تنشغل بعض الصحف والمواقع الإلكترونية منذ أسابيع بمذكرات الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، التي نشرها عن دار "نوفل" تحت عنوان "قدر في هذا المشرق". ليس حدثاً عادياً أن يقرر رجل وُلد في بيت زعامة تاريخية أباً عن جد، وعاصر والده كمال جنبلاط، السياسي والمفكر، وعاش قرابة نصف قرن وسط منطقة من الرمال المتحركة، كان حاضراً فيها لا متفرجاً، بل مشاركاً، وصاحب رأي، ودور، أن يروي تجربته، ويستعيد تلك الرحلة الطويلة.
تسلّم المسؤولية بعد اغتيال والده في آذار عام 1977 من قبل الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، وكانت ذات مستويات عدة: عائلية، وطائفية، ولبنانية، وعربية. كان عليه أن يقف بشجاعة أمام تلك الفاجعة الشخصية، من دون خوف أو انفعال، وأن يملأ موقع الزعامة الشاغر في البيت والطائفة وفي الصف اللبناني، وأن يحدد موقعه من القضية الفلسطينية، والعلاقات مع سوريا، والعالم العربي.
لم يكن ذلك سهلاً على شاب لم يبلغ 27 عاما من عمره، ولم تكن لديه خبرة حياتية كافية، لا في العمل ولا في السياسة، ولم يكن كافياً أنه وُلد في بيت يشكل مدرسة سياسية وثقافية بحد ذاته، إذ لم يكن وسطه العائلي خالياً من التوترات. فوالدته كانت تعيش بعيداً في باريس حين سقط الأب برصاص الأسد، بحسب ما رواه وليد في شهادته على قناة الجزيرة. وفوق ذلك، وجد نفسه مطالباً بتحمل أعباء سياسية وعائلية تفوق خبرته بكثير. فالدراسة الجامعية، مهما كانت رفيعة، لا تكفي وحدها لإعداد شاب لممارسة السياسة، ولا سيما حين يجد نفسه أمام إرث ثقيل تركه أب كان واحداً من أبرز السياسيين اللبنانيين والعرب.
كانت أمام وليد جنبلاط عقبتان أساسيتان، أولاهما الخروج من ظل الأب صاحب القامة العالية سياسياً وثقافياً وإنسانياً. كان كمل جنبلاط علماً يرفرف عالياً، لا في لبنان وحده، بل في العالم العربي وخارجه. نسج شبكة واسعة من العلاقات والمعارف العربية والدولية، وتحمل مسؤوليات كبيرة، واتخذ مواقف سياسية من قضايا المنطقة، وكان على تماس مع أهم القضايا العربية، في فلسطين وسوريا واليمن ومصر ودول الخليج العربي. لم يكن زعيم طائفة صغيرة في لبنان، بل كان ظله يمتد بعيداً، ليغطي مساحات شاسعة من السياسة العربية.
ثانياً، أن يتخلص من المقارنة مع والده بإثبات ذاته وإبراز شخصيته، فالزعامة ليست مزرعة يرثها الابن عن أبيه ويديرها وفق خبرته ومصالحه، وإنما هي موهبة شخصية، وثقافة، ومقدرة على فهم الأحداث وتمثلها. وهناك أمثلة كثيرة في محيطه اللبناني السوري على فشل الأبناء في خلافة الآباء، وتبديد المنجز الذي بنوه من الصفر بالكفاح والمناقبية والتضحيات. وقد انفرد وليد بين أقرانه بالحفاظ على إرث أبيه، ولم يحد عن طريقه، وإن كان قد غيّر في الأسلوب، وهو ما منحه شخصيته الخاصة، ومكّنه من البقاء حياً متجاوزاً حقول الألغام، والنجاة من المكائد ومحاولات الاغتيال، وفوق ذلك كله، امتلاك القدرة على المناورة والشجاعة في اتخاذ القرار في أصعب الأوقات.
مذكرات جنبلاط شهادة قيمة على نصف قرن من تاريخ المشرق العربي، قبل أن تكون رغبة ذاتية في تسجيل حياته الشخصية، فهو ليس فناناً أو كاتباً أو رحالة يسجل تفاصيل حلوة ومرة عاشها، بل زعيماً سياسياً، وبهذا المعنى تقع على عاتقه مسؤولية تسجيل شهادته على قرابة نصف قرن من تاريخ المنطقة، عاشه في قلب الحروب والأحداث والتحولات الكبرى: الحرب الأهلية اللبنانية وتداعياتها في المكان والزمان، والاجتياح الإسرائيلي لبنان عام 1982، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وتشكيل جبهة المقاومة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي للبنان، واغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل، وانتخاب شقيقه أمين الذي وقع اتفاق 17 أيار مع إسرائيل وإسقاطه لاحقا، وحرب المخيمات الفلسطينية، واجتياح العراق للكويت، وحرب الخليج الأولى، واتفاق أوسلو، ورحيل حافظ الأسد وتوريث نجله بشار، وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، واغتيال حليفه رفيق الحريري، ومن بعد ذلك جورج حاوي وسمير قصير، وانسحاب الجيش السوري من لبنان، وثم الربيع العربي والثورة السورية.
هي عمل شجاع، لأن كشف أوراق مرحلة كاملة ليس بالأمر الهين، ويتطلب قدرا من رباطة الجأش ومسافة من الأحداث من أجل سردها ليس كما يناسب مزاجه ومصلحته، بل من موقع الاعتراف السياسي الذي يسجل ما له وما عليه، وباعتبار أن مسيرته السياسية شهدت فشلا وإخفاقا وهبوطا، ولم تكن كلها نجاحات وصعودا وإنجازات، فإن ذلك يدل على عدم الخوف من قول الحقائق، وقد لا تصل درجة الموضوعية إلى مائة بالمائة، إلا أنها لن تنزل لمستوى متدن، فنحن في زمن ليس من الصعب فيه فحص مدى مصداقية أي شيء، ثم أن هناك العديد من الشهود على تلك المرحلة لا يزالون أحياء وبوسعهم أن يدلوا بما لديهم.
المذكرات عمل ثقافي من جنبلاط، الذي يعطي للثقافة والكتابة قيمة كبيرة، وتشغل القراءة والكتاب مكانة في حياته، إلى حد أن الكتب هي أفضل هداياه لأصدقائه ولمن يلتقيهم من السياسيين والمثقفين. حتى أنه يشتري من الكتاب الواحد عدة نسخ ليوزعها هدايا. وقد قرر هذه المرة أن يكون كتابه هو الهدية، الأمر الذي يثير الفضول تجاه عمل كتبه رجل كان قدره أقوى منه، وجد نفسه منذ شبابه مضطراً إلى التعامل مع لعبة أكبر منه، بدأت بمقتل والده، ثم تحولت إلى مسؤولية ثقيلة عن موقعه وموقع عائلته وطائفته وبلده، في زمن كانت فيه الأحداث تعصف بلبنان والمشرق.
مذكرات جنبلاط درس أخلاقي أيضاً. فمن غير المألوف في عالمنا العربي أن يضع زعيم حياته على طاولة التشريح، ويفتح صناديقه المغلقة بإحكام، ويفسح المجال أمام الرأي العام كي يقول كلمه فيه. إنه بذلك يقر بأن الزعيم ليس منزهاً عن النقد، ولا فوق المساءلة، وأن حياته السياسية ليست ملكاً خاصا مغلقاً أمام الناس. في المقابل، اعتاد كثير من الزعماء العرب أن يحيطوا أنفسهم بالغموض، وأن يتعاملوا مع حياتهم وأسرارهم باعتبارها شأناً لا يحق لأحد الاقتراب منه، حتى يموتوا، فتُفتح خزائنهم المغلقة، ويبدأ آخرون في بيع أسرارها للصحافة.




