"مبروك التحرير"..لن هل ينتهي الاحتلال بانسحاب المحتل؟

سمر البنّاالأحد 2026/09/06
كيف عاشت القرى الجنوبية الحدودية بعد الانسحاب الإسرائيلي؟
كيف عاشت القرى الجنوبية الحدودية بعد الانسحاب الإسرائيلي
حجم الخط
مشاركة عبر

في "مبروك التحرير"، لا تتوقف المخرجة داليا فتح الله عند لحظة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، بل تتابع ما جاء بعدها، من خلال عائلة أُبعدت عن كفرحمام وعادت إليها بعد 22 عامًا. ومن خلال رحلة العودة، يفتح الفيلم مساحة للتأمل في معنى استعادة المكان بعد سنوات من الغياب.

 

وبين مشاهد العودة وتفاصيل الحياة اليومية، يرصد الفيلم كيف تستعيد القرية إيقاع حياتها تدريجيًا، وكيف يتعامل أهلها مع ما تركه الاحتلال في المكان وفي ذاكرتهم وعلاقاتهم. فلا تبدو كفرحمام في الفيلم مجرد موقع للأحداث، بل مكانًا يحمل آثار الماضي ويشهد في الوقت نفسه على محاولة استعادة الحياة.

ومن خلال هذه التفاصيل، يتجاوز "مبروك التحرير" توثيق لحظة التحرير، ليطرح أسئلة عمّا يأتي بعدها: كيف تُستعاد الحياة في قرية عاشت سنوات من الإبعاد والاحتلال؟ ماذا يبقى من الاحتلال بعد رحيله؟ وما دور الدولة في إعادة الإعمار والتعويض؟  

 

العودة إلى كفرحمام

يبدأ الفيلم بمشهد عودة عائلة إلى كفرحام، قادمين من بيروت، في لحظة تختلط فيها فرحة التحرير بفرحة استعادة البيت والمكان. كانت العائلة قد أُجبرت على مغادرة القرية إلى بيروت خلال فترة الاحتلال، فيما كان أحد أبنائها من المقاومين والمعتقلين سابقًا في معتقل الخيام. لذلك، لا تبدو عودتهم في الفيلم مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل استعادة لجزء من حياة انقطعت لسنوات.

ترافق العودة مظاهر الاحتفال بانسحاب الاحتلال، فيما يتوافد الأهالي إلى القرية ويتفقدون بيوتهم. يدخل بعضهم إلى المنازل التي غابوا عنها سنوات، يبحثون بين جدرانها عن تفاصيل يعرفونها، ويستعيدون ذكريات عاشوها فيها قبل الاحتلال.  

ولا تقتصر مشاهد العودة على البيوت. فالفيلم يلتقط أيضًا لحظات لقاء الأهالي ببعضهم بعد سنوات من الفراق؛ عناق، دموع، وضحكات تختلط فيها مشاعر الفرح بالعودة مع ثقل السنوات التي مرت بعيدًا عن القرية. في هذه المشاهد، يصبح اللقاء بين الناس جزءًا أساسيًا من معنى التحرير، إذ لا تعود الأرض وحدها إلى أهلها، بل يعود أهلها أيضًا إلى بعضهم وإلى تفاصيل حياتهم التي انقطعت.

وتبدو الذكريات حاضرة في هذه العودة بقدر حضور المكان نفسه. فبينما يتفقد الأهالي منازلهم ويتحدثون عن حياتهم فيها قبل الاحتلال، يستعيدون شيئًا من الماضي الذي ظل حاضرًا رغم سنوات الغياب. ومن خلال هذه التفاصيل، يقدّم الفيلم العودة كخطوة أولى نحو استعادة الحياة، لا كحدث ينتهي بمجرد الانسحاب، بل كبداية لمحاولة إعادة بناء علاقة الناس بمكانهم وبحياتهم فيه.

 

لماذا كفرحمام؟

لم يكن اختيار داليا فتح الله لكفرحمام مخططًا له منذ البداية، بل جاء إلى حدّ ما عن طريق الصدفة. كانت تعمل في القرية ضمن مشروع مع هيئة الإغاثة، في مرحلة التحضير للتحرير، وهناك بدأت علاقتها بالمكان وأهله. ومع اقتراب لحظة التحرير، جاء اقتراح تصوير عائلة خلال عودتها إلى القرية ومواكبة ما سيحدث معها بعد سنوات من الإبعاد. من هنا بدأت فكرة الفيلم تتشكل تدريجيًا، وتحولت كفرحمام من مكان تعمل فيه المخرجة إلى مساحة تتابع فيها حياة الناس وتفاصيل مرحلة جديدة بدأت مع التحرير.

خلال التصوير، اختارت فتح الله أن تبقى قريبة من الأحداث من دون أن تتدخل فيها، وأن تترك للناس مساحة للتعبير عن تجاربهم ومواقفهم كما هي. أخذت دور المراقب لما يجري، تتابع الحياة اليومية والتغيرات التي كانت تشهدها القرية، وتحاول أن تلتقط وجهات النظر المختلفة من دون أن تضع أحكامًا مسبقة على أصحابها. وهذا الأمر لم يكن سهلًا، خصوصًا أن القرية كانت تعيش مرحلة حساسة، وأن آثار سنوات الاحتلال وما رافقها من انقسامات كانت لا تزال حاضرة في العلاقات بين الناس.

ومع مرور الوقت، ساعد هذا الأسلوب على بناء علاقة من الثقة بينها وبين أهل القرية. لم تدخل إلى المكان لتفرض رواية واحدة أو لتصنف الناس وفق مواقفهم السابقة. واستمر وجودها في كفرحمام نحو سنة ونصف، فيما امتدت فترة التصوير لنحو ثمانية عشر شهرًا، ما أتاح لها أن تتابع القرية ليس فقط في لحظة التحرير، وإنما في الأيام والأشهر التي تلتها.

وهذا الزمن الطويل في التصوير أعطى الفيلم فرصة لالتقاط ما قد لا يظهر في تسجيل سريع للحظة التحرير: العلاقات التي بدأت تتشكل من جديد، وطريقة تعاطي الأهالي مع بعضهم، والتغيرات التي طرأت على القرية، والأسئلة التي بقيت مفتوحة بعد انتهاء الحدث الذي انتظره أهلها سنوات طويلة.

 

حين تستعيد القرية إيقاع حياتها

لا يقدّم الفيلم عودة الأهالي إلى كفرحمام باعتبارها نهاية القصة، بل يتابع كيف بدأت القرية تستعيد إيقاع حياتها شيئًا فشيئًا. تظهر هذه العودة في تفاصيل بسيطة ويومية، من زراعة الأرض وإعادة ترتيب البيوت، إلى إعادة تنظيم حياة العائلات ومحاولة استعادة العادات التي كانت جزءًا من الحياة قبل الاحتلال. ومع الوقت، تتسع الصورة لتشمل الأفراح وحفلات الزفاف، وتظهر الحياة العامة أيضًا وهي تعود إلى مسارها الطبيعي، من خلال الحراك السياسي والانتخابات والترشح والاقتراع، إلى جانب البحث عن فرص العمل وتأمين الاحتياجات اليومية.  

لكن استعادة الحياة لم تكن سهلة أو مكتملة. فقد أثّر الاحتلال بشكل مباشر في قدرة الأهالي على استثمار أراضيهم وزراعتها، بعدما تلوثت بعض الأراضي والمحاصيل وأصبحت أجزاء منها غير صالحة للزراعة. لذلك، تبدو العودة إلى الأرض في الفيلم مرتبطة أيضًا بمحاولة استعادة مصدر أساسي من مصادر العيش، وليس فقط استعادة مكان ارتبط بذاكرة الأهالي.

 

التعايش مع ذاكرة الاحتلال

لا يتجاهل الفيلم الجانب الأكثر حساسية في مرحلة ما بعد التحرير، وهو العلاقة بين أهالي القرية والأشخاص الذين عملوا مع جيش لحد خلال فترة الاحتلال. ويظهر ذلك من خلال أكثر من حالة، من بينها رجل كان موقوفًا في السجن، بينما بقيت والدته وأولاده في القرية. وفي هذا السياق، يلفت الفيلم إلى موقف الأهالي من أبناء هؤلاء الأشخاص، إذ لم تتم مقاطعتهم أو منعهم من الاختلاط بأبناء القرية ومصادقتهم، انطلاقًا من فكرة واضحة مفادها أن الأطفال لا يتحملون مسؤولية أفعال أهلهم.

وتشير داليا فتح الله إلى أن المصالحة بين الأهالي حصلت تدريجيًا، وترى أن من الأمور اللافتة أن أهل القرية أنفسهم كانوا أصحاب الدور الأساسي في التعامل مع هذه المسألة، وليس فقط الجهات الرسمية. فبعد سنوات حملت الكثير من الانقسامات والشكوك، كان على الناس أن يجدوا طريقة للعيش معًا من جديد، وأن يتعاملوا مع ماضٍ لم يكن من السهل تجاوزه بمجرد انتهاء الاحتلال.

ويعرض الفيلم أيضًا شهادة شخص عمل مع الاحتلال في مجال مرتبط بالنقل، ويوضح أنه لجأ إلى ذلك تحت ضغط الخوف من الاعتقال والتعذيب، وأنه لم يرَ أمامه خيارًا آخر في تلك الظروف. هذه الشهادة تضيف جانبًا آخر إلى النقاش، إذ لا يقدّم الفيلم القضية بصورة واحدة أو أحكام جاهزة، بل يترك مساحة لسماع روايات مختلفة وفهم الظروف التي دفعت بعض الأشخاص إلى اتخاذ مواقفهم.

وفي المقابل، لا يغيب الاعتراض من جانب الأهالي على طريقة تعامل الدولة مع العملاء السابقين، وخصوصًا ما اعتبروه قصرًا في مدة الاعتقال أو عدم كفاية الإجراءات المتخذة بحقهم. كما يظهر اعتراض آخر يتصل بما اعتبره الأهالي تقصيرًا تجاه القرية نفسها، سواء لناحية الخدمات أو الحماية الأمنية، وهو ما يفتح سؤالًا أوسع حول مسؤولية الدولة تجاه المناطق التي عاشت سنوات طويلة تحت الاحتلال.

داليا فتح الله

ويأخذ التعايش في الفيلم بعدًا يتجاوز العلاقة بين من تعاونوا مع الاحتلال وبقية الأهالي، ليشمل أيضًا الاختلافات السياسية والدينية داخل القرية. ومن المشاهد اللافتة في هذا السياق حضور شيخ في إحدى مناسبات ذكرى التحرير وإلقائه كلمة، فيما يظهر العلم اللبناني وإلى جانبه العلم الشيوعي، قبل أن يلقي شخص شيوعي كلمة بدوره في المناسبة نفسها. تبدو هذه التفاصيل الصغيرة وكأنها تختصر محاولة القرية إيجاد مساحة مشتركة رغم اختلاف الانتماءات والخلفيات.

وفي أكثر من نقاش، يعود الفيلم إلى فكرة مسؤولية الأهالي تجاه بعضهم البعض، وضرورة مساعدة بعضهم في الظروف الصعبة، والابتعاد قدر الإمكان عن منطق الكراهية والثأر والثأر المقابل. فالمصالحة هنا لا تعني بالضرورة نسيان ما حدث أو إنكار المسؤوليات، بقدر ما تعني البحث عن طريقة تمكن الناس من الاستمرار في العيش معًا داخل القرية نفسها.

ومن خلال هذه المواقف والشهادات، يطرح «مبروك التحرير» سؤالًا صعبًا حول ما الذي يعنيه أن تنتهي الحرب أو الاحتلال بينما تبقى آثاره في العلاقات بين الناس. فالتحرير بالنسبة إلى أهل كفرحمام لم يكن فقط استعادة الأرض، وإنما كان أيضًا اختبارًا لقدرتهم على التعامل مع ماضٍ قريب، وعلى بناء شكل من التعايش يمنع استمرار الانقسام بعد رحيل المحتل.

 

التحرير وما بعده

لا ينتهي "مبروك التحرير" عند لحظة الانسحاب أو عند مشاهد الاحتفال بعودة الأهالي، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى الحياة التي أراد أهل القرية أن يعيشوها بعد سنوات من الخوف والحرب. ومن أكثر المشاهد التي تختصر هذه الرغبة مشهد أب يحمل ابنه الصغير خلال أحد الأعراس، ويقول له إنه عندما يكبر سيفرح به ويزوجه أيضًا. تبدو الجملة بسيطة وعفوية، لكنها تحمل في داخلها معنى أكبر: رغبة أب بأن يكبر ابنه في ظروف طبيعية، وأن يكون المستقبل مفتوحًا أمامه للحب والزواج وتكوين عائلة، بدل أن يكون محكومًا بالحرب والخوف.

وتظهر الفكرة نفسها في مشهد آخر لشباب من القرية يجلسون في إحدى الأراضي ويتحدثون عن حياتهم وما يريدونه للمستقبل. هم لا يرون أنفسهم أبناء حرب أو أشخاصًا يريدون الاستمرار في القتال، بل يقولون إنهم اضطروا إلى خوض هذه التجربة في ظروف لم يختاروها.  

بهذه المشاهد، يقدّم الفيلم التحرير كفرصة لاستعادة شيء أبسط من السياسة والحرب: الحق في الحياة. في النهاية، يترك الفيلم انطباعًا بأن ما يريده هؤلاء الناس ليس استمرار الصراع، بل أن يتمكنوا أخيرًا من العيش في قراهم بأمان. 

ولكن...

 

(*) عرضه "نادي لكل الناس" في مكتبة "السبيل" الباشورة - بيروت.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث