرد سحبه من الرفوف، والسؤال لا يموت لأن أحدا قرر ألّا يطرح.
وإذا كان في الكتاب ما يستوجب النقد أو الرد، فليكن الرد بالفكرة، وبالحجة، وبكتاب آخر. أما المصادرة، فلا تصنع وعيا ولا تحسم جدلاً، وإنما تترك وراءها أسئلةً أكبر من الكتاب نفسه.
فدعوا الناس تقرأ، وتختلف، وتناقش، وتحكم بعقولها.
فالكتب قد تسحب من المعارض، لكن الأفكار حين تجد طريقها إلى العقول، لا يستطيع أحد أن يصادرها.
نبيل الربيعي
مصادرة كتاب...
ليست مصادرة كتاب الباحث العراقي علي المدن (تخوم الوعي الديني) حادثة ثقافية عابرة، بل علامة كاشفة على علاقة السلطة العراقية بالكتاب والفكرة والاختلاف.
المفارقة أن المصادرة حدثت في معرض الكتاب؛ المكان الذي يفترض أن يكون آخر ما تصل إليه يد المنع. ففي الوقت الذي ترفع فيه شعارات الثقافة والانفتاح، وتفتح أجنحة المعرض للاستعراض السياسي والصور البروتوكولية، يجد كتاب طريقه إلى المنع والمصادرة.
لقد تحول المعرض، في جانب كبير منه، إلى سوق للناشرين والطباعة والمبيعات، وإلى منصة لحضور الشخصيات السياسية والفنية، بينما تراجع دوره بوصفه فضاء للأسئلة الفكرية والحوار والنقد. لا مشكلة في أن يكون للكتاب سوق، لكن الكارثة أن يصبح السوق مسموحاً، والسؤال ممنوعاً.




