جورج وسوف: "طمّني عالحبايب"..سؤال لم يعد بريئاً

بدر العقبانيالثلاثاء 2026/09/01
جورج وسوف
من فيديو كليب "طمني عالحبايب"، أحدث أغنيات الوسوف
حجم الخط
مشاركة عبر

في 13 أغسطس/ آب الفائت، طرح جورج وسوف (1961) أغنيته المصوّرة "طمّني عالحبايب"، وقد صُوّرت داخل قطار، بعد انقطاع عن الأعمال المصوّرة قارب العامَين. وبعد تسعة أيام، وقف على مسرح مهرجانات قرطبا في لبنان يؤدّيها أمام جمهور جاء ليسمع القديم أكثر ممّا جاء ليسمع الجديد. إلى هنا، تبدو الحكاية عادية: مطربٌ في الرابعة والستين يعود إلى السوق بأغنية.

غير أنّ في توقيع العمل تفصيلاً يستحقّ التوقّف. كلماتها لأحمد شتا وألحانها لصلاح الشرنوبي، هما الثنائي نفسه الذي وقّع قبل 32 عاماً أغنية "كلام الناس"(1994)، تلك التي صارت عنواناً لألبوم، ثم لمرحلة، ثم شعاراً خطّه مراهقو عمّان وبيروت ودمشق على زجاج السيارات وجدران المدارس. بين النصّين مسافةٌ تختصر مسيرةً كاملة: هناك رجلٌ يعلن أنّ كلام الناس "لا بيقدّم ولا بيأخّر"، وهنا رجلٌ يسأل عن الناس أنفسهم ويطلب أن يطمئن عليهم. من هذا الانتقال، من الترفّع إلى السؤال، يمكن الدخول إلى الظاهرة الوسّوفية كلّها. كيف صار صوتٌ مكسور أرشيفاً عاطفياً لجيلين، وكيف صار حاملُ هذا الأرشيف معضلةً أخلاقية أمام أصحابه.

 

الصوت الذي خرج من العلبة البلاستيكية

وُلد جورج وديع وسوف في 23 ديسمبر/كانون الأول 1961 في قرية الكفرون في الجبال الساحلية السورية، لأسرة من خمسة أبناء. ولم تُصنع بدايته في إذاعة ولا في معهد. صنعها تاجر أشرطة في حمص، سجّل خِلسةً صوتَ صبيٍّ في الثالثة عشرة يغنّي موّال "حاصبيا"، وباع النسخ من دون أن يعرف المشترون اسم المؤدّي. في العام 1974 حمل الصبي بَريقه وغادر أهله إلى دمشق، حيث لم يعره صباح فخري، أيقونة الطرب الحلبي، أيّ اهتمام، وطلب منه العودة إلى بيته، فرفض الصبي العودة وراح يتنقّل بين الملاهي والفنادق.

في هذه الحادثة الصغيرة يكمن مفتاحٌ بنيوي. الثقافة الرسمية السورية كانت قد رتّبت هرميّتها: الطرب الحلبي والموشّحات والقدود واجهةً حضارية، والعتابا والموليا والدبكة موروث يحتاج إلى تهذيب. كان وسوف ابن اللون المُقصى، ولم تفتح له المؤسسة باباً، ففتحه الكاسيت. تلك العلبة البلاستيكية الرخيصة، أنشأت ما تسمّيه الكاتبة السورية هلا مصطفى "مكتبةً لا مركزية" للتراث الموسيقي، وسمحت لأصوات الأطراف بأن تتجاوز إذاعة دمشق وتصل إلى الناس مباشرةً. صعد وسوف من هذا الشقّ في جدار الدولة، وأجبر المؤسسة على الاعتراف به لاحقاً. وللصورة وجهٌ آخر أقلّ بهجة، فنقابة الفنانين السوريين منعته من الغناء لأنّه قاصر، ثم أُلغي القرار بذريعة أنّ صوته أكبر من عمره، ليُمضي طفلٌ في الرابعة عشرة لياليه في الملاهي والفنادق حتى الفجر، تحت لافتة "الطفل المعجزة". المجد المبكّر الذي ذاقه كان مسموماً منذ أوّله، إذ صنعه تحالفٌ بين سوقٍ ليليّ وسلطةٍ لم تحمِ طفولته. والانتباه إلى ذلك ضروريّ لفهم ما جرى بعد ثلاثين عاماً.

يميل الخطاب الشائع إلى نسبة الإطراب كلّه إلى الحنجرة، وهو خطأ تصحّحه مراجعة الملحّنين. أعطى اللبناني نور الملّاح، وسوف، أغنيتين لألبوم البداية "الهوى سلطان"(1984)، هما "روحي يا نسمة" و"حلف القمر"، ومن الثانية جاء اللقب والانتشار. ثم استكمل المصري شاكر الموجي البناء في "روح الروح"(1992) و"شيء غريب"(1993) بألحان طويلة متعدّدة الطبقات، بلغت ذروتها في ملحمة "صياد الطيور" على كلمات أحمد فؤاد نجم، وقد امتدّ لحنها 13 دقيقة.

 

الاسم الأهمّ في المرحلة الأخيرة هو أمجد العطافي، الذي أدرك سريعاً أنّ الصوت يتغيّر ولا سبيل إلى ردّه، فأبطأ الإيقاع وترك لجورج مساحاتٍ يتقدّم فيها ويتأخّر كما تسمح إمكاناته. اكتشف العطافي، ربّما مصادفةً، أنّ هذا الصوت يتألّق حين يتألّم. من هنا وُلد أداءٌ مسرحيّ يقوم على كلّ ممنوعات الغناء الكلاسيكي: حشرجةٌ وتقطيعٌ ونهنهةٌ وسعال. وختم الفلسطيني رياض البندك (1924 ـ 1992) المرحلة بلحنين فقط، "ما عرفش غير حبك" و"سهرت الليل"، وصلا إلى وسوف بعد رحيل صاحبهما بأكثر من عقد، كأنّهما وصيّة متأخّرة. أدّاهما وحيداً بلا كورال ولا حيل مكساج، كاشفاً عن قوّته وعجزه معاً.

 

هنا تقع المفارقة الجمالية الكبرى في هذه التجربة: ما عدّه النقد عيباً صار هو الأسلوب. لم يملك وسوف الصوت المثالي بالمعايير الكلاسيكية في أيّ يوم، والبحّة التي زادت مع الوعكات الصحية لم تعطّل وصوله، بل صارت توقيعه. يلخّص الناقد جمال فياض المسألة بأنّ الأصوات نوعان: صوتٌ جميل قويّ يملك المواصفات، وصوتٌ يقوم على الكاريزما وطريقة الأداء، وموقع وسوف في الثاني، على غرار جيمس براون في الغرب أو الشيخ إمام في الشرق.

في هذا الموقع بالذات تكمن مساهمته الأعمق في الذائقة العربية، وهي ما يمكن تسميته دمقرطة الطرب. حين أدّى "الأطلال" و"أنا في انتظارك" و"سيرة الحب"، لم يقلّد أم كلثوم ولم يزعم منافستها، وأوحى إلى السميع بأنّ هذه الأغنيات ملكه هو أيضاً، وأنّ في وسعه أن يغنّيها مهما كان صوته أجشّ. وقد أدخل جيلاً كاملاً إلى "الزمن الجميل" من دون وقار البذلات والفساتين المنشّاة. ثم تحوّل هذا الأسلوب إلى مدرسة غير معلنة، أخذ عنها وديع مراد وجورج الراسي ووائل جسار في بداياته، حتى صار وسوف الأصل الذي يُقاس عليه، لا مجرّد نقطة تأثير عابرة.

 

غير أنّ لهذه المدرسة ثمناً يجب ألّا يُغفَل: حين استبدل الأداءَ الحرّ بالخامة، خسر الموّال. وفي المقابلات، حين سُئل عن غيابه عن الموّال، أجاب بجملة قاطعة: "هالسيستيم من الغنا ما عاش، غنّيتو أنا". وهي إجابة يصعب تصديقها كلّها، فالموّال هو المكوّن الوحيد الذي لا تُخفيه التوزيعات ولا يعوّضه الكورال.

 

خيبة جماعية بصوت واحد

رافقت أغنيات وسوف الخيبة السياسية اللبنانية طوراً بعد طور: انكسارُ الحرب في "روح الروح"، ثم فرحٌ قصير مع "كلام الناس" وبهجة إعادة الإعمار الحريرية، ثم عودةٌ إلى المربّع الأول مع "طبيب جراح" و"زمن العجايب" حين تحوّلت وعود الازدهار إلى دَينٍ عام وفساد. وفي مصر، كما كتب ياسر عبد الله، جاء الصوت في موعده تماماً ليغنّي لأجيال الغربة والهجرة، ولزمنٍ لم يعد موجوداً وربّما لم يوجد أصلاً. وفي عمّان، حيث تكفي جولة في المحطة وجبل التاج ومخيّم الوحدات ليجد الباحث اسم "أبو وديع" من أكثر ما خطّته علب الرشّ على الجدران، صار الصوت لغةً لمراهقين لا يملكون لغةً أخرى يقولون بها ما يشعرون.

بُنيت الكاريزما على ثنائيات متقابلة، رصدها الباحث فادي بردويل في تشريحه لمعجم المعجبين: سلطان الطرب وأبو وديع، المسيحي والمسلم، السوري واللبناني، الأرستقراطي والشعبي، الرقيق والخشن. صار وسوف مثالاً ذكورياً شعبياً ينحت الناس أنفسهم على صورته، "أبو الفقرا" و"أبو النزاهة" الذي لا يخضع لحسابات السوق ولا لأعراف الطبقة الوسطى الآمنة. ومن هنا كان الإفراط نفسه، في المغامرات والكحول والدرّاجات النارية، جزءاً من الأسطورة، لا نقيضاً لها.

 

يزداد هذا الموقع وضوحاً حين يُقارَن بالتحوّل الذي أصاب الصناعة من حوله. منذ التسعينيات أعادت الفضائيات والفيديو كليب ورأس المال الخليجي هندسة الأغنية العربية، فقصُرت ومالت إلى الصورة والجسد والعلامة التجارية، وصار الفنان أصلاً قابلاً للإدارة داخل شبكةٍ تملك التسجيل والتوزيع والبثّ والحفلات معاً. وسط هذا كلّه، ظلّ وسوف يقدّم أغنيات تتجاوز العشر دقائق، ولم يُدوّر نجوميّته في مشاريع لها سلطتها الرمزية على غرار سفراء النوايا الحسنة لدى الأمم المتحدة، وندَرَ ظهوره الإعلامي حتى عُرف بأنّه لا يحبّ الإعلام. وحين فسخ تعاقده مع "روتانا" وانتقل إلى الإنتاج الذاتي، بدا الأمر امتداداً للمنطق نفسه، أن يكون حاكماً لا محكوماً بعقد. هكذا استمدّ جزءاً من شرعيّته من كونه آخِر مَن يقاوم قواعد سوقٍ تشكّلت من دونه.

 

أرشيفٌ لا نعرف أين نضعه

تقف حدود هذا التمرّد كلّه عند باب واحد. منذ بداياته كان وسوف مطرب الضبّاط قبل أن يكون مطرب الناس، ويذكّر نقّاد سوريون بأنّه، فيما كانت مدافع النظام تضرب حماة المحاصَرة أوائل الثمانينيات، كان يُطرب حاضريه من ضبّاط سرايا الدفاع بمدائح ريفية للبعث وقادته. وبعد 2011 أعلن دعمه الكامل لبشّار الأسد، وغنّى له "يا غالي يا ابن الغالي"، ووصفه في مقابلة العام 2014 بأنّه "طيّب ويكره الدم"، وقال إنّه "رئيسي وتاج راسي"، فأدرجه ناشطون سوريون في "لائحة العار". ثم جاءت صورة 2015، وهو يأكل من إناءٍ ضخم من السوشي فيما كانت مضايا محاصَرة وأهلها يأكلون أوراق الشجر. ولا تحتاج تلك الصورة إلى تأويل سياسي لتكون بشعة؛ يكفي أن يقف أمامها المرء بوصفه إنساناً.

 

ثم جاءت واقعة 2021 لتكشف الوجه التجاري للمسألة. بعد إحيائه حفلة في "موسم الرياض"، أطلقت منصّة "شاهد" مسلسلاً وثائقياً درامياً عن حياته بعنوان "مسيرتي"، فاعترض سعوديون على تكريم فنان يدعم النظام السوري، واعترض آخرون على تهميش فنانيهم. في هذا التناقض درسٌ مهمّ: السوق التي دانت الموقف السياسي هي نفسها التي اشترته حين صار قابلاً للاستثمار. أمّا العمل نفسه فقد أفرغ صاحبه من سياقه؛ لا لهجة ريفية، ولا مُلهم فنّياً واحداً، ولا سوريا التي صنعته، وكأنّ الموهبة هبةٌ إلهية بلا تاريخ اجتماعي.

 

بعد سقوط نظام الأسد في 18 ديسمبر/كانون الأول 2024، صمت جورج وسوف أسبوعاً، ثم كتب في 15 من الشهر نفسه جملةً واحدة: "أتمنّى لسوريا وطني مستقبلاً مشرقاً جامعاً تسوده المحبّة والاستقرار والازدهار، مستقبلاً يليق بشعبها الغالي". وانقسم السوريون كعادتهم. رأى فيها كثيرون "تكويعاً" متأخّراً، وذكّروا بمضايا وبعنوان أغنيته "اتأخرت كتير". ورأى آخرون أنّها، على اقتضابها، لم تتنكّر لماضيه ولم تتذرّع بالإكراه والخوف كما فعل معظم زملائه، وأنّ الرجل لم يخوّن أحداً بالاسم في يوم من الأيام.

 

الأصعب في هذا السجال أنّ الجمهور نفسه، حين فقد وسوف نجله البكر وديع، في 6 يناير/كانون الثاني 2023، خرق قاعدته. عزّاه معارضون كانوا يشمتون في غيره، فواجههم آخرون بمنشوراتهم القديمة عن فنانين موالين آخرين. الازدواجية هنا حقيقية، غير أنّ في الاستثناء الذي منحوه لوسوف درساً معكوساً يستحقّ التأمّل، صار ممكناً أن يُعامَل فنانٌ مختلفٌ سياسياً بوصفه فناناً لا مجرم حرب، وأن يُترك للنقاش بدلاً من الشماتة. المشكلة أنّ هذا الاستثناء بقي استثناءً، ولم يتحوّل إلى قاعدة.

 

يقترح كثيرون حلّاً جاهزاً اسمه "الفصل بين الفن والفنان"، وهو حلٌّ مريح لا يصمد طويلاً في حالة وسوف تحديداً، لأنّ فنّه لم يكن يوماً منفصلاً عن شخصه. لم يبع الرجل أغنياتٍ فحسب، باع صورةً كاملة عن الرجولة والنزاهة والوفاء ورفض الخضوع، وعلى هذه الصورة بالذات بنى جمهوره تماهيه. ومن هنا كانت صدمة 2011، صدمةً في المعنى قبل أن تكون خلافاً سياسياً. وقد قرأ بردويل هذا الانقلاب مستعيناً بإميل دوركهايم، الذي لفت في "الأشكال الأوّلية للحياة الدينية"(1912) إلى الالتباس الملازم للمقدّس بين قطبيه، وإلى أنّ الانتقال يجري بين القطبين لا بين المقدّس والدنيوي. هكذا لم تتغيّر مرتكزات الهالة الوسوفية، وتغيّرت النظرة إليها من الإيجاب إلى السلب، فأمسى الشعبيُّ المباشر سوقيّاً، والمتمرّدُ شبّيحاً.

 

يبقى السؤال العملي: ما العمل بأرشيفٍ يخصّنا بقدر ما يخصّه؟ أغنيات وسوف صارت جزءاً من الذاكرة العاطفية لملايين لا ذنب لهم في مواقفه. وقد استعادها جيلٌ لم يعاصرها أصلاً، حتى عادت أغنيات مثل "لو نويت" و"حلف القمر" إلى الصدارة ودخلت لائحة "بيلبورد عربية هوت 100" بعد أكثر من أربعة عقود على صدورها. محو الأرشيف مستحيل وغير مفيد، والاحتفاء به من دون سياقه تزويرٌ صريح. والطريق الثالث، الأصعب والأصحّ، أن يُقرأ بوصفه وثيقةً مزدوجة: وثيقةً على وجدان جيل، ووثيقةً على الكيفية التي تصنع بها السلطة نجومَها وتشتريهم بالحماية والألقاب. وهذا بالضبط ما ينبغي أن يفعله السوريون اليوم مع أرشيفهم كلّه، فناً وصورةً وذاكرة: أن يكتبوه كاملاً بأبيضه وأسوده، لا أن يقتطعوا منه ما يُحرج.

 

يبقى الوجه الإنساني في الصورة، ومن السهل إغفاله. رجلٌ أصابته جلطة دماغية في أكتوبر/تشرين الأول 2011 خلّفت شللاً نصفياً، وغاب ثلاث سنوات، ثم عاد يعتلي المسارح متّكئاً على حضورٍ لم يهتزّ. ودفن ابنه البكر. واحتفظ برسالة تعزية بخطّ يد فيروز في مقتنياته الخاصة. وفي يوليو/تموز الماضي رُزق بحفيدٍ سمّاه وديعاً، فعاد الاسم إلى البيت. ويلفت المايسترو لبنان بعلبكي إلى ما لا يقوله أحد: أنّ الرجل يحتاج إلى العمل ليؤمّن نفقات علاجه. وحين تُباع تذاكر حفلته، يصبح ذلك جواباً كافياً على مَن يطالبه بالاعتزال.

 

يعود بنا ذلك إلى الحفلة المذكورة أعلاه. أن يقف مطربٌ سوريّ في 2026، بعد 13 عاماً قضاها يغنّي لمن قتل الحبايب، ليسأل: "طمّني عالحبايب"، فهذا سؤالٌ لم يعد بريئاً في بلدٍ نصفُ حبايبه تحت التراب أو خلف الحدود أو في المقابر الجماعية. ولعلّ في هذا الحرج نفسه قيمة الأغنية غير المقصودة. فالصوت الذي علّم جيلاً أن كلام الناس لا يقدّم ولا يؤخّر، انتهى إلى أن يسأل عن الناس. وقد تكون تلك أقصى مسافةٍ يقطعها المرء حين يشيخ: أن يكتشف متأخّراً أنّ كلام الناس كان يقدّم ويؤخّر دائماً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث