المميز الجوهري الثاني لنمط الإنتاج الرأسمالي هو تورط المجتمع بأسره في إنتاج كل سلعة نتيجة للتطور التكنولوجي الفائق وتعقيد عملية الإنتاج وتقسيم العمل من استخراج المواد الخام ونقلها وحتى تعقيد عملية الإنتاج وتداخلها مع المنتجين الآخرين، ونقل السلعة وإيصالها إلى الأسواق. ومن هنا الطبيعة الاجتماعية للعمل في مقابل الشكل الخاص لتملك نتائج العمل. وهذا التناقض الرئيس في نمط الإنتاج الرأسمالي هو أساس الأزمات الاقتصادية الكبرى، فالإنتاج اجتماعي، أما التخطيط فخاص يقوم على زيادة ربح المالك لوسائل الإنتاج، ما يؤدي إلى غزارة في الإنتاج وسوء في التخطيط والتوزيع.
يبدأ الجزء الأول إذًا بتحليل البضاعة، خلية الاقتصاد الرأسمالي الرئيسة منظورًا إليه بوصفه جسمًا عضويًا، وتحليلها هو المفتاح لفهم عملية استغلال أهم بضاعة فيه وهي قوة العمل، هذا الاستغلال الذي يميز النظام الرأسمالي عن غيره. وينتقل ماركس في عملية استنباط منهجي جدلي من البضاعة وصولًا إلى رأس المال. وهو يعدّ هذه العملية تطويرًا لمفهوم رأس المال، باعتبار أن التعريف هو عملية تطوير المفهوم من العام المجرد (Abstrakt Allgemeine) إلى العام العيني (Konkret Allgemeine).
يحذو ماركس عند تحليل البضاعة حذو كل من آدم سميث وديڤيد ريكاردو في تحديد القيمة بالعمل المستثمر في إنتاجها، بما في ذلك العمل السابق الذي استُثمِرَ في أدوات الإنتاج نفسها. ويعود تاريخ الانشغال بالقيمة إلى زمن أرسطو بوصف القيمة الصفة المشتركة التي تجعل التبادل الكمي بين البضائع ممكنًا، وذلك على الرغم من الاختلافات بينها من حيث صفاتها الاستعمالية. فعلى الرغم من اختلاف استخدام البضائع فثمة مشترك بينها يجعل التبادل بينها ممكنًا، وهذا المشترك هو القيمة، لكن من أين تأتي؟ ناقش الناس هذه المسألة منذ العصور القديمة، مثلًا حينما اختلفوا على أساس المقايضة بين البضائع، والإنصاف في تسعير بضاعة، وماهية المال والإقراض، وعدم طبيعية الإقراض بالربا وفقًا لذلك، لأن المال فيه يجلب المال.
إن فكرة اعتماد القيمة على الجهد المبذول في إنتاج السلعة فكرة قديمة. وقد ميّز سميث بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية، وحصر اهتمام الاقتصاد بالأخيرة. وميّز أيضًا بين العمل المنتج للبضاعة والعمل الموجه للاكتفاء الذاتي الذي لا ينتج بضاعة. وأدرك أيضًا أن هناك أشياء كثيرة مستخدمة في الحياة ليس لها قيمة تبادلية مثل الهواء الذي نتنفسه. أي إن القيمتين الاستعمالية والتبادلية ليستا مترابطتين بالضرورة. وهذا يعني أنه ليس لكل قيمة استعمالية قيمة تبادلية. واعتبر أن قيمة البضاعة تساوي قيمة العمل + رأس المال المُستثمر فيها + أجرة الأرض. وهي متغيرة لأسباب عديدة من ضمنها العرض والطلب في السوق. وفي النهاية يُنظّم السوق سعر البضاعة (price)، لكنه يقترب بالمعدل في نهاية المطاف من القيمة التبادلية (exchange value).
وقد استخدم ماركس نظرية القيمة لفهم مصدر الاستغلال؛ استغلال رأس المال للعمال. وقد اعتبر أن العمل أصل القيمة الوحيد. والقيمة التبادلية عنده ظاهرة تاريخية ملازمة للإنتاج السلعي، وليست جزءًا لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية عمومًا. للعمل وجهان: عيني ومجرد. وجه مُجرّد يتمثل في أنه جهد بشري مستثمر في الإنتاج بغض النظر عن نوع العمل، وعمل عيني متعلق بالاختصاص، ونوع العمل والمهنة والمهارة وغيره. ويزداد تحديد القيمة بزمن العمل دقة كلما أصبح العمل أكثر تجريدًا، ولا سيما بعد انحسار الحرف اليدوية التي يصنع فيها الحرفي السلعة كاملة بنفسه مثل قطعة فنية في هوامش عملية الإنتاج، ويؤدي تقسيم العمل إلى تبسيطه ليصبح قياسه الوحيد هو مدته، كذلك يؤدي إلى تورط المجتمع كله في عملية الإنتاج. وتتمثل القيمة في متوسط زمن العمل الاجتماعي اللازم في إنتاج البضاعة.
تظهر هذه القيمة الناجمة عن جهد الإنسان المبذول فيها، وكأنها صفة موضوعية مُلازمة للبضاعة خارجة عن تحكم الإرادة الإنسانية. يُسمّي ماركس هذه الظاهرة بصنميّة أو فيتشيّة البضاعة، إذ تظهر وكأنّها تمتلك قيمة ناجمه عن صفاتها لناحية انخفاض ثمنها أو ارتفاعه، ووفرتها وشحّها، مع التعمية على مصدرها، وهو عمل الإنسان. وهي في الحقيقة تعبير عن علاقات إنسانية في ظل نمط إنتاج معين وليس لها حياة خاصة بها، ولكنها تظهر وكأن لها حياة خاصة، مثلما يظهر المال وكأنه يمتلك حياة خاصة حين ترتفع قيمته أو تنخفض[80]. لا تزداد القيمة وحدها والمال لا يجلب المال، وإنما يحصل ذلك كلّه من خلال الاستثمار في العمل الإنساني. "إن رأس المال ليس شيئًا ماديًا، إنه علاقة اجتماعية في الإنتاج، إنه قيمة تجني فائض القيمة بواسطة استثمار العمل المأجور"[81].
كيف تميّز ماركس عن بقية الاقتصاديين الذين اتفق معهم على نظرية القيمة، بمعنى اعتبار أن العمل أساس القيمة؟ يكمن تميز ماركس في بحثه عن أساس الاستغلال القائم في العلاقة بين رأس المال والعمل المأجور. وهو لهذا الغرض يبدأ بتحليل مفهوم السلعة بمنهج جدلي استفاد فيه من منطق هيغل الفلسفي على نحو بيّن في عملية تطوير مفهوم رأس المال نظريًا. إن هدفه من تحليل مفهوم البضاعة هو تحليل سلعة فريدة من نوعها هي قوة العمل التي يبيعها العامل للرأسمالي لمدة محددة (أو يؤجرها) في عملية تعاقد يبدو حرًا ومنصفًا قبل البدء في عملية الإنتاج.
للبضاعة قيمتان إذًا، قيمة استعمالية متعلقة بصفاتها التي تسد حاجات بشرية معينة، وقيمة تبادلية هي القيمة التي يحددها مقدار العمل المستثمر فيها والمقاس زمنيًا (هذا كلام مبسط بالتأكيد قبل أي تطرق لأنواع العمل وكثافة العمل). أين الجديد؟ أولًا، اعتبر ماركس أن العامل لا يؤجّر عمله للرأسمالي، بل يؤجر قوة عمله (يبيعها لمدة محددة)؛ وثانيًا، إن القيمة الاستعمالية لقوة العمل كامنة في أنها، هي ذاتها، تنتج قيمة. إنها مثل أوزة تبيض ذهبًا. ينتج العامل قيمة قوة عمله خلال مدة محددة (وهي السلعة التي باعها للرأسمالي مقابل أجر)، وفي بقية الوقت ينتج قيمًا تفوق أجره الذي تلقاه، إنه ينتج قيمة فائضة. وهذه يتملكها الرأسمالي من دون أن يدفع ثمنها. هنا يكمن أساس الاستغلال الرأسمالي. وبهذه النظرية تميز ماركس عمن سبقه من الاقتصاديين[82] يعرض ماركس نظريته في القيمة الفائضة في القسمين الثالث والرابع من المجلد الأول من كتاب رأس المال. ويميز هذا النوع من الاستغلال النظام الرأسمالي عن غيره من الأنظمة الطبقية، في أن فائض القيمة يُنتَج ويُجبَى على نحو خفي في عملية الإنتاج، ولا يُجبَى بالقوة أو بالخداع خارج عملية الإنتاج من منتِج لم ينفصل عن شروط عمله (الأرض، المشغل الحرفي).
وبما أن رأس المال هو مال مستثمر في العمل المأجور، فلا بد من التطرق إلى عملية نشوء العمل المأجور وتدمير علاقات الإنتاج الزراعية، مخصصًا لهذا الغرض فصولًا كاملة من الكتاب، وكذلك نشوء الورش الصناعية الأولى (المنفكتوره) التي تقوم على تقسيم العمل بوصفه قوة منتجة قبل استخدام الآلات.
لكي يحصل هذا اللقاء المثمر بين العمال ورأس المال، يشترط تاريخيًا وجود عمال أحرار قادرين على التعاقد الحر وتأجير قوة عملهم، إنهم أحرار بمعنيين: أحرار من قيود العلاقة مع الأرض والإقطاع وغيرها، أي أحرار من قيود العلاقات الاقتصادية الإقطاعية، وهم أحرار أيضًا من أي ملكية، أي إنهم بحاجة إلى بيع قوة عملهم. وقد خَصصَّ ماركس فصولًا كاملة من المجلد الأول ليروي تاريخ التراكم الرأسمالي الأولي، تاريخ فصل العامل عن شروط العمل، أي فصل العامل عن الأرض وعن أدوات العمل عمومًا، وتحويله إلى فاعل اجتماعي حرّ، لا يملك إلا قوة عمله، وقادر على بيعها في الوقت ذاته. لقد تحولت شروط العمل إلى رأسمال وتَحوَّل الفلاحون إلى أُجَراء. يتضمن هذا التاريخ، الذي تطرق ماركس إلى نموذجه المبكر (إنكلترا)، مصادرة أملاك الفلاحين وتحويلها إلى مراعٍ لإنتاج الصوف لصالح صناعة النسيج، وثانيًا نهب المستعمرات على مستوى المواد الخام أو التجارة بالرقيق الذي أصبح مصدر القوى العاملة لمزارع القطن الكبرى في أميركا الشمالية، وظل كذلك بعد أن حظر القانون البريطاني (1807) الاتجار به، خلافًا لمجرد امتلاكه.
ثمن قوة العمل هو التكلفة اللازمة لإبقاء العامل على قيد الحياة (يصبح السؤال: أي حياة هي هذه التي يعاد إنتاجها؟ وهو سؤال النضال النقابي والسياسي الذي غيرها بالتدريج). وبيّن التطور التاريخي أن توفير شروط الحد الأدنى اللازمة لإبقاء العامل وعائلته على قيد الحياة لإنتاج أجيال من العمال، لم تعد كافية بسبب متطلبات عملية الإنتاج ذاتها، وبسبب النضالات العمالية والتغيرات التي طرأت على المجتمعات الرأسمالية وصولًا إلى الرأسمالية المتطورة التي تغيرت فيها ظروف العمل وشروطه ومستوى حياة العامل وعائلته.
وتبلغ عملية مَركَزة رأس المال من خلال التنافس بين المنتجين مرحلةً لا يستطيع بعدها التطور التكنولوجي والطابع الاجتماعي للعمل البقاء ضمن العلاقات الرأسمالية. ومثلما ينقسم المجتمع إلى طبقتين متصارعتين موضوعيًا، واحدة تملك كل شيء والأخرى لا تملك إلا قوة عملها، يتناقض أيضًا العمل الاجتماعي الذي أصبح ممكنًا تجريده بوصفه عملًا مقاسًا بزمن العمل خلافًا للحرف القديمة التي لم ينفصل فيها العمل المجرد عن العيني القائم على المهارة والخبرة، والذي لا يقاس بالزمن وحده، مع الملكية الخاصة التي تغترب من خلالها منتوجات العمل عن المنتجين.
لم يقدّر ماركس مدى التغيرات التي سوف تطرأ على عملية الإنتاج وتغلب الخبرات العلمية والإدارية والتقنية الفائقة التي لا تقاس بزمن العمل على العمل الجسدي المجرد المقتصر على جهد القيام بحركات جسدية رتيبة وبسيطة (وشاقة) لمدة محددة. مثلما لم يتوقع درجة تدخل الدولة من خلال التشريع في عمليات الإنتاج والتوزيع، وضبط التنافس، والاحتكار وسعر العملة وغيرها.
شَكَّلت الأزمة المالية عام 1857 أساسًا لتحليلات ماركس المتعلقة بالأزمات الدورية للاقتصاد الرأسمالي الذي يبحث عن ضالّته في إثباتات عينية لحتمية انهيار هذا النظام. في ذلك العام، تفجرت فقاعة أسهم السكك الجديدة، وعدم كفاية الإنتاج العالمي من الذهب[83] في مقابل فائض الإنتاج السلعي. بدت الأزمة وكأنها كارثة طبيعية مدمرة تجرف ما تجده أمامها وتؤدي إلى خراب الصناعة والبطالة وغيرها. في المجتمعات السابقة كانت الكارثة هي قلة الإنتاج، في حين يظهر في الرأسمالية أن فائض الإنتاج هو سبب الأزمات الاقتصادية للرأسمالية. ليست هذه كارثة طبيعية، بل ظاهرة اجتماعية ناجمة عن التناقض بين الطبيعة الاجتماعية للإنتاج والتبادل والتوزيع والطبيعة الخاصة للملكية.
اعتقد ماركس أن الأزمات الدورية ملازمة للنظام الرأسمالي. وسوف تقود في النهاية إلى انهياره. ولم يدرك حينئذٍ أن الرأسمالية لا تنهار مع انهيار شركات أو صناعات بعينها، بل كانت تتطوَّر بوصفها نظامًا اقتصاديًا بعد كل أزمة، وتبين أن الرأسمالية تتماثل للشفاء. وكتب لإنغلز يقول: "إن البرجوازية تعرف نهضة جديدة، والسوق العالمية موجودة حقًا الآن، ولا سيما بعد فتح كاليفورنيا واليابان للسوق العالمية". واستنتج من الأزمات العاصفة أن الثورة وشيكة الوقوع وسيكون لها طابع اشتراكي. ثم يخاطب إنغلز قائلًا: "المسألة الوحيدة التي أطلب رأيك فيها هي كيف يمكن للثورة أن تصمد في بقعة صغيرة من العالم مثل أوروبا؟" وعمليًا قصد ماركس أنه في ظروف الاقتصاد الرأسمالي العالمي قد لا تصمد الثورة الاشتراكية في منطقة واحدة أو في دولة واحدة[84].. إن آلية خروج الرأسمالية من الأزمات هي فتح أسواق جديدة، ومصادر جديدة للمواد الخام والعمالة الرخيصة. لكن لهذه العملية نهاية أيضًا. لقد أيد ماركس عولمة الأسواق وتمدد رأس المال، بما في ذلك من خلال التوسع الاستعماري، كما فعل في كرّاسة "العمل المأجور ورأس المال" وهي عبارة عن خطاب ألقاه في بروكسل أمام جمعية العمال (وطرح فيها لأول فكرة أن الرأسماليين يدفعون للعمال أجرًا مقابل تكلفة إنتاج قوة عملهم لا مقابل ما ينتجونه)[85]. لم يكن هذا موقفًا أخلاقيًا، بل اعترافًا بالضرورات التاريخية التي أمل أن تقود إلى عالم أفضل في النهاية. ولكن التمييز بين الحتميات التاريخية والموقف الأخلاقي يصبح مبهمًا إذ غُرِست المعاني والغايات في مسار التاريخ.
لم ير ماركس، ولم يكن بوسعه أن يستبصر، درجة تدخل الدولة في الاقتصاد الرأسمالي لتجنب الأزمات و/ أو معالجتها بعد أزمات القرن العشرين، وتغيّر طبيعة العمل من خلال الثورات العلمية والإدارية المتتالية، وتوقف النظام الرأسمالي عن استقطاب المجتمع إلى طبقتين فقط، ونشوء طبقة وسطى واسعة، وارتفاع مستوى حياة العمال وتحسن نوعيتها، أي استفادة النظام الرأسمالي من الاستجابة للمطالب النقابية.
تدفع الرأسمالية باتجاه زيادة القيمة التبادلية بلا حدود، بمعنى زيادة الثروة، وهو دافعها الفعال للتطوير التكنولوجي وتطوير النجاعة في العمل لزيادة إنتاجيته. كذلك تؤدي المنافسة بين الرأسماليين إلى زيادة الجودة وتقليل القيمة، فترخص أسعار البضائع بسبب انخفاض الزمن اللازم لإنتاجها. وينتج رأس المال حاجات جديدة لدى أفراد المجتمع لم يعوا وجودها سابقًا، وهو ما يتطلب سدها من خلال منتجات جديدة على نحو يؤدي إلى إغناء المجتمع، في عملية تطور تحبس الأنفاس. رأى ماركس أن الاشتراكية تحصد نتائج الرأسمالية المتطورة، ومن دون هذه النتائج؛ أي مستوى متطور لقوى الإنتاج، تكون الاشتراكية حلمًا فارغًا. لم يؤمن ماركس بنشوء الاشتراكية في دول غير متطورة.
تلخصت طرق زيادة الربح القديمة بتمديد وقت عمل العامل والضغط على أجرته من خلال الاحتفاظ بجيوش العاطلين عن العمل الجاهزين لقبول أجر أقل وتشغيل النساء والأطفال للهدف نفسه. ولكن لاحقًا، أصبح وقت العمل اللازم لإنتاج أجر العاملين يتقلص من خلال التطور التكنولوجي، أي زيادة الإنتاجية. واصطدمت الآلية الأولى، أي زيادة الإنتاج، بتمديد وقت العمل وتشغيل الأطفال، بحدودها الطبيعية (القدرة الجسدية والظروف غير الصحية وغيرها) والتاريخية المتمثلة في النضالات النقابية لتحديد وقت العمل، ومنع تشغيل الأطفال، والتعليم الإلزامي، وغيرها من التشريعات؛ أما الآلية الثانية فتتطلب رأسمال أكبر لأنها تتطلّب الاستثمار في التقدم التقني.
ينتهي المجلد الأول من رأس المال بعرض التناقض بين اجتماعية العمل المتزايدة باستمرار والطابع الخاص للملكية، أي الطابع الخاص لتملك نتائج العمل، وبين تراكم الثروة من جهة وتراكم التعاسة من جهة أخرى. يصبح رأس المال قيدًا على تطور قوى الإنتاج إذ تزداد حدة التناقض بين جماعية العمل والإنتاج وغلافها الرأسمالي قبل أن تُمزِّق هذا الغلاف[86]. يُذكِّر هذا بنظريته في التاريخ التي فيها يُحطِّم تطور قوى الإنتاج علاقات الإنتاج القائمة حين تُصبح قيدًا عليها.
وقد اعتقد ماركس أن الرأسمالية تقع في تناقض يقود منطقيًا إلى زوالها، لأن التطور التكنولوجي يؤدي إلى انخفاض معدل الربح؛ أي انخفاض النسبة بين فائض القيمة ومجموع رأس المال المُستثمر، سواء أكان ثابتًا أم متغيرًا. كذلك فإن زيادة رأس المال وتركيزه يقودان إلى تقلص أعداد الرأسماليين وازدياد عدد العمال. لكن ما حصل في الحقيقة هو العكس، إذ ازدادت إنتاجية العمل وارتفع مستوى معيشة العمال وتقلّصت نسبتهم من السكان في مقابل توسّع الطبقة الوسطى في البلدان الرأسمالية المتطورة. كذلك فإن الأدوات القديمة التي ساعدت في تجاوز الأزمات مثل استعمار دول أخرى في إطار تمدد الاقتصاد العالمي لم تعد قائمة، وظلّ الاقتصاد العالمي قائمًا بعد زوال الاستعمار.
بعد وفاة ماركس، نشر إنغلز المجلدين، الثاني والثالث، من كتاب رأس المال اللذين يتناولان دورة رأس المال وعملية التوزيع (distribution) ومسألة تقسيم الربح بين رأس المال العقاري والتجاري والصناعي. وقد عرضت أيضًا عملية تراجع نسبة الربح كلما تقدم التطور التكنولوجي الذي يؤدي إلى تقليل حصة رأس المال المستثمر في العمل[87].. وكان ماركس في مخطوطة الغروندرِسِه قد وصف قانون انخفاض نسبة الربح، كلما تطورت البنية العضوية لرأس المال؛ أي كلما ازدادت حصة التكنولوجيا من رأس المال وانخفض مُركِّب العمل، بأنه أهم قوانين الاقتصاد السياسي الحديث[88]. لم يكن ممكنًا إثبات تنبؤات كتاب رأس المال تجريبيًا، فقد بنيت هذه التنبؤات على معطيات القرن التاسع عشر وعلى خلط بين التحليل المنطقي الجدلي والتحليل التاريخي. لقد قدم كتاب رأس المال نموذجًا تفسيريًّا نظريًا لنشوء الرأسمالية وطبيعتها، أي طبيعة العمل المأجور، ومصدر القيمة ومصدر الربح وغير ذلك من الأمور. إنه نموذج نظري يفسر آلية عمل النظام الرأسمالي، وجذور الاستغلال الكامنة فيه. وقد انتُقِد هذا النموذج التفسيري لعمل الرأسمالية المبكّرة، ولكن التحدي في هذه الحالة يكون بعرض نماذج تفسيرية أخرى؛ أما التنبؤات التي بُنيت عليه فدحضت، وهي تنبؤات صيغت على نحو يمكِّن من إثبات خطئها أو صحتها.
ذُكِر سابقًا أن عامة المثقفين وجدوا الكتاب صعب القراءة، أما الاشتراكيون المناصرون لماركس والمعادون له فاختلفوا على أهمية نظرية فائض القيمة في النضال ضد الاستغلال، فقد اعتبرها بعضهم نظرية تفسيرية مفيدة في فهم الرأسمالية، ولكن لا تقدم ولا تؤخر في النضال ضدها، ويمكن خوض النضال ضد الاستغلال الرأسمالي من دون هذه النظرية. وعد نقاد آخرون نظرية القيمة عمومًا نوعًا من الميتافيزيقا الفلسفية، أو الميتا نظرية في الاقتصاد.
عن الطبقة والصراع الطبقي
يحتل موضوع الطبقة والصراع الطبقي مكانة مركزية في فكر ماركس؛ ومع ذلك، فثمة إشكال في تعريف الطبقة عنده: أهي مجرد مسألة بنيوية موضوعية، أم مسألة انتماء ووعي أيضا؟ لم يكتب ماركس كتابًا نظريًا مخصصًا له، ولم يبذل جهدًا في تعريف الطبقة. وليس ذلك مفاجئًا، لأنه عمومًا لم يهتم بالتعريف الساكن لمصطلحاته (terminology). كان التعريف بالنسبة له هو عملية توليد مفهوم (concept) من مصطلح (term) عام ومجرد. وقد بُذل مثل هذا الجهد في تطوير مفهوم السلعة ومفهوم رأس المال. لكنه لم يقدم جهدًا مماثلًا في حالة الطبقة، فمفهومها مفقود في إنتاجه الفكري على الرغم من مركزيتها في فهمه المجتمع والتاريخ.
إن ما يُحدِّد الطبقة عند مؤلفي الأيديولوجيا الألمانية والبيان الشيوعي هو الموقع من ملكية وسائل الإنتاج. وهما يشددان على وجود موضوعي للطبقة والصراع الطبقي؛ محرك التاريخ الذي يتخذ أشكالًا مختلفة. وكما يتضح من البيان الشيوعي والصراع الطبقي في فرنسا وغيرهما من الكتابات، فإن الأهم بالنسبة لهما هو اتخاذ الصراع الطبقي شكلًا موجّهًا ومسيّسًا. وهذا يتطلب درجة من وعي الانتماء إلى طبقة لكي تنتقل الطبقة الكامنة في مجموعة بشرية تتشارك ظروفًا اقتصادية معينة (الموقع في عملية الإنتاج والتوزيع وعلاقات الملكية السائدة) من القوة إلى الفعل. فمثلًا، لا توجد رابطة طبقية فعلية في حالة الفلاحين، الذين يتشاركون مثل هذه الشروط الاقتصادية، فهم ينتمون إلى وحدات اجتماعية منفصلة، ولا تنشأ بينهم علاقات تشكّلهم بصفتهم طبقة. وفي وصف ماركس للفلاحين في فرنسا، جاء في كتاب الثامن عشر من برومير أن لا رابطة تجمعهم، ويُشبِّههم بحبات البطاطا في كيس[89]. إنهم لا يشكلون طبقة فعلًا إلا من حيث تشابه أوضاعهم الاقتصادية من دون التحول إلى فاعل اجتماعي، أو الوعي (أو الشعور) بالانتماء إلى فئة اجتماعية واحدة (طبقة). إنهم طبقة بالقوة، أي من حيث الاحتمال (potential) فحسب. وهذا معنى الوجود الموضوعي؛ إنه وجود بالقوة لا بالفعل.
لقد نص البيان الشيوعي بوضوح على أن الصراع الطبقي هو صراع سياسي، وعلى أن تنظيم البروليتاريا طبقيًا يتعرقل باستمرار نتيجة لمعوقات ظهور الوعي الطبقي، وهي ظروف العمل وإفقار الوعي والتنافس بين العمال بسبب البطالة وغيرها. ويُشدِّد البيان على دور الشيوعيين والحركات العمالية "في تحويل العمال إلى طبقة"[90].. بكلمات أخرى، إن المقصود بالطبقة هنا ليس مجموعة بشرية تتشارك موقعًا محددًا في عملية الإنتاج أو التوزيع، فحسب، بل هي أيضًا واعية لذاتها من خلال وعي المنتمين إليها بهذا الانتماء.
ولذلك من الطبيعي أن يستنتج منظرو الماركسية الأوائل بعد ماركس مباشرة (مثل كاوتسكي ولينين) أن من ينهض بالوعي الطبقي هم أفراد من الأنتلجنسيا البرجوازية الذين انحازوا للطبقة العاملة، لأن الوعي الاشتراكي وفقًا لهم ينجم عن معرفة علمية.
لا تتحول جماعة كبرى من الناس يتشابهون في موقعهم من ملكية وسائل الإنتاج وفي حصتهم من توزيع الثروة وغيرها من السمات إلى طبقة تشكل فاعلًا اجتماعيًا حقيقيًا إلا بوجود وعي يمكن تسميته بالوعي الطبقي، وأيضًا بوجود انتماء طبقي، ودرجة ما من التنظيم. لم يشرح ماركس هذه الأمور منهجيًا، ولذلك ظلت غامضة، وعرضةً لتأويلات مختلفة. وفي المجلد الثالث من كتاب رأس المال، خلَّف صفحة ونصف صفحة فقط عن الطبقة في فصل عنوانه "الطبقات"[91].. في هذا النص القصير صنف ماركس ثلاث طبقات في المجتمع الرأسمالي وفقًا لحصصهم من القيم المُنتَجة، وهي: طبقة الرأسماليين الصناعيين الذين يتلقون الربح، وطبقة الرأسماليين العقاريين الذين يتلقون الريع العقاري، وطبقة العمال الذين يتلقون الأجر.
حاول لينين تعريف الطبقات لاحقًا على نحو أوضح، فالطبقات عنده مجموعات من البشر تختلف عن بعضها بالمكانة التي تحتلها في منظومة اجتماعية للإنتاج محددة تاريخيًا، وبالدور الذي تؤديه في التنظيم الاجتماعي للعمل، ومن ثم بحصتها في الثروة الاجتماعية، وطريقة تملكها لهذه الحصة[92]. ولكنه لم يأت على ذكر الوعي الطبقي والانتماء بوصفهما مكوّنين في تعريف الطبقة ذاتها.
الإشكالية الأولى هي إذًا تعريف الطبقة. وتكمن الإشكالية الثانية في تمايز الاقتصاد عن غيره من المجالات في الرأسمالية فقط (بما في ذلك الطبقة المعرَّفة بالاقتصاد وحده). لقد كتب ماركس وإنغلز في "البيان الشيوعي" عن صراع الطبقات بوصفه محركًا للتاريخ كله حتى عصرهما. ولكن فهمهما للطبقة الاقتصادية المحض ينطبق فقط على الرأسماليين والعمال. أما الطبقات القديمة فليست اقتصادية محضة، بمعنى الموقع في عملية الإنتاج وتوزيع الثروة. فحتى نظريًا، يستحيل فصل الاقتصاد في الجماعة الأهلية والقرية والقبيلة، وحتى المدينة القروسطية، عن العلاقات الاجتماعية والأعراف والمكانة وعلاقات القوة داخل الجماعة. ولا يصح اختزال الصراع بين الكيانات الاجتماعية في هذه الحالة إلى صراع طبقي بالتعريف الاقتصادي للطبقات.
وتتعلق الإشكالية الثالثة بالعلاقة بين محركَي التاريخ عنده؛ الصراع بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج من جهة، والصراع الطبقي من جهة أخرى. لقد حاول ماركس أن يثبت علميًا أن العلاقة الجدلية بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج في الرأسمالية، وبين الطبقة الرأسمالية والبروليتاريا، سوف تقود إلى زوال الرأسمالية ونشوء الشيوعية. وعلى فرض أن زوال الأولى يقود إلى نشوء الثانية، ولا إثبات على ذلك، فيجب تبيين العلاقة بين جدلية قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج والصراع الطبقي الفعلي.
لقد أكد ماركس وإنغلز في مواضع عدة يصعب حصرها أن الفرق بين اليوتوبيا القائمة إما على تقديم النموذج الاشتراكي من خلال تعاونيات أو غيرها أو تقديمه من خلال الوعظ، وبين مقاربتهما الصراع الطبقي الذي يقود إلى الاشتراكية، يكمن في تأسيس الانتقال إلى الاشتراكية على قوانين التاريخ وقوانين حركة النظام الرأسمالي نفسه، وأن الصراع الطبقي يجب أن يتحول إلى صراع سياسي يُغير النظام القائم ليكون ممكنًا اتخاذ الإجراءات اللازمة لبناء الاشتراكية، وأن الصراع الطبقي يُطلق النزعات القائمة أصلًا في المجتمع البرجوازي نفسه.
لكن الأمر ليس مجرّد فرق بين العلم واليوتوبيا وكأن ماركس يكتفي بمنح الطبقة العاملة نظرية علمية تُحلّل نزعات المجتمع البرجوازي لكي تستغلها لتحقيق الاشتراكية. لقد آمن ماركس بمُثُل أراد تحقيقها، مِثل التعاون والتضامن والمساواة وتحقيق قدرات الفرد وتمكينه من التطور متعدد الجوانب. لذلك أيضًا أعجب بأفكار شيوعيين واشتراكيين سبقوه. وتستند علمية نظرية ماركس إلى ما عده اكتشاف قوانين التاريخ التي تقود إلى الاشتراكية وصياغتها. قال إنغلز في خطابه في رثاء ماركس يوم دفنه في لندن في 17 آذار/ مارس 1883 إنه "مثلما اكتشف داروين قانون تطور الطبيعة العضوية، اكتشف ماركس قانون تطور التاريخ البشري"[93.
ويبقى السؤال: كيف تدفع القوانين العلمية المكتشفة الطبقة العاملة إلى النضال الطبقي؟ لا تعبّر هذه القوانين العلمية عن عملية انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية بعد حصولها، مثلما فُسِّر بها الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، بل يعتمد فعل هذه القوانين على تنظيم الطبقة العاملة وفعلها. وهذا يفترض أن تتحول القوانين إلى عقيدة تؤمن بها الطبقة العاملة، أي تتحول من حتمية يترجمها العلم في قوانين إلى إيمان بحتمية زوال الرأسمالية. هكذا لا يبقى العلم علمًا، ولا تكون العقيدة أخلاقية ما دامت إيمانًا بحتميات. وهنا مشكلة الماركسية الرئيسية. فلا يفترض أن تكون القوانين العلمية مرتبطة بإرادة البشر الحرة ووعيهم، وإذا ارتبطت بإرادة البشر ووعيهم فإنها إما أن تكون قوانين تفسيرية لتحولات جرت فعلًا بمشاركة البشر، وإما أن تتنبأ على درجة معينة من الاحتمال بتطورات مشروطة بوجود فاعلين بشريين تتقاطع وتتداخل إرادتهم وتتفاعل فيما بينها ومع الظروف التاريخية الاجتماعية والاقتصادية المعطاة.
ثمة إشكالية رابعة، وهي متعلقة بالصراع الطبقي. فماركس يتعامل معه مبدئيًا بوصفة دائرًا في إطار نمط إنتاج محدّد، ولكن في سائر كتاباته التي تعاملت مع حالات عينية، كان الحديث عن الصراع الطبقي في دولة بعينها. فالصراع الطبقي يتخذ طابعًا سياسيًا في إطار الدولة، من النضال المطلبي وحتى الصراع للاستيلاء على الحكم؛ وإذا كانت ثمة جماعات إثنية قوية في الدولة، فقد يصعب على الصراع الطبقي تجاوزها.
وقد يؤدي الصراع القومي أو الطائفي أو غيره إلى تأجيل الصراع الطبقي أو حتى تهميشه. وقلما تعامل ماركس مع أهمية هذا الصراعات الجماعتية غير الطبقية، والتي تبين أنها قد تكون أيضًا محركة لتاريخ بعض الشعوب. ولا شك أن ماركس أدرك ذلك في حالتي إيرلندا وبولندا حيث وقف إلى جانب الشعوب المضطهدة. ولم يعد صراعها من أجل الاستقلال في نظره مجرد عائقٍ أمام الصراع الطبقي ووحدة الطبقة العاملة العابرة للحدود القومية. وكانت ثمة محاولات لفهم الصراع الوطني، أو القومي، باعتباره شكلًا من أشكال الصراع الطبقي، وفقًا للطبيعة الطبقية لقيادة كل شعب، ولكنه تفسير يتناقض مع ذاته حين يعترف أنه يعيق وحدة الطبقات العابرة للهويات الإثنية والطائفية وغيرها، ما يجعله صراعًا طبقيًا في جوهره، ولكنه معيقٌ للصراع الطبقي. يقصِّر بردايم الصراع الطبقي عن أن يحتوي أو يفسر الصراعات الاجتماعية كافة، ولا يصح اختزال الجماعات في الطبقات، ولا بد من معرفة حدود هذا البردايم لتجاوزه واستخدام مناهج إضافية عند تحليل الصراعات الاجتماعية.
الاستعمار ونمط الإنتاج الآسيوي
كتب ماركس وإنغلز في البيان الشيوعي: "يُتَّهم الشيوعيون بأنهم يريدون إلغاء الوطن والوطنية. ليس للعمال وطن. ولا يمكن أن يُؤخَذ منهم ما لا يملكون. حين تستولي البروليتاريا على السلطة السياسية، وترفع نفسها إلى طبقة وطنية، وعندما تفرض نفسها بأنها الأمة، فهي بذلك وطنية، ولكن ليس بالمعنى البرجوازي للكلمة"[94] .
لم تتحقق تنبؤات ماركس في "البيان الشيوعي" بأن القومية سوف تختفي، انطلاقًا من أن الطبقة العاملة لا تملك وطنًا، والقومية بالنسبة لها ميتة أصلًا، كما ورد في الأيديولوجيا الألمانية، التي تلتها توقعات إنغلز في عدة مواضع باندماج القوميات. لقد ثبت تسرع هذه التوقعات وخلطها الواقع بالتمني حتى بالنسبة للدول الرأسمالية التي قُصِدت بهذه الأحكام. وقد وردت في الأيديولوجيا الألمانية أيضًا فكرة زوال القومية في النظام الشيوعي[95]، كذلك ورد أن الانتقال من التاريخ المحلي إلى التاريخ العالمي ليس مسألة تطور في الوعي، بل هو انتقال الواقع الاقتصادي، الناجم عن تقسيم العمل عالميًا، والتجارة والتبادل التجاري في عصر رأس المال[96].. فالرأسمالية تمهد لزوال القوميات وفقًا للبيان الشيوعي الذي يكرّر الأفكار بشأن إنشاء السوق العالمي من الإنتاج والاستهلاك، وسحب الأرض الوطنية من تحت أقدام الصناعة "لغم الرجعيين الشديد"[97].. ويكون نضال الطبقة العاملة في البداية نضالًا وطنيًا ضد برجوازيتها المحلية، ولكن ما يلبث أن يصبح أمميًا[98]. تنمّي البرجوازية مصالح وطنية محلية وفقًا للبيان، وفي الوقت ذاته تولّد طبقة متحررة من العالم القديم. إنها تنتج الطبقة ذات. المصالح نفسها عند سائر الأمم، أي الطبقة العاملة، التي سوف تلغي القوميات[99].. ولكن الطبقة العاملة لم تتحرر بالمعنى الذي قصده البيان، بل حققت إنجازات هائلة في إطار الدولة الوطنية، ولم تحرّر العالم من القوميات، بل أصبحت هي ذاتها من الفئات الاجتماعية الأكثر تعرضًا للتعبئة القومية والوطنية لأسف الماركسيين الشديد.
أيد ماركس وإنغلز خلال حياتهما الغنية بالتفاعل مع الأحداث بعض الحركات القومية وعارضا بعضها الآخر. فما هو المعيار الذي اتبعاه في دعم حركات قومية ومعارضة أخرى؟ إنه التمييز بين تعزيز المسار التاريخي نحو الاشتراكية وإعاقته. فعلى سبيل المثال، اعتبرا أن فكرة "الجامعة السلافية" معادية للتقدم التاريخي، لأنها ترمي إلى إخضاع الغرب المتمدن لشرق أوروبا المتخلف، والمدن للريف، وغير ذلك من النزعات الرجعية من منظورهما. وفي حين رأى ماركس وإنغلز أن نضال البولنديين والإيطاليين والمجريين ضد روسيا والإمبراطورية النمساوية هو فعل تقدمي يستحق الدعم، لأن دور هاتين الإمبراطوريتين كان رجعيًا، ووصما القومية الروسية والتشيكية والكرواتية بالرجعية، في المقابل، أيّدا نضال بولندا ضد روسيا والنمسا. وفي خطاب لماركس عن بولندا وردت عبارة "لا يمكن أن تكون الأمة حُرّة وتواصل في الوقت ذاته قمع أمة أخرى"[100]. . وأصبحت هذه المقولة تتكرر مثل لازمة في سياق مناهضة الماركسيين للاحتلال من داخل الدولة الاستعمارية أو الدولة التي تفرض سيادتها على أمة أخرى بالقوة.
لقد تعدّل موقفهما من الاستعمار وتمدّد الرأسمالية في حالتي إيرلندا وبولندا، إذ وقفا مع استقلال هذين البلدين وحركتيهما الوطنيتين ضد الاستعمار الإنكليزي في إيرلندا والاستعمار الروسي في بولندا. يمكن أن ينسجم الموقف من بولندا مع الرؤية الطبقية العامة لأن روسيا كانت قلعة الرجعية في أوروبا في نظر ماركس، والنضال ضدها يمكن أن يُعد نضالًا تقدميًا وفقًا للمعيار الطبقي. لكن الموقف من إيرلندا لا يتوافق مع هذا المنهج لأنه نضال ضد توسع الرأسمالية الإنكليزية. وفيما عدا تأثير التعاطف الشخصي الناجم عن القرب من الموضوع والإعجاب بنضال الإيرلنديين، ربما رأى ماركس أن استعمار شعب آخر يعيق النضال الطبقي في الدولة المُستعمِرة، حتى لو كانت متقدمة لأنه يؤدي إلى نوع من الوحدة الوطنية في الصراع ضد الآخرين. لذلك اعتقد ماركس بوجوب تحرر إنكلترا من إيرلندا، لا تحرر الثانية من الأولى فقط. هذا إضافة إلى إعاقة الاحتلال الإنكليزي لإيرلندا للتطور هناك، وعناد المقاومة وديمومتها ضده.
أما خارج أوروبا، فقد عدَّ ماركس التوسع الاستعماري جزءًا من عملية بناء السوق العالمي ونقل الدول المتخلفة إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، وبهذا المعنى غالبًا ما اعتبر أنه ضرورة تاريخية في الطريق إلى الاشتراكية، ولا سيما في الحالات التي لم تكن مرشحة للتطور نحو الرأسمالية بقواها الذاتية، هذا قبل أن يصل إلى قناعة بعدم ضرورة مرور البلدان كلها بالخطة التاريخية لمتتالية أنماط الإنتاج بحلقاتها كافة. وعندما اعترف ماركس بدور تقدمي للاستعمار في الشرق الأقصى من بوابة الهند، كان ذلك إشارة إلى التطور التاريخي بموجب المخطط المذكور، فبناءً على تحليله لنمط الإنتاج السائد فيها، كانت الهند عاجزة عن مغادرته والتطور وحدها.
وغالبًا ما يُقتبَس باستهجان موقف إنغلز من الاستعمار الفرنسي للجزائر من مقال له في صحيفة نورثرن ستار الإنكليزية بتاريخ 22 كانون الثاني/ يناير 1848، حيث عدّ احتلال الجزائر احتلالًا وحشيًا دون شك ومقاومة القبائل له بطولية، لكن، على الرغم من ذلك، كان هذا الاحتلال "حدثًا [مهمًا] وسعيدًا للتقدم الحضاري". واضطر بعده البايات في تونس وطرابلس والمغرب أيضًا، إلى البحث عن مصادر اقتصادية أخرى غير القرصنة[101]لم ينشر المقال في الأعمال الكاملة لماركس وإنغلز.. هذا في مرحلة مبكرة نسبيًا من تطور موقفهما الفكري بشأن المستعمرات.
كتب ماركس إلى إنغلز في 2 حزيران/ يونيو 1853 ما معناه أن المفتاح الحقيقي لفهم الشرق بما في ذلك الدين هو عدم وجود ملكية خاصة للأرض، ويكشف فيها عن مصدر قديم من مصادره في هذا الشأن وهو فرانسوا بيرنييه (François Bernier، 1620-1688) الذي عاش في الهند في ضيافة أباطرة المغول (وكان قد عاصر اثنين منهما. وكانت السلالة في واقع الحال ذات أصول أوزبكيّة وليست مغولية، تمامًا كحال تيمورلنك). وألَّف كتبًا عن رحلاته بين عامي 1656 و1668[102].
توصل فيها إلى أن المشترك بين الهند وفارس وتركيا هو غياب الملكية الخاصة للأرض. أجابه إنغلز في 6 حزيران/ يونيو أن السبب الرئيس لغياب ملكية الأرض في الشرق هو المناخ والصحاري الشاسعة. وردّ ماركس في 14 حزيران/ يونيو مشددًا على الأشغال العامة التي تضطلع بها الحكومة المركزية ولا سيما في مجال الري، وعلى القرى الهندية المستقلة المتماثلة بوصفها أساس الركود الاجتماعي[103]. كانت هذه بداية التفكير بنمط الإنتاج الأسيوي الذي يميز جمود التطور التاريخي للبلدان الشرقية عن ديناميكية تطور أنماط الإنتاج في أوروبا. وهو المفتاح لفهم تلك المجتمعات.
لم يُنشَر هذا الاستنتاج في أبحاث، ويقتصر المصدر عن هذه الفكرة الماركسية على رسائل ومقالات؛ أي مقالات ماركس التي نشرها في جريدة نيويورك ديلي تريبيون في 25 حزيران/ يونيو بعنوان "الحكم البريطاني في الهند"، وفي 8 آب/ أغسطس 1853 بعنوان "النتائج المحتملة للحكم البريطاني في الهند"[104]. يمكن تقسيم المقال الأول إلى موضوعتين: الأولى هي ركود المجتمع الهندي، والثانية تأثير بريطانيا على هذا المجتمع. الأولى هي المتعلقة بما أصبح يسمى نمط الإنتاج الآسيوي في الحضارات النهرية والبلدان ذات السهوب الشاسعة الممتدة من الصحراء الأفريقية، مرورًا ببلاد فارس والهند و"بلاد التتار"، إلى هضاب آسيا[105] تطرّق ماركس في مقالتيه عدّة مرّات إلى ما سُمّي لاحقًا "نمط الإنتاج الآسيوي"، مُقسِّمًا الدولة في ظله إلى ثلاث دوائر: المالية أو ما يُسمّيه " قسم نهب الداخل"، والحرب أو "قسم نهب الخارج"، و"الأشغال العامة"[106]، وهي الأهم، لأنها تُلخِّص تشخيصَه لنمط الإنتاج الآسيوي، أي مشاريع دولة الاستبداد الشرقي (Oriental Despotism) في مجال بناء السدود لتقي الزراعة من الفيضانات الموسمية، وشق القنوات من الأنهار لأغراض الري. دور الدولة هذا في تنفيذ المشاريع الكبرى -ولا سيما مشاريع الري بوجود قرى مستقلة متناثرة غير قادرة على تشكيل تعاونيات للقيام بمشاريع مشتركة، وغياب الملكية الخاصة للأرض- هو الأساس الذي يقوم عليه الاستبداد الشرقي. وقد كَسَرَت التجارة البريطانية "الحرة" نمط الإنتاج السائد بتحويل الهند إلى سوق كبيرة للسلع البريطانية، ولا سيما المنسوجات، وتخريب إنتاج النسيج الريفي المحلي.
يمكن تلخيص رأي ماركس في المقال الأول، بأن إنكلترا كانت أداة غير واعية لتثوير العلاقات الاجتماعية في الهند، فقد أحدثت ثورة في واقع الجماعات القروية (عماد نمط الإنتاج الآسيوي) الذي يصفه بناء على تقارير رسمية بريطانية[107]مرقص، ص 208. واعتقد ماركس أن السكك الحديدية وتوحيد السوق في الهند سوف يسهمان في القضاء على نظام الطبقات الطائفي القائم، فالهند لم تكن فقط منقسمة بين مسلمين وهندوس، بل أيضًا بين طبقات طائفية (castes)، وبين المدن والقرى، وبين القرى نفسها.
وأشار ماركس في مقاله الثاني إلى أن بريطانيا لم تراعِ شيئًا من أوضاع البلاد التي احتلتها وحاجاتها. وورد فيه أن الهند "لم تكن قادرة على أن تفلت من قدر الاحتلالات المتتالية، وتاريخها، إذا كان ثمة تاريخ، هو تاريخ الغزوات المتعاقبة التي أخضعتها. ليس للمجتمع الهندي تاريخ، أو على الأقل ليس له تاريخ معروف. وما نسميه تاريخها ليس إلا تاريخ الغزاة المتعاقبين الذين أسسوا إمبراطوريات"[108] . يصعب عدم ملاحظة تأثير رؤية هيغل للتاريخ العالمي على ماركس في هذه الفقرات. ويقصد ماركس أن القرى الهندية، وهي وحدات إنتاجية مبعثرة ومكتفية لا تتطور بالانتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، وحكام الهند يتغيرون بمعزل عنها، وغالبًا بالغزو. وقد فرضت بريطانيا الوحدة السياسية على الهند، بموجب هذا المقال، "وسيعززها ويديمها التلغراف، الجيش المحلي الهندي الذي ينظمه ويدربه الإنكليز"[109]. وقد تضمن المقال إشارات شارإلى احتمالات تطور البنية الطبقية للهند بما فيه نشوء بروليتاريا صناعية وتحوّل الهنود إلى قوة اجتماعية قادرة على "خلع نير الحكم البريطاني[110]. وهو موقف واضح مؤيد للتحرر من الاستعمار، التحرر المرتبط بالتطور الاجتماعي. كذلك، هو يشير إلى البربرية المتأصلة في الحضارة البرجوازية متخليًا تمامًا عن التمييز المركزاني الأوروبي بين بربرية متفوقة وبربرية متخلفة[111]..
وكرّر ماركس في تقاريره الأولى عن الأحداث في الصين في نيويورك ديلي تربيون موقفه المعروف في البيان الشيوعي بشأن نشر الاستعمار الرأسمالية في المشرق على الرغم من شراسة الحروب وبربرية الاستعمار، كما في حالة حرب الأفيون الأولى في الصين (1839–1842). ولا شك أن رؤية ماركس في البيان الشيوعي وفي مقالاته الأولى عن الهند وغيرها كانت رؤية مركزية أوروبية، متأثرة أيضًا بمقاربة هيغل للتاريخ العالمي[112]. لكن الفقرات الحماسية عن دور البرجوازية في البيان الشيوعي تبعتها صفحات كاملة في هجاء الرأسمالية واستغلالها للعمال. والحقيقة أن ماركس وَصَفَ سلوك الاستعمار في المشرق أيضًا بعبارات لا تقل حدّة. وبرأي أندرسون، تعدل موقف ماركس قليلًا في مقالات عام 1853 قبل أن يتعدل جوهريًا منذ نهاية الخمسينيات، وهو يدحض تقييم أمثال شلومو أڤينيري (1933–2023) أستاذ العلوم السياسية الإسرائيلي ومؤرخ الفكر الصهيوني الذي يعد خبيرًا بماركس أن ما جاء في البيان الشيوعي حَدَّد رؤية ماركس وكتاباته عن العالم غير الأوروبي[113]. فهذا الرأي يهمل تطور موقف ماركس: أولًا اعتقاده اللاحق بعدم الحاجة لمرور سائر المجتمعات بالمراحل التي مرّت فيها الحضارة الغربية من أجل الوصول إلى الاشتراكية، وثانيًا إدراكه أن الاستعمار لم يُوجِد نظامًا رأسماليًا كما في الغرب، بل عملية إعاقة للتطور. وهو ما سُمّي لاحقًا في القرن العشرين بنشوء "اقتصاديات تابعة". ولا يُنسى أن الحديث عن منتصف القرن التاسع عشر الذي لم يوجد فيه تيار معارض للاستعمار في أوروبا، ولم توجد فيه حركات تحرر في المستعمرات، وإن وجدت مقاومة للاحتلال.
في مقالته الأولى التي نشرها في جريدة نيويورك ديلي تريبيون في 25 حزيران/ يونيو 1853 بعنوان "الحكم البريطاني للهند"، كتب ماركس أن التعاسة والمُعاناة اللتين مرت بهما الهند تحت الحكم البريطاني أكبر بكثير مما شهدته تحت الاحتلالات الأخرى. هذا هو المقصود بالقول إن النبرة اختلفت. وماثل ذلك وصفه للاستعمار الهولندي لإندونيسيا في عدد من المقالات الأخرى في الجريدة نفسها. لكن الفرق بين الاستعمار الإنكليزي وغيره من الاحتلالات يتمثل في أنه غيّر طبيعة النظام الاجتماعي. بهذا صنع البريطانيون، وفقًا لماركس، أعظم ثورة اجتماعية شهدتها آسيا.
لم يكن ماركس استعماريًا، لكنه شخّص وظيفة الاستعمار التاريخية من منظوره المناهض للرأسمالية في الغرب. ومن نافل القول إنه لم يعارض استقلال الهند وتحررها من الإنكليز، ولكنه كان يرى أن ذلك غير وشيك وأن الثورة الاشتراكية في الغرب أقرب. ووفقًا لأندرسون[114]، لم يكن ماركس استعماريًا، ولا استشراقيًا، بل تعامل مع "الشرق" وفقًا لتصورّه لعالم أفضل، بما في ذلك في "الشرق نفسه"، ولكن من منظور مركزاني أوروبي، بحيث يفترض أن ينطبق على بلدان الشرق ما ينطبق على أوروبا. وعندما أدرك أن الاستعمار لا يضطلع بدور نشر الرأسمالية وفقًا لنموذجه التاريخي، اتخذ موقفًا حادًا ضده. أما بالنسبة لاعتقاده بأنه قد يتولّد مستقبل أفضل من المعاناة التي يمرّ بها السكان نتيجة للاستعمار، فهذا لم يكن موقفًا يخص الشعوب المُستَعمَرة فحسب، بل كان هذا موقفه أيضًا من الشعوب الغربية ومعاناتها في ظل التراكم الرأسمالي الأوّلي في مسار التاريخ نحو الاشتراكية. وبهذا اختلف أندرسون مع موقفي أڤنيري الذي نسب لماركس موقفا استعماريًا، وإدوارد سعيد (1935–2003) الذي نسب له موقفًا استشراقيًا، على حدٍ سواء في هذا الشأن[115]..
استخدم ماركس أشد تعابير الإدانة لجرائم الاستعمار ووحشيته، ولكن من دون التعويل على الحركات التي قاومته مهما كانت بطولية أو مثيرة للإعجاب. وفي مقال له عن "تمرد الجيش الهندي" من عام 1857، أشار ماركس، رغم تقييمه أن وحدة الهند السياسية تحققت فقط في ظل حكم الإنكليز، إلى أنهم اتبعوا سياسة "فرق تسد" في الوقت ذاته، وهذه السياسة هي التي مكنتهم من حكم الهند بقوات قليلة طوال 150 عامًا. لقد أقاموا جيشًا من 200 ألف جندي يحكم 200 مليون إنسان، ويشرف على هذا الجيش 40 ألف جندي بريطاني[116]..
في مقالاته التي تناول فيها تمرّد الجيش الهندي المدفوع بدوافع مختلفة، ومن بينها دوافع دينية، فضح ماركس نفاق الطبقات الحاكمة والنخب البريطانية حين أبدت صدمتها واشمئزازها من قسوة الجنود المتمردين وبشاعة التنكيل الجسدي الذي مارسوه، فهذه الطبقات تناست قسوة الاستعمار نفسه والجرائم التي مارسها.
كتب ماركس عن ضرورة المرور بالمرحلة الرأسمالية حتى في الهند، وذلك في إطار توسع السوق الرأسمالي وسيطرته على الاقتصاد العالمي قبل أن يستنفذ إمكانيات التوسع بهدف زيادة الربح الذي تنخفض نسبته مع زيادة المكون الثابت في رأس المال مع التطور التكنولوجي. وليس ماركس آسفًا على الجماعات القروية التي يقضي عليها توسع السوق الرأسمالي ووسائل الاتصال، فقد سخر من الرومانسية والنوسطالجيا للجماعات الريفية؛ تلك الوحدات الإنتاجية المستقلة التي تعيد إنتاج نفسها إلى ما لا نهاية بحيث تسد الحاجات الدنيا للبشر في أفضل الحالات، ولا تتطور من ذاتها، بل فقط بفعل خارجي يكسر هذه الدائرة اللانهائية: "ولا يجب أن ننسى أن هذه الجماعات الصغيرة كانت تحمل وصمة الطبقية والاستعباد، وأنها كانت تُخضع الإنسان للظروف الخارجية عوضًا عن أن تجعل منه سيد الظروف، وتجعل الحالة اجتماعية القائمة التي تعيد إنتاج ذاتها قَدَرًا محتومًا. إن الجماعة الريفية هي أصل العبادة الفظة للطبيعة التي أذلت الإنسان، سيد الطبيعة، ليركع ويعبد هانومان القرد، وسبّالا البقرة"[117].
يقوم نمط الإنتاج الذي أصبح يُسمّى لاحقًا نمط الإنتاج الآسيوي على قرى مشاعية مكتفية ذاتيًا لأنها تجمع بين الزراعة العائلية ونول الغزل المنزلي والورش الحرفية اللازمة، بوجود حكومة مركزية غير محسوسة في القرية، إلا عند جباية الضرائب، ولكنها تنفذ الأعمال الكبرى المتعلقة مثل بناء السدود في مواجهة فيضانات الأنهار في الحضارات النهرية الكبرى وشق القنوات للري. أي إن هذا النظام يلائم شروط مناخية جغرافية معينة. وتعيش المدن الكبيرة على الخدمات المقدمة للدولة، ولا سيما الجيش، وهي تكاد تتنقل معًا مع الملك حين يتنقل، فالملك هو المالك الوحيد للأرض في المملكة، وعندما يتنقل الجيش مع الملك يرافقه حرفيون وعمال يحتاج إليهم الجيش لتقديم الخدمات له[118].
وتطرقت مخطوطة الغروندرسه إلى نمط الإنتاج الآسيوي. فإضافة إلى المقدمات المنهجية في دراسة الرأسمالية تكرر في المخطوطة أيضًا تقسيم أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية إلى: آسيوي تتدخل فيه الدولة في مشاريع الريّ، والكلاسيكي القديم القائم على العبودية، والجرماني الذي تطور إلى الإقطاع الأوروبي، ما يعني أن هذه الأنماط لا تتوالى في التاريخ في تقدم خطي. وقد أولى ماركس اهتمامًا أكبر بنمط الإنتاج الآسيوي في هذه المخطوطة، وأصبحت بعد صدورها المصدر الرئيس عنه بالنسبة للماركسيين. لقد صنّف ماركس في الغروندرسِه أنماط الإنتاج وفقًا للعلاقة بين المُستغِل والمُستغَل: في نمط الإنتاج الاسيوي، وفيما عدا العمل في إطار الجماعة في المشاعية القروية، تكون تبعية العاملين للدولة التي تتولى مشاريع الري الكبرى وبناء المعابد حيث تمارس طقوس تبجيل الآلهة والحاكم/ الدولة، أو حتى عبادته. وفي النمط الكلاسيكي القديم تكون تبعية العبد للسيد مثل نظام العبودية في روما القديمة واليونان، وفي النمط الإقطاعي تكون تبعية الفلاح لمالك الأرض[119].. حلَّل ماركس الاستبداد الشرقي، ونمط الإنتاج الذي يستند إليه، متناولًا بالتفصيل اقتصاد الجماعة القروية وعملها الجماعي وعلاقتها مع شخص الحاكم والاقتصاد الخراجي الناجم عن ذلك، أي إن جباية الدولة جزء من فائض القيمة من خارج عملية الإنتاج، وهي أيضًا الدولة المستبدة التي تقوم بالمشاريع الكبرى وتشغل السكان أنفسهم بالسخرة.
طوّر ماركس في هذه المخطوطة نموذجًا أكثر تركيبًا من ذلك الذي عرضه في الأيديولوجيا الألمانية، مبينًا أن الفرق بين بُنية الجماعة والعشيرة في المشرق وتلك التي سبقت النظام القديم في اليونان وروما هو التحول التدريجي إلى الملكية الخاصة للأرض في حالة اليونان وروما. وظلّ تطور الاقتصاد الآسيوي القائم على الجماعات القروية المتناثرة التي لم تتحول إلى الملكية الخاصة للأرض محدودًا، في حين أنه مع نشوء الملكية الخاصة نشأت أيضًا إمكانية ظهور النظم التي تحررت من الجماعة، وتوفرت الظروف كذلك لظهور الفرد المواطن في بعضها. إن نمط الإنتاج الآسيوي هو الأبعد عن التطور الرأسمالي من بين أنماط الإنتاج التي يعرضها ماركس في الغروندرسه[120].
ظل مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي قائمًا لدى بعض المفكرين الماركسيين حتى بداية ثلاثينيات القرن العشرين، لكن تنميط نظرية المادية التاريخية في متوالية تاريخية (عبودية- إقطاع- رأسمالية) في ظل حكم ستالين أخرجه من التداول. وقد أحياه الباحث الألماني كارل ڤيتفوغل (Karl Wittfogel، 1896- 1988)[121]. في سياق نقده لستالين والحكم السوڤياتي، إذ عدّه نسخة حديثة من الدولة الشرقية البيروقراطية المركزية التي تضطلع بالمشاريع الكبرى في غياب ملكية خاصة على الأرض، أي إنه الاستبداد الشرقي القائم على نمط الإنتاج الآسيوي كما في الهند والصين ومصر القديمة. وقد وُجه مثل هذا النقد أيضًا للنظام في الصين في ظل قيادة ماو تسي تونغ الذي رفض أيضًا تطبيق فكرة نمط الإنتاج الآسيوي على تاريخ بلاده، مُصرًّا على أن الصين مرت بمرحلة إقطاعية قبل تغلغل الرأسمالية والثورة الاشتراكية.
وفي نهاية حياته، وفي سياق التواصل مع ثوريين منفيين روس، وبعد ترجمة رأس المال إلى الروسية، كان ماركس مستعدًا لقبول احتمال أن تصبح المشاعية الريفية الروسية (Obschchina - بقايا نمط الإنتاج السلا ڤي في روسيا عصره) التي تقوم على الملكية الجماعية للأرض أساسًا للاشتراكية من دون المرور في المرحلة الرأسمالية، إذا ترافقت الثورة في روسيا مع ثورة البروليتاريا في الغرب، أو أسهمت في نهوضها. فقد ظل متشككًا في إمكانية أن تكون الاشتراكية في روسيا المتخلفة قابلة للحياة من دون اشتراكية في دول أوروبا الغربية المتطورة.
ففي عام 1878، في رسالة بتاريخ 4 شباط/ فبراير إلى الاشتراكي الألماني كارل ليبكنيخت، تطرّق ماركس أول مرة إلى احتمالات الثورة في روسيا ثم في أوروبا إذا هُزِمَت روسيا في الحرب[122]. وأوضح لاحقًا، في مقدمة الطبعة الروسية الثانية للبيان الشيوعي الصادرة عام 1882، أن الثورة في روسيا يمكنها أن تنجح بشرط أن تمتد لبقية أوروبا، فهي تعطي الإشارة لثورة بروليتارية في الغرب، ومن دونها لا تتحول الثورة في روسيا إلى ثورة اشتراكية[123]
النقد الموجه إلى ماركس
عند تناول النقد الموجه إلى ماركس بإيجاز يجدر تجاهل النقد الذي يندرج ضمن الصراع السياسي والأيديولوجي في القرن العشرين، الذي دأب أصحابه على كيل التهم له وتشويه صورته. فهذا كثير ويحتاج إلى دراسة كاملة من نوع آخر. ما يمكن تناوله هنا هو النقد النظري.
قارب إيريك ڨوغلين (Eric Voegelin، 1901-1985) في كتابه Political Religions (1938) مشروع ماركس بوصفه مشروعًا خلاصيًا شبه ديني[124]. وثمة إسراف لدى بعض المفكرين[125] في استخدام مصطلح الديانات الدنيوية أو الديانات السياسية وصولًا إلى إسقاطه على أفلاطون والتنوير والأوروبي والاشتراكية وكل ما يكتشفونه بوصفه أحد جذور الحركات الشمولية في القرن العشرين التي يصح أن تُطلق عليها تسمية حركات شبه الديانات العلمانية (secular pseudo-religions). ورأى جون إلستر أن إلغاء تقسيم العمل هو أساس اليوتوبيا عند ماركس[126] . والحقيقة أن البعد اليوتوبي هو جانب واحد من فكر ماركس. وهذا لا يجعل من فكره فكرًا شبه ديني خلاصيًا من نوع الديانات السياسية العلمانية؛ فالمكونات الرئيسة في فكره علمية، وأسلوبه الأدبي أبعد ما يكون عن الغيبية، كذلك يتميز بالنقدية وحس الدعابة، ويصل في دنيويته حد السخرية اللاذعة التي تغيب في النصوص الدينية أو العلمانية شبه الدينية المتجهمة والفاقدة للدعابة. ولكن يصح القول إن التحزب الفكري عند بعض أتباع الماركسية تحول إلى عقيدة شبه دينية من خلال تهميش مكونات فكر ماركس العقلانية التنويرية النقدية التي شكّلت أساس مشروعه الفكري.
كذلك إن فكر ماركس معرّض لمأزق إضافي له الجذور نفسها، فالنزعة الخلاصية في الفلسفة، التي تتجاوز مجرد الحلم باليوتوبيا إلى صياغة حتمية سَيْر التاريخ إليها، أي التي تزرع المعنى في التاريخ، تهمش الأخلاق في كثير من الحالات، وهي تبرر ذلك ذاتيًا بأن الخير متضمنٌ في مسار التقدم نحو المثال الأعلى وفي النضال وفقًا له. وكان هذا الخطر ماثلًا في حالة ماركس، ولا سيما أنه لم يضع أصلًا فلسفة متكاملة تتضمن علم الأخلاق، وذلك على الرغم من نزعته الأخلاقية القوية في رفض أشكال الظلم والاستغلال كافة. ما عرَّض فكره لتفسيرات مثل أن الأخلاق تخضع المصالح، أو هي ملحقة بالصراع الطبقي وقضية بناء الاشتراكية.
ويتلخص النقد الرئيس على لغة ماركس العلمية من منظور نقاده الكلاسيكيين في القرن العشرين في أنه استخدم عدّة مصطلحات للدلالة على الظاهرة نفسها، أو استخدم المصطلح نفسه للدلالة على ظواهر مختلفة. لم يكن ماركس حذرًا في اختيار تعابيره كما في المقولة المقتبسة بكثرة من الأطروحات عن فويرباخ أن "الإنسان هو مجموعة علاقاته الاجتماعية". ويجب العودة إلى مواضع أخرى في كتاباته لكي توازن مثل هذه المقولات القاطعة المعبرة عن بعد واحد من أبعاد الظاهرة الاجتماعية قبل استكمال أبعادها الأخرى. ففي مقابل هذه المقولة، كتب ماركس في "الغروندرِسِه" التالي: "الإنسان هو بالمعنى الحرفي كائن سياسي (zoon politikon) وليس جزءًا من قطيع[127]خلافًا لقصد أرسطو الذي قصد تنظم البشر في جماعات (قطعان) منظمة ذات قيادة سياسية.، فهو قادر على التفرد/ تفريد نفسه لكن فقط في المجتمع"[128. لم يكتب ماركس مقالات متكاملة مفصلة للنشر في دوريات علمية يقرؤها متخصصون، بل كان صاحب مشروع فكري متنوع ومتفاعل مع الواقع ومتطور مع الوقت وفي خدمة قضية، ولا يمكن فهمه كله أو الحكم عليه من قراءة نص واحد.
وقد برّر إنغلز في مقدمة المجلد الثالث من كتاب رأس المال تعدد معاني المصطلح الواحد وتعدد المصطلحات بالدلالة ذاتها بالقول إن استخدام المصطلحات وتعريفها يختلف مع تطور الظواهر نفسها. ولم يكن هذا التبرير مقنعًا، فالتعريف في الحقيقة هو الثابت في الظاهرة مهما تغيرت، ويتغير إذا تحولت إلى ظاهرة أخرى. والواقع أن ماركس لم يعرّف عدته المصطلحية ولا استقر عليها، واستخدم بعض المصطلحات بمعانٍ مختلفة (مختلفة لا متناقضة) كما عدلتها بلاغته الأدبية أحيانًا. ولكن هذا لم يغير في منهجه التحليلي التركيبي ومقاصده. أما تجنّبه تعريف مصطلحاته، فعقَّد فهمها وأتاح المجال للتأويل، كما في حالات مثل الطبقة، وعلاقات الإنتاج، وعلاقات الملكية، والديمقراطية، وغيرها.
يمكن القول إن أهم أسباب سوء الفهم الرائج بشأن مقاربته المادية للتاريخ، ولا سيما لدى غير المطلعين على تطور ماركس الفكري ومكانة فاعلية الإنسان وفاعلية الأفكار في التاريخ فيه، هو عدم وجود تعريف واضح للمكونات التي تشكل المتغيرات الرئيسة في نظريته. فمثلًا لا يوجد تعريف دقيق وواضح لعلاقات الإنتاج وقوى الإنتاج منفصل تمامًا عن المتغيرات، التي يُفترض أنها متغيرات تابعة مثل العلاقات السياسية والحقوقية وأشكال التفكير؛ فسح ذلك في المجال للاعتقاد أن ما يسمّى بعلاقات الإنتاج أو المبنى التحتي للمجتمع هو الاقتصاد فقط، مع أنها تشمل عناصر غير اقتصادية مثل العلم والتكنولوجيا ومعطيات طبيعية أيضًا، وهي تصبح اقتصادية حين تُستثمر في الإنتاج في ظل علاقات إنتاج محددة. كذلك لم يُميّز تمييزًا واضحًا بين علاقات الإنتاج وعلاقات الملكية السائدة (بما فيها من أبعاد حقوقية)، فأحيانًا يستخدم المصطلحين كأنهما مترادفان. ولم يقدم تعريفًا واضحًا للطبقة، وهل هي وحدة التحليل الأساسية للمجتمع بموجب نظريته الاجتماعية. يرى بيرتل أولمان (Bertell Ollman، 1935- ) أن الادعاء بأن الاقتصاد هو أساس كل شيء عند ماركس (economic determinism) وهو عبارة عن صورة كاريكاتيرية عن الفكر الماركسي[129]. وينطبق ذلك أيضًا على مقاربة المادية التاريخية باعتبارها مجموعة معادلات تربط ما يُسمّى المبنى الفوقي بالمبنى التحتي للمجتمع. ويصح هذا أيضًا على اختزال الاقتصاد إلى قوى الإنتاج، وقوى الإنتاج إلى تكنولوجيا. وأسهم في نشر هذا الصورة الكاريكاتورية عن الماركسية قول ماركس نفسه في كتابه بؤس الفلسفة: "المطحنة اليدوية تعطيك مجتمع السيد الإقطاعي والطاحونة البخارية تعطيك مجتمعًا رأسماليًا صناعيًا"[130] ، وهي جملة تبسيطية في الواقع ناجمة عن ميل ماركس للاختزال الأدبي في تعبيراته. وقد استسهل ماكس ڤيبر (Max Weber، 1864-1920) انتقادها قائلًا إن المطحنة اليدوية كانت قائمة في أكثر من نمط إنتاج ما قبل رأسمالي، أما الطاحونة البخارية فتلائم الرأسمالية واشتراكية الدولة التي قامت في روسيا في القرن العشرين[131]. وجاء في موضع آخر من الكتاب نفسه أن "العمل ينتظم على نحوٍ مختلف نتيجة لاستخدام أدوات الإنتاج، فالمطحنة اليدوية تفضي إلى تقسيم عمل يختلف عما تقود إليه الطاحونة البخارية"، ويضيف أن "الآلات ليست مصطلحات اقتصادية مثلما أن الثور والمحراث ليست مصطلحات اقتصادية، إنها أداة انتاج. أما الإقطاع والمصنع الحديث الذي يعتمد على الآلات فهو علاقة إنتاج، إنه مصطلح اقتصادي"[132]. هذا يعني أن الاقتصاد يدخل في الصورة لا بتحديد الأدوات وإنما بتحديد علاقات الإنتاج المتلائمة معها، وتوجد حلقات وسيطة كثيرة.
وقد انتقل بعض المفكرين المتأثرين بماركس مثل مفكري مدرسة فرانكفورت من اتّباع منهجه في أولوية الاقتصاد على السياسة إلى تبني أولوية السياسة في منهجهم التحليلي في مقاربة المجتمعات الرأسمالية المتطورة، ولا سيما أنهم أصبحوا أقل تفاؤلًا من ماركس بخصوص انهيار الرأسمالية بتناقضاتها الداخلية[133]، ولا سيما بعد نشوء رأسمالية الدولة، وقد أولوا كذلك البعد الأيديولوجي الثقافي أهمية قصوى.
يبدو أحيانًا أن ماركس ينتقل من مفهوم إلى آخر حين يصف الانتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، فهو بعد أن يضع مفهومًا لنمط الإنتاج السائد في مرحلة ما، يستنتج منه الانتقال إلى مرحلة تاريخية أخرى كأنه يستنبط مفهومًا من مفهوم على نحو جدلي بتبيين التناقضات التي تؤدي إلى نفي الأول. والحالة الوحيدة التي يعرض فيها الانتقال التاريخي نفسه والقوى الاجتماعية التي حملته أو الفاعلة فيه هي الحالة التي وقعت فعلًا، أي الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية. فلم يشرح الانتقال من أنماط الإنتاج ما قبل الإقطاعية إلى الإقطاع. ومن الطبيعي أن يظل الانتقال إلى الشيوعية قائمًا على مستوى مفهوم رأس المال ومفهوم الشيوعية، وذلك على الرغم من شرحه العبقري لبنية الرأسمالية ومسار تطورها حتى عصره. وينطبق الأمر أيضًا على الطبقة العاملة، والطبقات عمومًا، فهو يستنتج سلوكها من مفهومها الذي يضعه، لا من واقع الطبقات العاملة ووعيها وسلوكها الفعلي. هنا يختلط عنده الكائن بما يفترض أن يكون بموجب المفهوم.
وقد شاع في العلوم الاجتماعية نقد ماكس ڤيبر لكارل ماركس في ثلاث نقاط رئيسة تتمحور حول مقاربته المادية للتاريخ والمجتمع: أولًا: استناد تفسيرات ماركس وتحليله السببي لعلاقات الإنتاج الرأسمالي إلى العوامل الاقتصادية من دون اعتبار كافٍ لسلوك الأفراد ودوافعهم؛ ثانيًا: اقتصار فهم ماركس المؤسسات السياسية والدينية والقانونية من منظور فاعلية الاقتصاد. لقد شدد ڤيبر أن النظام الاجتماعي كيان مركب من نظم وأنساق مستقلة نسبيًا ومتفاعلة (الاقتصاد والسياسة والدين والقانون)، ولا يمكن فهمها من خلال قواعد وقوانين عامة ثابتة تتحكم بها جميعًا؛ ثالثًا: تركيز ماركس على الطبقات الاقتصادية في فهمه للتراصف الاجتماعي (Social Stratification). وقد عدّل ڤيبر عملية توزيع المجتمعات البشرية في فئات أو طبقات، بتحديد فئات اجتماعية بناءً على معايير إضافية مثل "الشرف" و"المكانة" و"السلطة". وجادل بأن الطبقات الاقتصادية ليست مترابطة على نحو تلقائي، وبأن الفئات الموزعة على أساس المكانة (Status Groups) تمتاز بتركيب واضح، خلافًا للطبقة التي تجمع أفرادها ثقافة مشتركة، وحتى مصالح متشابهة. وينطبق ذلك على جماعات السلطة[134].
لقد دحض التاريخ توقعات ماركس بشأن انقسام المجتمع الرأسمالي إلى طبقتين فقط، إذ استمر وجود فئات واسعة من البرجوازية الصغيرة من صغار مالكي وسائل الإنتاج الذين يعملون بأنفسهم، ونشأت طبقة وسطى إضافية من الخبراء والتقنيين والبيروقراطية وغيرهم. وظل ثمة عاملون موسميون وعاملون في الخدمات من خارج الطبقتين يقدمون خدمات من أنواع مختلفة مباشرة إلى زبائنهم، ولا يستغلهم رأسماليون مباشرة. هذا عدا عن انقسام الطبقات العاملة ثقافيًا (وحتى مصلحيًا ومطلبيًا) بموجب النوع الاجتماعي (الجندر) والإثنية والقومية وغيره. كذلك أنشأت حركة شيوعية تهتدي بفكره نظام اشتراكية دولة شموليًا في روسيا، لم يكن ماركس ليبديَ تجاهه أي ود أو تعاطف.
أما بالنسبة لمسألة ما إذا كان فكره، إذا صحّ التعبير، مسؤولًا عن نشوء اشتراكية الدولة الشمولية في روسيا وفي غيرها وأنظمة الحزب الواحد المرتبطة بها. فيقول الباحث المتعمق في تيارات الماركسية ليتشيك كولاكوڤسكي (Leszek Kolakowski، 1927-2009) إن ماركس لم يقصد ذلك، ولكن عقيدته الأيديولوجية ليست بريئة من تلك النتائج، فهي قابلة للتفسير على هذا النحو[135]. وقد وُجِّه نقد ماركسي مبكر إلى لينين الذي برر نظام الحزب الواحد[136] مستخدمًا عرض ماركس للإجراءات التي قامت بها كومونة باريس. وحتى لينين لم ينف، في تبريره لنظام الحزب الواحد، الانتخابات والحفاظ على الحريات نظريًا على الأقل، وإن عدّ الدكتاتورية ضرورية لمصادرة وسائل الإنتاج من المستغِلين، وكسر سلطات الدولة التي تمثل مصالحهم. وفي النهاية أسس فعلًا لنظام دكتاتورية الحزب الذي تحول إلى دكتاتورية الفرد في ظل حكم ستالين بعد وفاته. وقد وجه كارل كاوتسكي (Karl Kautsky، 1854-1938) وآخرون مثل هذا النقد الماركسي للبلاشفة بقيادة لينين، بالتأكيد على أن دكتاتورية البروليتارية لم تعن عند ماركس نظام حكم سياسيًا استبداديًا، بل كان المقصود هو دكتاتورية طبقية، أي من حيث المضمون الطبقي لإجراءاتها وسياساتها[137]كما ذُكِر أعلاه. وقد استخدم ماركس وإنغلز المصطلح (دكتاتورية البروليتاريا وكذلك بصيغة دكتاتورية الطبقة العاملة) إحدى عشرة مرة في مجمل كتاباتهما[138]، وذلك بمعنى نظام حكم انتقالي مؤقت يمكن من فرض إجراءات انتقالية مهمة مثل تركيز وسائل الإنتاج وحماية الثورة، تسود فيه الطبقة العاملة خلافًا لنظام الحكم الذي سادت فيه دكتاتورية البرجوازية، وقد سادت بأدوات ديمقراطية. ولم يدع ماركس إلى التخلص منها، بل إلى تطويرها. فقد دافع عن حرية الصحافة وحرية الاتحاد، وساند بقوة مطلب تعميم حق الاقتراع. وكانت دوافعه متعلقة بتحصيل المساواة، ومشاركة الفرد الكاملة في شؤون مجتمعه، والحرية التي تضمن تمكين الإنسان من التطوير الشامل لقدراته كافة، كما عبر عن ذلك في كتاباته المبكرة[139]ولكنه لم يضع برنامجًا ديمقراطيًا يكفل الحريات، ولم يهتم بتوضيح طبيعة نظام الحكم، لأنه اعتقد أن الدولة سوف تزول، لكن مقتضيات التحديث وبناء الاشتراكية في دول غير متطورة (خلافًا لتوقعاته) قادت إلى دول شمولية.