الإمام الصدر...لمّا بدت عصرنة التقليد الشيعي ممكنة

محمد حجيريالاثنين 2026/08/31
sader.jpg
حجم الخط
مشاركة عبر

صيف 1978، أسدل الستار على جانب من السيد موسى الصدر أو الأمام موسى الصدر، كما كان معروفاً لدى أتباعه في لبنان، وانتهت مرحلة من مراحل التاريخ الشيعي اللبناني الحديث. فرجل الدين المولود في قم(إيران)، والذي ظهر في لبنان العام 1959، اختفى في ليبيا بينما كان في زيارة للعقيد الليبي القذافي. موسى الصدر، رجل الدين الناشط سياسياً، والمثير للاهتمام، وصل الى ليبيا في 25 آب 1978 وشوهد للمرة الأخيرة في 31 آب من العام ذاته في احد فنادق طرابلس الغرب وهو يستعد للتوجه للاجتماع مع القذافي. واختفى... وصار للاختفاء معنى آخر وحكاية. 


وشهد منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، اندفاعة للكتابة عن الإمام موسى الصدر، من قبل الكاتب "الشيعي اليميني" مصطفى جحا الذي اغتيل بعد نهاية الحرب بسبب رأيه، وكان أصدر كتاب "سجين الصحراء/ الفارعاملي الإمام موسى الصدر"، وهناك كتاب "الإمام المغيب موسى الصدر وشيعة لبنان" للباحث اللبناني الأميركي فؤاد عجمي، وسنعتمد في هذه العجالة على كتاب عجمي مع أن الباحث طريف الخالدي كتب عنه مراجعة بعنوان "حذر قليل وضغينة كثيرة" وانتقد في مراجعته الأسلوب الاستشراقي الذي اتبعّه عجمي، واعتبر أن التحليل يفتقر إلى الموضوعية التاريخية وينطلق من خلفية سياسية موجهة تخدم سرديات معينة ضد التيارات العربية السائدة آنذاك. وخلص الخالدي إلى القول: "أعتقد أن هذا الكتاب مشوب بشوائب خطيرة تجعل منه كتاباً لا يصلح لاستعمال الباحثين". لذا، سنتجنب السردية السياسية ونركز على البعد السوسيولجي.

 

والحال أن جوانب كثيرة يمكن استخلاصها من كتاب عجمي بالنسبة إلى علاقة الأمام موسى بالوجدان الشيعي، إذ يقول الكاتب: "البعض كان على يقين أنّ القذافي قتل الإمام موسى، لكن أتباع هذا الرجل المؤمنين جلسوا تحت صوره مردّدين كلماته ومنتظرين عودته، وفي أعقاب اختفائه، تحوّلت السياسة الشيعية في لبنان في عدة نواحي إلى صراع على تراث إمام مغيب". يضيف: "هذا الواقع، الذي حدث في ليبيا صيف 1978، أعاد إلى الأذهان مراحل تاريخ العقيدة في المذهب الشيعي، الإمام الثاني عشر من الأئمة الاثني عشر، الذي خلف النبي وهم من سلالة فاطمة، اختفى عن أنظار الناس العاديين خلال العام 873 874 م، ليعود ويظهر في المستقبل لتحقيق العدالة في العالم. هذه هي عقيدة الغيبة أو إخفاء الإمام المنتظر. وهذه العقيدة أتت من جراء المحن الأولى التي تعرضت لها الطائفة الشيعية التي تمثل عقيدة أقلية في عالم الإسلام".

موسى الصدر في أوائل شبابه
في أوائل شبابه

قصة الإمام موسى امتزجت مع المعنى السامي ليوم الخلاص عند شعبه، فانتظار يوم الخلاص ورجل غير عادي يقود التاريخ إلى مرحلة اكتمال والذي يظهر عندما تسمح له مشيئة الله، كل ذلك كان مهيئاً للإمام موسى بشكل طبيعي. وإذا كانت بداية صعود الإمام موسى الصدر توافقت مع غموض العقيدة، التي تتلخّص بربط ما قيل وما لم يقل، والاعتقاد في شخص غير عادي ليقود ويخلص الناس، فإنها ليست بعيدة من عملية الاختفاء التي حصلت في ليببا..".  و"غموض قصة الإمام موسى الصدر كان بحدّ ذاته مصدراً لكثير من قوتها" وحالة الاضطراب في لبنان الحرب الأهلية التي اندلعت العام 1975 ودخول القوات السورية والاعتقاد في شخص غير عادي ليقود ويخلص الناس، فإنها ليست بعيدة عن عملية الاختفاء التي حصلت في ليبيا. اتباع السيد موسى، أصروا على القول، إنه سوف يستمر في شغل منصبه كرئيس للمجلس الشيعي الأعلى، الغزو الإسرائيلي للبنان العام 1978، هذه الحالة كلها جعلت شيعة لبنان خاصة يشعرون بقرب يوم الخلاص. جاءت قصة الاختفاء لتلبية مجموعة من الاحتياجات، وأخذ هذا التراث زخماً عندما انفجر بركان الثورة في إيران بعد شهور على اختفاء موسى الصدر، الخميني وهو رجل دين يقود الرجال و"إمام مسلح"، أطاح نظام الشاه الملكي في إيران، وأصبح الناس جزءاً من انتفاضة كبيرة. الثورة رفعت عالياً مبادئ الإسلام الشيعي الذي كان لفترة خائفا محرجاً، فالشيعة والتي كانت طوال قرون عقيدة التحسر والإذعان، أصبحت حركة تمجيد وتمرّد.  

 

بين طريقين
الطريق ما بين إيران وشيعة لبنان التي استقدمت السيد موسى إلى لبنان، يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة قرون. منذ أن فرضت السلالة الصفوية الحاكمة، المذهب الشيعي دين الدولة في إيران في القرن السادس عشر الميلادي، وحمل الاتصال بين البلدين رجال الدين الشيعة إلى الانتقال من جبل عامل جنوب لبنان إلى العالم الكبير حيث الحاجة إلى رجال دين لنشر المذهب الشيعي.

موسى الصدر

الإمام موسى الذي قدم إلى لبنان من قم 1959، عكَس وجهة السير المعتادة في الطريق ما بين إيران ولبنان، من مركز كبير للعالم الشيعي إلى موقع خلفي. وصل الإمام موسى مع لهجة فارسية وأسلوب فارسي في التكلم. لم يكن يحمل الجنسية اللبنانية، كان قادماً جديداً، لكن قدومه لم يكن بلا أهمية. البلد الحساس، الذي أتى إليه، يملك أفكاراً راسخة حول رجال خُلقوا ليقودوا ورجال كُتب عليهم أن ينقادوا. جلب معه إلى لبنان هيبة سلالاته ومسقط رأسه، علاوة على ذلك ادعى أنه متحدّر من جبل عامل.


حمل الرجل معه حسبه ونسبه في المجتمع الإسلامي. أحد أجداد السيد موسى، السيد صالح شرف الدين كان "عالماً كامل الصفات"، و"رجلاً تقياً يخشى الله" في أواخر القرن الثامن عشر. تعرّض صالح شرف الدين للاضطهاد من قبل الحاكم العثماني أحمد باشا الجزار، وأثناء حكمه قُتل أبناء صالح، وهو نفسه حكم عليه بالموت، غير أن الأسطورة قالت إن حراس سجنه، المتأثرين بورعه وصلواته، سمحوا له بالهرب. بعد فراره من السجن، شق صالح شرف الدين طريقه إلى المدينة الشيعية المقدسة في العراق، النجف، وهي الدار التي تضم طائفة كبيرة من العلماء ورجال الدين. ولداه الاثنان اللذان بقيا على قيد الحياة، صدر الدين(والد جد الأمام موسى الصدر) ومحمد علي، تمّ نقلهما إلى النجف. في النجف انتقل صدر الدين إلى أصفهان في بلاد فارس، وكان اسماعيل الصدر (جدّ الأمام موسى) أحد أبناء الصدر الأكثر بروزاً. ولد اسماعيل في أصفهان، وأكمل دراسته في النجف، في العراق، ثم عاد إلى أصفهان. آية الله صدر الدين الصدر، والد الإمام موسى، كان متواضعاً "يحب العزلة أكثر من حشد الناس". في أواسط العشرينيات، عبر الحدود الى إيران حيث أقام في خراسان، واستقر أخيراً في قم. توفي صدر الدين في قم العام 1953، وكان رجلاً ذا منزلة عظيمة ولديه وسائل مالية متواضعة. يقول الإمام موسى: "كان عمري خمسة وعشرين عاماً في ذلك الحين. لا أتذكر أنني شاهدت سجادة عجمية في منزل والدي".

السيد موسى الصدر والسيد عبد الحسين شرف الدين
مع السيد عبد الحسين شرف الدين

في العام 1929، أي بعد ولادة السيد موسى، صدر مرسوم يسمح باللباس العصري لجميع الرجال الإيرانيين. سيطرة علماء الدين على النظام التربوي كانت تواجه تحدياً. في العام 1931، محمد رضا بهلوي، ابن الشاه رضا، وكان عمره في ذلك الحين اثني عشر عاماً، أرسل للمدرسة في سويسرا. كان السيد موسى الشاب نفسه مشدوداً للنظام التربوي العلماني، رغم كونه ابن عالم دين وكان من الطبيعي لعلماء الدين من رتبة "سيد" أن يتبعوا خطى آبائهم. يتذكّر أنه شارك دورة تربوية علمانية، رغم أن والده كان قد أقنعه بعكس ذلك. الواقع بأن السيد موسى كان تسجل في كلية الحقوق في طهران، عندما كان في أواسط العشرينات من عمره، وهذا دليل على أن لديه قالب عقل عصري، ونوعاً من عدم الرضى بما كانت تقدمه دنيا رجال الدين وثقافتهم.
 

وصل موسى الصدر إلى لبنان وكان الناس يشعرون ببعض التحسن، خصوصاً في ظل المال الشيعي الجديد الذي جلبه المغتربون الشيعة من إفريقيا. حالفه الحظ، أنه جاء، العام 1959، إلى الحكم سياسي جديد برز بعد الحرب الأهلية 1958. علاوة على ذلك، تزامن مجيء الامام الصدر إلى لبنان مع افتتاح التلفزيون (تلفزيون لبنان الرسمي)، كما أن حضارة السيارات انتشرت في العقد الذي أعقب وصوله. في بداية الستينيات، عندما بدأ الإمام الصدر يتجول في هذا البلد الصغير، كان انتشار السيارات قد ضيّق الهوة بين المدينة والريف.


كان المغتربون من جنوب لبنان في إفريقيا، يعودون، ولم يجدوا مكانهم بين البكوات أو بين العقائديين. كانوا يفتشون عن مكانهم بين الإقطاع والتطرف. يقول فؤاد عجمي: "في أقل من لمح البصر، برز الرجل المولود في قم، في لبنان. مع أنه لم تكن هناك حاجة لبذل مجهود كبير ليُصنع من الأمام موسى شخصاً لم يكن هو. في نواح عديدة، كان الإمام موسى حُلم مخرج سينمائي لشخصية موضع إعجاب يقارب العبادة. من طول قامته المهيبة في بلد حيث الرجال قصيرو القامة نسبياً، إلى الطريقة المبهرجة التي ارتدى فيها عمامته، ونظافة وأناقة لباسه، الأمام موسى ملائم للدور، كان لبنان لفترة طويلة محيطاً تصعب فيه الإضاءة حول مظهر زعيم أو ميزته وهيبته. لكن موسى الصدر، كما قيل مراراً، كان رجلاً غير الآخرين.


المكان الجديد لم يكن بلا جاذبية: رغم أن لبنان أصغر بكثير من بلد مسقط رأس الأمام موسى، كان أيضا بلداً ذا محيط أكثر مرونة. المؤسسة الدينية الشيعية لم تكن متبلورة ومدروسة كما في إيران. لهذا السبب، كان المكان بناء يسهل تدميره وتحديه. امتلك فرصة ليبدأ، هيبة سلالته انتقلت إلى المكان الجديد. جلب معه الى لبنان مواهب آيات الله وعلماء الدين الإيرانين العظماء. و"كانت حركة موسى الصدر لردم التفاوت بين الاجتماع والتمثيل السياسي، بقيادة دينية، لأن مشروعية القيادة السياسية تضاءلت. جاء شخص من نسل الحسين جمع البقاع والجنوب، وأزاح القيادة السياسية، وتحالف مع الضعفاء وبنى الطائفة من الداخل ومن تحت"(وضاح شرارة). في المناطق الشيعية، الأحياء الفقيرة من بيروت وفي قرى وادي البقاع وفي الجنوب، كانت الملصقات التي تحمل صورة الإمام الصدر موجودة في كل مكان، وكان الصدر مطالباً به من قبل سياسيين بارعين، ومن طبقة متوسطة شيعية جديدة تتوق الى مكانتها الخاصة، من قبل شبان حالمين في التفاؤل أخرجوا من قرى الجنوب إلى حالة الفوضى والاضطراب في بيروت. لم يكن هؤلاء الشبان يعرفون رجال الدين. كانت عندهم صوره  وأقواله.

موسى الصدر

يذكر البعض الصدر كرجل ذي متطلبات بسيطة، فهم يتباهون بالقول إنه يتجول في سيارة فولكسفاكن صغيرة. البعض الآخر يتذكره كشخصية فريدة، يحب أتباعه، مختال في شكله، ومتكلف ومأسوي في مظهره، شعره الأشعث الظاهر من تحت عمامته لم يسبق للناس أن لاحظوه في رجل دين متزمت ومتواضع.

 

في بداية الستينيات، كان بعض المسيحيين في لبنان يقول إن موسى الصدر يتمتع بملامح يسوع المسيح. وبعد عقد من الزمن، فإن المسيحيين أنفسهم ومتتبعي نشاط الميليشيا الشيعية التي أسسها الصدر أواسط السبعينيات، وصفوه براسبوتين لبنان. التقاه أحد المصريين الماركسيين ولم يكن يثق فيه، فقال عنه: "أميركي براغماتي يؤمن بفلسفة الذرائع". أحد الدبلوماسيين الأميركيين في بيروت، والذي يعرفه ويرسل التقارير الملموسة عنه إلى دولته، قال: "إنه رجل فارس ماكر". لقد كان رجل دين وابن آية الله، "ينتقد التقاليد والتزمت، خصوصاً عندما يفكر بصوت عال". بالنسبة للبعض، كان موسى الصدر رافعة شيعية في لبنان بغية الوصول بالطائفة إلى مكانة جديرة  بالاحترام. 

654.jpg

 عاش الصدر حياته وسط حقائق وادعاءات متضاربة، كان قد ظهر في بيروت مع سكانها المسيحيين، وقلبها السنّي ولاجئيها الفلسطينيين، وادعاءاتها الغربية. كان عالم بيروت متنوعاً وليس نقياً. بقي الإمام موسى بكل ما في الكلمة من معنى، إنساناً في مجتمعين مختلفين. في حقائب السفر العائدة للإمام موسى، والتي أرسلها الليبيون إلى روما في محاولة تموية غير بارعة، وُجدت آثار لكل من إيران ولبنان، بلده الأصلي وبلده بالتبني: كتابان صادران في إيران باللغة الفارسية، شريطا تسجيل من الموسيقى الإيرانية، رسالة لم ترسل مكتوبة بالفارسية وموجهة إلى الخميني في منفاه، لائحة أسماء بالإيرانيين الذين يعملون معه، حددت رواتبهم، ولائحة مشابهة لمليشيات حركة أمل.
 
بعد أشهر على اختفاء موسى الصدر، دفعت الثورة الإيرانية نظام الشاه إلى الهاوية، ومجدت رموز الإسلام الشيعي التي كانت في السابق تسبب الإحراج. أصبح شيعة لبنان جزءاً من قصة أكبر. وأصبح موسى الصدر نفسه يؤدي وظيفة جديدة كلياً. كان رجلاً ذا هوية مزدوجة، مدعى به قبل الإيرانيين والشيعة في لبنان، جسّد الروابط، الحقيقية والخيالية، بين الطرفين.
 
يخلص فؤاد عجمي إلى القول في قصة الإمام موسى، أنه كانت هناك محاولة للتحليق، عندما بدا ممكناً أن التقليد الشيعي يمكن أن يكون عصرياً من دون أن يصبح قاسياً، وعندما أمكَن التأمل في خليط من التقليد والتسامح. لكن ذلك لم يحصل: الإمام موسى ساهم في إثارة عاصفة، وعندما جاءت العاصفة، كان أحد ضحاياها. بشّر بأنباء سارة عن السلام والتعايش، لكنه ترأس مهرجانات مسلحة وهو الذي قال لأتباعه أن السلاح زينة الرجال.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث