احتفل الأدباء والشعراء بميلاد الشاعر الكردي سليم بركات الـ75، وظهر الشاعر في "لوك جديد" أثار الكثير من التعليقات. هنا أبرز ما ورد في فايسبوك.
عبدالله ميرزا
جمهور سليم بركات المتبقّي
سليم بركات كاتب وشاعر كبير، ومع ذلك لم أقرأ له، شخصياً، سوى كتاب واحد. وأعرف كثيرين من جيلي لم يقرأوا له، أو لم يتجاوزوا صفحات قليلة من كتبه. في المقابل، يبدو أثره واضحاً في جيل سبقنا، وخصوصاً لدى الكتّاب المنشغلين باللغة وإمكاناتها، حتى إن ظلال لغته تظهر أحياناً في نصوص كتّاب قرأنا لهم أكثر مما قرأنا لبركات.
المفارقة أن كتّاباً أقل تجريباً من بركات في اللغة استطاعوا العبور إلى أجيال أحدث، وصار لهم قرّاء جدد، بينما يبدو جمهور بركات وكأنه ينكمش مع الزمن. لغته الكثيفة، التي صنعت فرادته ومكانته، ربما أصبحت هي نفسها الحاجز الذي يفصل بينه وبين قارئ جديد يبحث عن مدخل أقل وعورة إلى الأدب.
وهنا يراودني سؤال: ماذا يتبقّى من جمهور سليم بركات اليوم؟ وهل نحن أمام كاتب سيستمر تأثيره في الكتّاب أكثر من استمرار حضوره بين القرّاء؟ وهل يمكن أن تتحول اللغة التي صنعت مجد كاتب إلى ما يشبه الطلسم الذي يحجب أعماله عن أجيال لاحقة؟
مجرد سؤال عن كاتب كبير يبدو أن أثره الأدبي أكبر من دائرة قرّائه الفعليين.
علي دريوسي
لهذا أحببت هذه الصورة
في الخامسة والسبعين، لا يبدو سليم بركات في هذه الصورة التي يعرضها للناس في عالم فايسبوك كمن جاء ليحتفل بعمرٍ انقضى، بل كمن خرج لتوّه من معركة طويلة مع الزمن، ثم وقف أمام الكاميرا ليقول له، من غير كلام: لم تنل مني بعد.
هكذا يظهر، واقفا بين محبيه، في هيئة لا تشبه الصورة التقليدية التي نتخيلها لرجل بلغ الخامسة والسبعين. قميص أسود بلا أكمام يكشف عن كتفين وذراعين ما زالت فيهما صلابة الشباب، وبنطال أسود، وقبعة تضفي على وجهه شيئاً من المشاكسة والتمرّد. أما الشعر الأبيض والشارب واللحية البيضاء، فهي وحدها تقريباً التي تكشف أن السنوات لم تتوقف عن السير.
لكنها، وهي تمرّ، لم تبدُ منتصرة.
في وجهه شيء من الهدوء الذي يأتي بعد عمر طويل من التجربة. نظرة مباشرة، تكاد تكون ساخرة، وابتسامة خفيفة لا تمنح الصورة كلها بسهولة. كأن الرجل الذي كتب طوال حياته عن الأمكنة والغرباء والذاكرة والمنفى والكائنات التي تمشي على الحدود بين الواقع والحلم، لا يزال هو نفسه كائنا عصياً على التصنيف. وربما لهذا تبدو الصورة أجمل مما تبدو عليه في ظاهرها.
إنها ليست صورة رجل في الخامسة والسبعين فحسب. إنها صورة علاقة خاصة مع العمر. العمر عند بعض الناس يصبح شيئاً يعلن نفسه في طريقة الجلوس، وفي الملابس، وفي انحناءة الظهر، وفي الرغبة في الانسحاب من الضوء. أما هنا، فالزمن حاضر، لكنه لا يحتل المشهد. الشعر أبيض، نعم، والوجه يحمل سنواته، لكن الجسد واقف باستقامة، والكتفان مفتوحان، والذراعان تقولان إن صاحب هذا الجسد لم يصالح الكسل.
ولعل أجمل ما في المشهد أن سليم بركات لا يبدو وكأنه يحاول أن يثبت شيئا لأحد. لا يبدو شاباً متنكّرا في هيئة شيخ، ولا شيخاً يحاول استعادة شبابه. يبدو ببساطة سليم بركات في الخامسة والسبعين؛ رجلاً بلغ عمراً كبيراً من دون أن يسمح للعمر أن يفرض عليه شكلا واحدا للحياة.
خمسة وسبعون عاما ليست رقماً صغيراً. إنها مسافة هائلة يستطيع الإنسان خلالها أن يفقد أشياء كثيرة: أصدقاء، أمكنة، أحلاماً، أجساداً كانت أكثر خفة، وأزمنة كان يظن أنها لن تنتهي. لكن بعض الناس لا يقيسون أعمارهم بما فقدوا، بل بما بقي فيهم.
وفي سليم بركات، يبدو أن شيئاً مهماً بقي: الرغبة في أن يظل حيا بكامل حضوره.
لهذا أحببت هذه الصورة. ليس بسبب العضلات ولا بسبب القميص ولا لأن الرجل يبدو أصغر من عمره. أحببتها لأنها تقول شيئا أعمق: إن الإنسان قد يصل إلى الخامسة والسبعين، ثم يقف في منتصف الصورة، ويبدو كأنه لم يصل إلى نهاية الطريق بعد.
وربما هذه هي أجمل طريقة للاحتفال بعيد الميلاد: أن لا تقول للزمن لقد كبرت. بل أن تنظر إليه، بابتسامة سليم بركات الصغيرة، وتقول: لقد عشتُ كثيرا... وما زال لديّ ما أعيشه.
رائد وحش
يكتب سليم بركات بخط اليد لأنه لا يُجيد استخدام الكمبيوتر، ومخطوطاته تتحول إلى نصوص رقمية على يد صديقه وليد هرمز منذ خمسة عشر عامًا.
في حوار تحوّل إلى كتاب، اعترف سليم بأن خوفه الوحيد ليس الموت، بل أن يموت وليد قبله، لأنه حينها لن يعرف كيف سيُصدر كتبه، ولا كيف سيعيش من دون قارئه الأول.
لذلك يتمنى أن يموت قبله، ليُريحه من العمل، وليُريح نفسه من العجز.
يذكّرني هذا بكافكا وماكس برود. طلب كافكا من برود إحراق كل شيء بعد موته، والأخير خانه بالنشر، فأعطاه حياة ثانية لم يُردها. كتب كافكا لأنه لم يعش، ويعيش سليم بركات لأنه يكتب.
حين قرأتُ ذلك، وجدت نفسي أصوغ ما لم يقله بركات: أكون بمقدار ما تكون.
هنر بهزاد جنيدي
في عيد ميلاد سليم بركات الخامس والسبعين؛ لا أحسد هذا الرجل على أدبه، بل أحسده على قدرته النفسية العجيبة على العزلة والترفع عن الانشغال بالأخبار والصراعات اليومية؛ مبتعداً عن كل شيء سوى الرياضة، والعزلة الطويلة، والنصوص الطويلة.
وكأن العزلة لديه ليست مجرد انسحاب من صخب العالم، بل هي الصومعة الفكرية التي يحيك فيها لغته الفريدة؛ لغة تبدو عصية على التداعي والاندثار لأنها صُنعت بعيداً عن ضجيج الهوامش اليومية، وبمعزل عن استنزاف الأحداث العابر.
جان دوست
بمناسبة عيد ميلاد سليم بركات الخامس والسبعين: قرأت سبايا سنجار للمبدع سليم بركات بالعربية واستمتعت بلغته الثرية المعجزة، ناهيكم عن تناوله في ثنايا روايته موضوع السبي الداعشي لصبايا سنجار الإيزيديات قبل تسعٍ خَلَوْنَ عجافٍ، والآن أقرأ ترجمة الصديق كاوه خضري بالفارسية للرواية عينها وأقول بفخر إنني توسطت بين المترجم الكُردي الأصل والفارسي لغةً وبين المبدع سليم الكردي روحاً ونبض قلب ورفة رمش والعربي لغة وثقافة وإبداعاً معجزاً.
وبما أنني أتذوق الفارسية التي أجبرتني على تعلمها رائعة الخاني الخالدة مم وزين لما تحمله من مفردات بلغة حافظ والخيام فإنني أقدر على عقد مقارنة بين الترجمة والأصل.
الأصل بلسان عربي مبين لا شية فيه تكاد حروفه تنطق وأنت تمر عليها بنظراتك في متن الرواية. لغة متينة رصينة مرصوصة كبنيان بديع. أما الترجمة، فهي بالرغم من صدقها واقترابها من المعنى حد التماهي إلا أنها تفتقد ذلك المذاق الحلو اللذيذ للعربية التي كتبها سليم. ليس الأمر مجرد مفردات يأتي بها سليم من بطون المعاجم كما يزعم البعض بل تكمن عبقريته في توليد صور وأخيلة من عين المفردات العادية التي نستعملها غالباً في كتاباتنا. ومن هنا أكرر ما أقوله دائماً سليم يُقرأ بالعربية فقط ومن العسير ترجمته إلى أية لغة أخرى. ترجمة المفردات ليست بالأمر العسير لكن الشاق في أمر ترجمته هو تلك التعابير المبتكرة والجمل المولدة التي لن ترى صنوها في لغات أخرى. أن تترجم سليم بركات يعني أن تنسف نصف إبداعه المتمثل في بلاغة فريدة وتبقي على النصف الآخر وهو المعنى منقوصاً.
محظوظون من يقرأون العربية لأن سليم بركات يبدع بهذه اللغة.
رونيار ابراهيم
ظهور سليم بركات وملبسه: الشيّال وبعدها الشوارب على طريقة قريبة من دالي من دون سريالية دالي. يبدو سليم هنا بودليري للغاية في ظهوره، لأن بودلير كان يرى أن لباس الشاعر يجب أن يكون مختلفاً عن لباس الإنسان العادي. وكان يبالغ في نظريته إلى الحد الذي يمكن أن يسقط فيه عن الشاعر كل شاعريته إذا كان ظهوره مشابهاً لظهور الناس، لأن في أصل الشعر مخالفةً وتمرداً على المحيط والناس والعادات، والشاعرية لا بدّ أن تتمظهر في شكل الشاعر وظهوره. وعلى هيك أخذ بودلير منحى شديد الأناقة والغرابة في ملبسه، حتى إن طريقة ترتيب القطع على نفسه كانت غريبة وفي بعض الأحيان شديدة الأنوثة، يبدو أن سليم أخذ من بودلير نظريته ولكن في منحى مخالف لظهوره. وذلك بإبراز صلابته الجسدية والظهور على شكل شاعر الفتوّة. وأتمنى له مزيداً من الفتوة والشباب والعطاء في عيد ميلاده الخامس والسبعين.
فاضل متين
شهيتي للقراءة مفتوحة للقراءة هذه الأيام، أقرأ ثلاث كتبٍ معاً ببطء وهدوء، ثلاث عناوين تماهت بالصدفة مع الظروف النفسية والبيئية الآنية (العدم لروي كرونسين، استيطقيا الجمال لشول هان، وأخيراً دميان للرائع هيرمان هيسه) لكن هناك من يفرض نفسه كالعادة ليسرق اهتماماتي سليم بركات صورته مع صديقي خليل جابو وحضوره البارحة في عيد ميلاده الخامس والسبعين والدموع التي ذرفها أشعلت مجدداً فيّي شغفي القديم والمستمر بعوالمه وفضاءاته السردية.
"ليس للكرديِّ إلاّ الريح تسكنُهُ ويسكُنُها"
احتفلنا يوم أمس ببلوغ الشاعر والروائي السوري سليم بركات عامه الخامس والسبعين في مدينة ستوكهولم وكانت أمسية رائعة جداً بحضور الناشر السويدي لأعمال بركات، ستيربيورن غوستافسون والمترجمون جوناثان مورين، وتيتز روكه، وجون سويدنمارك وايضاً بيرغيتا والين. الشكر موصولاً الى صالون كارافان لتنظيم هذه الأمسية.
تحدث فيه جوناثان مورين وتيتز روكه عن تجربتهما في ترجمة العديد من أعمال سليم بركات ككاتبٍ ذي أسلوبٍ مميز.
رامان يوسف
سليم بركات كاتب كبير و إلو مكانته، وخصوصي بعمر الـ75 وبمناسبة توقيع كتابه، كان ممكن يطلع بإطلالة أكثر لباقة وبحضور قوي قدّام الناس، خصوصا انه في فئة كبيرة كانت متشوقة وتتابعه وتنتظر ظهوره .
مو القصد انتقاد اللبس بحد ذاته، بس الشخصية العامة لازم تعرف إن صورتها قدّام جمهورها جزء من حضورها ومكانتها.
ما بعرف ليش وقت شفت القبوعة والشيال، تذكرت شعراء البانهوف ..




