النوستالجيا...ما الجميل في كل هذا القلق؟

محمد شرفالأربعاء 2026/09/02
Image-1788340461.Jpg
الحنين الى بعلبك
حجم الخط
مشاركة عبر

عندما تثقل السماء المنخفضة الثقيلة كغطاء
على الروح المتألمة، فريسةً لأحزانٍ طويلة
ومن الأفق، محتضنةً الدائرة بأكملها
تنهمر علينا بيومٍ أسود، أشد حزنًا من الليالي...
(شارل بودلير- زهور الشر، 1861)

 

تنتشر في أكثر من موقع، أو مجموعة من مجموعات التواصل الإجتماعي، صور لمدن وشوارع وطرق أو قرى وبيوت لبنانية، ولأشخاص من أجيال عديدة في مناسبات مختلفة. هذه الصور كلّها، مع اختلاف نوعياتها ومستواها التقني، تعود إلى حقبات ماضية، بعضها قريب، وبعضها الآخر بعيد في الزمن.

بعلبك

تنال مدينة بعلبك، ضمن سواها، مكانة خاصة لدى أصحاب الأرشيفات. يتبارى هؤلاء في هذا المجال من خلال نشر الصور القديمة: ساحات وشوارع وطرق وزواريب، وبورتريهات لأفراد من المدينة، لم يعد معظمهم على قيد الحياة، متجمدين أمام كاميرا المصوّر، أو مجتمعين في مناسبة أو بلا مناسبة. جلّ هذه المناسبات كان جرى في أمكنة ما زالت قائمة، وقد تبدّلت معالمها لدرجة يصعب معها التعرّف عليها. وقد وصل الأمر ببعضهم (ولسنا من منتقدي هذا الإتجاه) إلى نشر الصور القديمة حصراً في صفحاتهم. تتوالى "لايكات" على تلك المنشورات، خصوصاً من جيل عايش المرحلة التي تعكسها الصورة، ومن جيل جديد لا يعلم عنها شيئاً، لكنه يعتبر أن في الأمر سحراً مجهولاً تصعب مقاومته. إنه الحنين المستشري إلى الماضي، خصوصاً في الفترة الحاضرة التي لا تعد بما هو جميل.

بعلبك

الحنين شعورٌ مُعقّد، وهو يمزج بين حلاوة الذكرى وحزن عدم إمكانية استعادتها. في الفلسفة، يُثير الحنين تساؤلاتٍ حول علاقتنا بالزمن، والحداد، والهوية، ولطالما اعتُبر الحنين إلى الماضي مفهومًا سلبيًا مرتبطًا بالحزن، وحتى بالإكتئاب. على مدى قرون، قدّمت إسهامات علم النفس منظورًا جديدًا، ينظر إلى النوستالجيا كعاطفة إيجابية في المقام الأول. وقد أبرز هذا المنظور الجديد الطبيعة التكيّفية للحنين، فهو يُسهّل التفكير الإيجابي من خلال تعزيز الذات والرفاهية، كما يُتيح تنظيم المشاعر بالاستناد إلى الذكريات الشخصية لمواجهة التحديات الوجودية. إن الآثار الوقائية للحنين، إلى جانب النظرة الإيجابية للماضي، يُمكن أن تُحسّن رعاية كبار السن، كما يعتقد العاملون في مجال الرعاية.


كما أن علينا أن نميّز بين الحنين إلى الماضي، وبين الذكريات المريحة للأوقات السعيدة التي تربط الحاضر بالماضي، وتمنحنا شعورًا بالاستمرارية. فالانجذاب العاطفي إلى الذكريات السعيدة لا يرتبط بالتقليل من شأن الحاضر، كما هو الحال في بعض المواقف. الحنين يحيل إلى شعور بأن الماضي منحَنا أفراحًا لا يمكن تخيلها الآن، ويستحضر حقبةً ولّت إلى الأبد، ولذلك فهي خالدة وغير متغيّرة. الحنين، بالمعنى الدقيق، لا ينطوي على ممارسة الذاكرة، لأن الماضي الذي يُضفى عليه طابع مثالي يبقى خارج نطاق الزمن، متجمدًا في كمال أبدي. قد تُضفي الذاكرة طابعًا مثاليًا على الماضي أحيانًا، لكن ليس لإدانة الحاضر (هذا من حيث المفهوم العام الذي يتناقض مع حالتنا)، إذ إنها تستمد الأمل والراحة من الماضي لإثراء الحاضر، ومواجهة ما ينتظرنا بشجاعة. تنظر إلى الماضي والحاضر والمستقبل على أنها أزمان متصلة. وهي أقل اهتمامًا بالخسارة من اهتمامها بدَيننا المستمر لماضٍ ما زال تأثيره التكويني حاضرًا في طرق كلامنا، وإيماءاتنا، ومفاهيمنا العامة، وتوقعاتنا، ومواقفنا تجاه العالم من حولنا. 

بعلبك

أحد الأصدقاء يعيش في المهجر مع عائلته، وتقتصر منشوراته في وسائل التواصل الإجتماعي على ذاك الحنين إلى الوطن. ينشر صديقنا صوراً له في رحاب المدينة، التي يبدو أنه غادرها على مضض، وتثير ذكراها في نفسه شعوراً بالحزن الدائم. يحمل اسم الحنين نفسه، بصمات السمعة السيئة لهذه العاطفة. وقد أصبح موضوعًا للدراسة في القرن السابع عشر، إذ اشتهر يوهانس هوفر (1669- 1752)، وهو طبيب من منطقة الألزاس شرقي فرنسا، بصياغة مفهوم الحنين إلى الوطن. وقد ابتكر كلمة "الحنين إلى الوطن" لوصف مرض جسدي ونفسي حقيقي، إذ كان يُنظر إلى ذاك الحنين كمرض من النوع الذي يُصيب المرتزقة السويسريين الذين شعروا بالحنين إلى الوطن أثناء القتال بعيدًا من جبال الألب. 

 

أما اليوم، فقد اختفى هذا البُعد الطبي، ولعلنا نسعى إلى هذا الشعور من خلال قصص مصورة قديمة، وشرائط يعرضها "تلفزيون لبنان"، وأمسيات تستحضر أغاني قديمة. ومع ذلك، لم تُستعد سمعة الحنين إلى الوطن تمامًا بعد، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنه عاطفة تتجه نحو الماضي، وغالبًا ما تُشوّهه، وفقًا لمنتقديها. عندها يصبح الحنين مجرد ملجأ للهروب من الحاضر، ويُعتبر هذا الهروب غير ضروري، من الناحية العملية والمنطقية، فعندما يكون الحاضر غير سار، من الأفضل العمل على تغييره بدلًا من التشبث بماضٍ بعيد المنال. 

بعلبك مهرجانات

الحنين والكآبة
ما من شك في أن علاقة ما تربط بين النوستالجيا والكآبة. فالكآبة، في جوهرها، مسألة تتعلق بالجو العام، داخليًا وخارجيًا. إن جملة من مشاعر النوستالجيا ترتبط بشعور القلق المودي بدوره إلى الكآبة. الأمل المهزوم يبكي، والألم يرفع رايته السوداء على جمجمتنا، ممتزجاً مع الملل. السماء منخفضة، نتأوه، كل شيء يبدو ساكنًا، الأفق يضيق، ونبقى كأننا متجمدون. الملل، في الغالب، لا يدوم. إنه عابر، سطحي، قصير الأمد، ولا يشمل كل شيء، قد يرتبط بتوقف النشاط، أو بنشاط غير ممتع. يقول الأطفال "أشعر بالملل" عندما لا تلبي أنشطة الكبار توقعاتهم.

 

القلق، المشتق من الكلمة اللاتينية angustia التي تعني الانقباض، هو شعور يُسيطر على الحلق، تصاحبه صعوبة في التنفس، ونوع من الضيق في منطقة أعلى البطن. إنه يشلّ. إنه بلا موضوع، ويصاحبه خوف من لا شيء. هذا الخوف من لا شيء يتحول إلى خوف من العدم. إن الفراغ هو ما يُخيف في القلق. في كتابه "الكبت، العرض، والقلق"(1917)، يُميّز فرويد بين شكلين: القلق التوقعي، والقلق في الرهاب. القلق، من جهة، هو توقع لصدمة، ومن جهة أخرى، هو تكرار مُخفّف لصدمة نموذجية. علاقة القلق بالتوقع هي جزء من الموقف الخطير. في المقابل، فإن عدم تحديده، وحقيقة أنه يفتقر إلى موضوع مُحدد، يُقابل حالة من العجز، مُتوقعة ضمن الموقف الخطير. قد يحدث ذلك بلا أي ارتباط بأي ظروف، مثل الوصول التلقائي وغير المنضبط، بلا أي خطر أو ذريعة قد يكون تضخيمها قد أدى إلى هذا الوصول. ومن بين الأمراض العصبية، يدرج فرويد أيضًا عصاب القلق.

بعلبك

الكآبة، تلك المرارة السوداء عند أبقراط، و"الشمس السوداء" عند بودلير، الذي أوردنا مقطعاَ شهيراً له في مقدمة المقال، هي هوس أحادي، حالة من الحزن والحلم. لكنها مَرَضية في صورة هوس الحب. يقول ميلان كونديرا في كتابه "الهويّة": "لقد أيقظتَ فيّ هاجسًا من صغري: كنتُ أتخيّل الحياة أمامي كشجرة، سمّيتها شجرة الاحتمالات. لا تُرى الحياة بهذه الصورة إلا لفترة وجيزة، ثمّ تبدو كطريقٍ مفروضٍ نهائيًا، كنفقٍ لا مفرّ منه. ومع ذلك، يبقى مظهر الشجرة السابق راسخًا فينا على هيئة حنينٍ لا يُمحى. لقد ذكّرتني بهذه الشجرة، وأريد بدوري أن أنقل إليك صورتها، أن أدعك تسمع همسها الساحر". 

بعلبك

أمّا العواطف فهي ردود أفعال، وهي في الغالب سلبية: فنحن لا نختار أن نشعر بالخوف أو التسلية أو الاشمئزاز. في أحسن الأحوال، يمكننا محاولة التأثير في ردود أفعالنا العاطفية في المدى البعيد، أو إخفاء عاطفة ما قدر الإمكان. ومع ذلك، فإن هذا النقص في التحكم المباشر لا يمنعنا من تقييم عواطفنا من زوايا متعددة، والقول بأننا يجب أن نشعر بعاطفة لا نشعر بها، أو على العكس، أن عاطفة نشعر بها غير مناسبة. عادةً ما تتعلق هذه الأحكام بحالات عاطفية محددة، لا بأنواع كاملة من العواطف. يظل هذا النهج ذا صلة بفهم قيمة نوع معين من العواطف، وفي الحالة التي نحن في صددها هو الحنين إلى الماضي بشكل عام. 

 

في الواقع، يعتمد تقييم حالة من الحنين إلى الماضي، على الخصائص التي تشترك فيها مع حالات الحنين الأخرى، لا سيما تصويرها لموضوعها. يمكن انتقاد الحنين إلى الماضي لأن حالاته كلها تشوه موضوعها، أو لأنها غالبًا ما تكون غير أخلاقية، أو لأنها تأتي بنتائج عكسية. إن استكشاف الظروف التي يكون فيها بعض الأحداث مناسباً، أو غير مناسباً، سيُظهر أن الحنين إلى الماضي، في كثير من الحالات، هو رد فعل صحّي.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث