في ذروة الحرب الإسرائيلية على غزة العام 2023، تضع الأم رانيا ثلاثة توأم قبل موعدهم، تموت طفلة أثناء الولادة، ويروى الأب كيف حملها ورأى الدم ينزف من أنفها وأذنيها، وهو غير متيقن إن كانت الوفاة طبيعية أم بسبب ظروف الحرب. وتجبر الأسرة على ترك الرضيعين الآخرين، جوان وحمود، في حضانات مستشفى كمال عدوان شمالي القطاع. ولاحقاً يضطر الوالدان مع أولادهم الخمسة للنزوح إلى جنوب القطاع بينما يبقى الرضيعان في شماله.
على مدار 16 شهراً، تتبع كاميرا فيلم "توأم غزة... عودا إلي"(2025) للمخرج الفلسطيني محمد الصواف، رحلة الشتات العائلي تلك في أنحاء غزة. المساحة الضيقة للقطاع تتحول في ظل الحرب إلى رقعة انفصالات لانهائية وتهجير بعد آخر، وذلك في جغرافيا مفتتة عبر الحواجز والمحاور والأوامر العسكرية، والأفدح الخراب المرئي أكواماً من الركام على مرمى البصر. نتابع العائلة وهي تنتقل من موقع تخييم إلى آخر. وحين تصلها معلومات بشأن مكان التوأم، عبر تنويه من المستشفى في فايسبوك، تتولى الخالة نسرين وأسرتها تسلمهما ورعايتهما، فيما نتابع انتقالات الخالة أيضاً هرباً من الضربات الإسرائيلية. الجميع في رحلة من التيه، ويكتمل تشرذم العائلة مع انفصال التوأم، الواحد عن الآخر.
على نحو مباشر، يمكن قراءة وثائقي "توأم غزة" بوصفه يوميات للحرب بعيون عائلة فلسطينية أو عبرها. لكن اللافت هو أن صنّاع الفيلم، وربما أبطاله أيضاً، يأخذون مسافة من المأساة، وتبقى أهوال الحرب، مع حضورها، بعيدة وباهتة في الخلفية معظم الوقت. ثمة الكثير من الحنان والأحضان والقبلات، والكثير من الاتصالات الهاتفية ومكالمات الفيديو المفعمة بالابتسامات والمزاح والصبر والأمل. في ظل الظروف الوحشية للحصار الإبادي، يلجأ الغزيون إلى نبش الأنقاض ونخَل حبات الرز القليلة وفصلها عن تراب الركام، وذلك لإعداد وجبات بسيطة مع بعض الأعشاب البرية المسلوقة. لكن شيئاً شهياً ودافئاً يستمر في اجتماع الجميع حول الموائد، وفي احتفالهم بالأعياد ورنة الضحكات العالية في الزيارات المتبادلة.
بالرغم من كل شيء، تظهر شخصيات الفيلم كلها حسنة الهندام وبهيئة نظيفة. في هذا، يخالف الفيلم التوقعات المسبقة بشأن فيلم يجري خلال إبادة. ويخالف الصور التي نراها في نشرات الأخبار والكثير من الوثائقيات، حيث لا يظهر الفلسطينيون إلا وهم يبكون أو يصرخون من الألم أو يقرعون صدورهم. بالكاد نرى دمعة، وإن كان هناك بعض الوجوم المشبع بالكرامة. على العكس، لا تشبع العين من جمال الوجوه في الشاشة والنظرات التي تلمع بالحب والابتسامات المليحة. المذهل أيضاً هو سعة الحيلة التي يستعين بها أبطال الفيلم من أجل البقاء، وهو ما ينسحب أيضاً على طاقم العمل الذي نجح في العمل تحت ظروف استثنائية في قسوتها وخطورتها. ومع كل الخراب الذي نراه في كل صوب، لوهلة ننسى الحرب.
يلعب الإرجاء دوراً مركزياً في الفيلم. هناك أمومة مؤجلة، ولمّ شمل مرتجى، وأمل في النجاة ضد المسافة وضد الوقت. بالمثل، يؤجل صنّاع "توأم غزة" مواجهتنا مع المأساة إلى قرب نهاية الفيلم. فقط في الجزء الأخير يتكشف الضرر العصبي الذي لحق بحمود، وتأخره في النمو مقارنة بتوأمه. تلك الصدمة تدفع المُشاهد لمراجعة كل ما شاهده من قبل.
لعل مشهد لقاء الأم مع حمود، بعد لمّ شمل الأسرة، هو أحد أكثر مشاهد السينما الوثائقية احتشاداً بالعواطف. فجأة تنهمر الدموع بغزارة. تلك الدموع التي اختزنها الجميع طوال عام ونيف، تنفجر مثل قنبلة من الشوق والرقة. المفارقة أن البكاء لا يحضر إلا بعد اللقاء، وليس أثناء الفراق الطويل. المفارقة الأفدح أنه، حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، لم تُشخّص حالة حمود حتى الآن، بسبب عدم توافر أجهزة التشخيص...لم تنتهٍ المأساة بعد لمّ شمل الأسرة، بل لعلها بدأت.




