ثمة مشكلة في أن أكتب عن رواية فوزي ذبيان، فأنا أعرف فوزي وأحبه. أحببته قبل أن أحب كتاباته، أنا التي تهرب من الكتّاب كي لا أكرههم. أعرف عنه أشياء صغيرة لا يعرفها على الأرجح قارئ الرواية. أعرف خجله، وكيف يدخّن بشراهة، وولعه بالقطط، وطريقته في طرح الأسئلة، تلك التي تجعلك تشكّ أحيانًا إن كان يسألك فعلًا، أم يجرّب السؤال عليك ليرى ماذا سيفعل بك.
أعرف أيضًا خطه الصغير جدًا حين يكتب. فالكتابة عند فوزي لا تحتل الصفحة بضربة واحدة. تبدأ صغيرة خجولة متوارية، ثم تتكاثر حتى لا يبقى للبياض مكان. لهذا يصعب عليّ أن أدّعي تلك المسافة المريحة التي يُفترض أن يقف عندها الناقد بعيدًا من النص وصاحبه. ولا أعرف، في الحقيقة، إن كان عليّ أن أدّعيها.
أحب الكتابات التي تعترف بعاطفتها، وتعلن من أين تنظر ولا أرى في ذلك نقصًا في القراءة. بالنسبة إليّ، الاعتراف بموقعنا داخل المعرفة، بالعاطفة التي تتسرّب إليها، هو خيار. خيار أن نتوقف عن تمثيل ذلك القارئ الذي لا جسد له ولا صداقات ولا خسارات، ويزعم أنه يصل إلى النص نظيفًا من نفسه.
ومع ذلك، لم تكن معرفتي بفوزي هي ما جعلت الرواية تمسّني. حدث معي شيء أغرب: أجبرتني الرواية ان أعيد النظر في الرجل الذي أعرفه، لأكتشف، صفحة تلو أخرى، أني أعرف ذلك الصبي أيضًا. وأحبه أيضًا. فهو ما زال هنا...
فوزي لم يكبر.
كونه بقي حيث هو، لا يعني البتة بأنه سجين طفولة جريحة، ولا أن في الرواية مفتاحًا سحريًا يفسّر الرجل الذي صار إليه. لعل هذا تحديدًا أحد أكثر الاختزالات التي تقاومها رواية "إسمي فوزي": الرغبة في أن نعود إلى الطفولة كلما أردنا تفسير الإنسان، فنفتّش عن الحادثة الأولى والجرح الأول، ثم نسحب خطًا مستقيمًا من الطفل إلى الرجل ونقول مرتاحين: ها قد فهمناه.
فوزي أكثر مراوغة من ذلك. الذي لم يكبر فيه هو طريقته في معرفة العالم، طريقة تسبق التفسير وتشكّ فيه، وتترك للأشياء إمكان أن تكون أكثر من الاسم الذي أعطيناها إياه. فهو اليوم ما زال يطرح الأسئلة نفسها، يحادث الجن، يعشق القطط، يرتاب في الإجابات، ويضحك على الحياة ومنها، بكثير من الجدية. وما زال يكتب كأن الكلمات أشياء ينبغي إخفاؤها قليلًا قبل أن يسمح لها بالظهور.
في الرواية، يضع فوزي الكلمات داخل أشكال هندسية في دفتر الرياضيات، يرسم لها دوائر ومربعات وحدودًا صغيرة، ثم يحشر بينها ما يريد قوله. الكلمات في البداية لها مكان معلوم، جدران صغيرة تحميها وتحاصرها في الوقت نفسه. واليوم، اختفت الأشكال الهندسية، لكن اللعبة لم تنتهِ. صَغُر الخط أكثر، وتكاثرت الكلمات حتى باتت الصفحة نفسها شكلًا مغلقًا من فرط امتلائها. تغيّرت الحيلة وبقي شيء من الحركة الأولى، خجل أمام اللغة، ورغبة في حمايتها من عين العالم، قبل أن تتمرد على مخبئها وتستولي على المكان. ربما يكون الخجل أحد المفاتيح الاساسية لـ"إسمي فوزي".
يخبّئ فوزي الكلمات كما يخبّئ دموعه، والسجائر، والأشياء المسروقة، والخوف، وحتى جديته. يبدو أحيانًا كما لو أنه يخجل من أن يؤخذ على محمل الجد، أكثر مما يخجل من العبث نفسه. يربكه أي ظهور مباشر، واي اعتراف يشي بأكثر مما ينبغي. لذلك يحتاج إلى شيء يقف بينه وبين العالم: شكل هندسي، شجرة، طائرة من ورق، شبح، كذبة صغيرة. وحتى الكتابة عنده ليست مواجهة مباشرة. حين يتحدث عنها، لا يتصرف بوصفه صاحب اللغة أو سيدها، لأنه يعتبر نفسه أقرب إلى معبر تمرّ منه. فالكتابة تحدث له بقدر ما يكتبها.
هنا يأتيني رولان بارت بمقولته القديمة التي زعزعت صورة المؤلف بوصفه أصل الكلام ومالكه. فاللغة في تصوره تعمل عبر الكاتب أكثر مما تكون ملكًا له. لكن الفكرة، عند فوزي، لا تأتينا كموقف نظري، بل من خجل صبي أمام دفتر رياضيات، يرسم دائرة حول كلماته كأن عليه أن يحميها حتى من نفسه. وربما لهذا بدت لي الرواية منذ صفحاتها الأولى أبعد بكثير من أن تكون حكاية طفل فَقَد أخاه. موت نبيل هو الثقب الذي تنتظم الرواية حوله، لكنه ليس موضوعها الوحيد. ما يحدث بعد موته هو انهيار اليقين الكبير الأول في حياة فوزي: أن الكبار يعرفون. الطفل يعتقد إلى أن يثبت العالم عكس ذلك، أن أحدًا ما يعرف. قد لا يعرف هو، لكنه مطمئن إلى وجود معرفة في مكان ما. الأب يعرف، أو الأم تعرف، أو لعله الطبيب، أو رجل الدين، أو الجار الأكبر سنًا. للعالم قوانينه، وللكبار مفاتيح تلك القوانين. ثم يموت نبيل.
فجأة، تنكشف الفضيحة.
فالأم لا تعرف، والأب لا يعرف، والأطباء على ما يعرفونه لا يملكون الجواب الذي يحتاجه. لا يستطيع أحد منهم الإجابة على السؤال الذي يبدو في عقل طفل بسيطًا إلى حد الوحشية: ماذا يعني أن يموت إنسان؟
فوزي لم يسأل لماذا مات نبيل؟ بل: ما معنى أنه مات؟
كيف يمكن لشخص كان هنا أن يصبح دفعة واحدة غير موجود؟ وأين يذهب ذلك الذي لم يعد هنا؟ وإذا كان الميت لا يعود، فلماذا يبقى بهذه القوة؟ كيف يمكن للغياب أن يكون ممتلئًا إلى هذا الحد؟
لعله الاكتشاف المرعب الأول: أن الكبار أنفسهم يعيشون داخل اللغز، وأن نبرة اليقين التي يتحدثون بها ليست دليلًا على أنهم حلّوه. ومن هنا يبدأ فوزي في اختبار العالم بنفسه.
ويموت نبيل من دون أن يتحول أخوه إلى ذلك "الطفل الضحية" الذي نعرفه جيدًا من كتابات كثيرة عن الطفولة والحرب والفقد. وهذه بالنسبة إليّ إحدى أقوى نقاط الرواية.
فوزي طفل غير بريء، يكذب، ويسرق، ويدخن، ويتلصص، ويغضب، ويشتهي أشياء لا يُفترض به أن يشتهيها. يخفي أسراره ويستمتع أحيانًا بأنه أذكى من الآخرين أو قادر على خداعهم. قد يكون قاسيًا، أو ساخرًا، أو أنانيًا وقحًا. وقد يكون في اللحظة التالية ذلك الصبي الذي يخبئ دموعه كي لا يراه أحد هشًّا ورقيقًا كطيارة من ورق. والسؤال الذي تتركه الرواية ملحّاً: لماذا نحتاج أصلًا إلى براءة الطفل حتى نعترف بألمه؟
كأننا لا نسمح للطفل بأن يكون إنسانًا كاملًا. لذلك، نريد منه نقاءً لا نطلبه من أي بالغ، ثم نضعه أمام عنف العالم كي تصبح المأساة أنقى بدورها. يجب أن تكون الضحية المثالية بريئة. والطفل، لأنه طفل، يُطلب منه أن يؤدي هذه البراءة نيابةً عن تصوراتنا نحن.
أستحضر هنا جاكلين روز وتفكيكها لصورة الطفولة في "بيتر بان". كانت روز تنبّه إلى أن "الطفل" الذي نصنعه في الأدب كثيرًا ما يكون صورة لرغبات الراشدين ومخاوفهم، وأن البراءة التي ننسبها إليه تخبرنا عنا بقدر ما تخبرنا عنه. أما فوزي، فيفلت من هذه الوظيفة. تسمح له الرواية بأن يكون هشًا ومؤذيًا في الوقت نفسه، خائفًا ووقحًا، سارقًا ومفجوعًا. لا يُطلب منه أن يستحق تعاطفنا بحسن السلوك. وهذا مهم جدًا، لأن إنسانية الطفل تبدأ، ربما، يوم نتوقف عن معاملته بوصفه نسخة أنقى، منا. حتى الضحك لا يخضع لقواعد الحِداد.
فوزي يضحك حيث لا ينبغي، ويبكي حيث لا يريد أن يراه أحد. لا تفصل الرواية نفسها تمامًا بين السخرية والأسى؛ أكثر اللحظات وجعًا قد تجاور أكثرها سخافة، كأن الحياة لا تعترف بما نسميه نحن "مقام اللحظة". فالموت لا يمنع النكتة، والنكتة لا تُهين الموت. لا تناقض في ذلك إلا إذا أصررنا نحن على تحويل الألم إلى هوية كاملة، وعلى أن نحكم على المفجوع بأن يظل مفجوعًا في كل دقيقة حتى نصدقه. فالحياة كما يعرفها فوزي لا تقول: الآن دخلنا التراجيديا، فليتخذ الجميع أماكنهم. حتى فوزي الكاتب يبدو مرتابًا في منطق "الجدية" ذاتها. لا أعتقد للحظة أنه جاء كي يكتب "كتابًا مهمًا عن الفقد".
هناك دائمًا شيء يخرّب فخامة الجملة من الداخل، شيء يشدّها من كمّها ويضحك، يعيد الكلمة نفسها مراراً، أو يقحم العامية حيثما يحلو له. ثم يهرب إلى الجملة التالية، أو يقفز، لأنه لا يستكين. وهذه ليست خفة تجاه ما عاشه. لعلّها طريقته في رفض اللغة الكبيرة حين تأتي مسرعة لتغطي التجربة باسمها النهائي.
وهنا أَصِل إلى القطط.
وَلَع فوزي بالقطط ليس تفصيلًا لطيفًا في سيرته، ولا علامة جاهزة على حساسيته. القطط في عالمه مدرسة كاملة في الوجود.
فهي لا تحتاج أن تشرح نفسها لك، غير آبهة بتاريخك الشخصي ولا بفكرتك عن النجاح ولا بتسلسل الأحداث الذي بنيت عليه هويتك ولا حتى بالمكانة المهيبة التي منحها البشر لأنفسهم داخل الكون. تأكل، تنام، تتثاءب، تتمطط، تراقب وتمنحك انتباهها، أو تسحبه من دون تفسير مرفق. إنها حياة لا تعترف بحاجتنا البشرية المحمومة إلى المعنى. وثمة شيء في فوزي يتعلّم منها.
ربما لأنه يقضي الرواية كلها محاولًا الإفلات من المعنى الذي تمنحه الحياة لنفسها، والذي نسارع نحن إلى منحه لها.
الكبار، نحن، نحب التفسيرات. يكاد يكون التفسير طريقتنا في الدفاع عن أنفسنا، فنسارع لنقول: هذا أب، وهذا إبن، وهذا موت، وهذا حداد، وهذا مرض، وهذه طفولة، وهذه كتابة. نضع أسماء حول الأشياء ثم نطمئن قليلًا لأننا سمّيناها.
حذّرت سوزان سونتاغ في "ضد التأويل" من تلك الرغبة التي تحوّل العمل الفني إلى محتوى ينبغي فكّه واستخراج "معناه"، كما لو أن مهمتنا تتلخص في أن ننهي غموضه ونضعه في حوزتنا.
يرفض فوزي أن يضع الأشياء في حوزته بهذه السهولة.
إذا كان نبيل قد مات، فما معنى أنه "مات"؟
وإذا كان الميت لا يعود، فلماذا يستمر في الحضور؟
إذا كان الأب هو الأب، فكيف يمكن أن يكون في آن واحد قويًا ومهزومًا، مخيفًا ومضحكًا، حنونًا وعنيفًا؟
إذا كان الطفل بريئًا، فأين نضع أكاذيبه وسرقاته ورغباته القبيحة؟
إذا كان الكاتب يكتب، فمن قال إنه يملك اللغة؟
وإذا كان الإنسان مركز العالم، فمن الذي سيخبر القطط بذلك؟
وعليه، لم أقرأ "إسمي فوزي" بوصفها محاولة ناجحة لإنتاج معنى من صدمة. ربما تفعل شيئًا أكثر مراوغة وأقل راحة: تختبر المعاني نفسها لتقترب منها، عابثةً بحدودها، ثم تترك بعضها ينهار.
تكاد تكون فكرة الحدود هذه، واحدة من البُنى الخفية للرواية كلها. حدود البيت والغرفة والسطح والشارع، والبيت المهجور وما يسكنه من أشباح، حدود الجسد والجِلد والمرض والخوف. الحدّ بين الحي والميت، وبين الحقيقة والخيال، وبين الطفل والبالغ، وبين السر وما يمكن قوله. ثم هناك دفتر الرياضيات حيث تتحول الحدود إلى خطوط فعلية مرسومة بالقلم، دوائر وأشكال يفترض أن تبقى الكلمات داخلها.
لكن الكلمات لا تطيع دائمًا لأنها تتزاحم وتتداخل وتنفلت. لعلّ الرواية بأكملها هي حركة امتداد لذلك الدفتر القديم.
يقضي فوزي طفولته وهو يختبر الحدود التي قيل له إنها ثابتة، وذلك من دون ادعاء البطولة، وعبر أفعال صغيرة جدًا، كدخوله أمكنة ممنوعة، سرقته للكتب أو اللحم أو السجائر، إو إتقانه الكذب. يمكن للسرقة أن تُقرأ بوصفها محاولة متواضعة لاستعادة شيء من السلطة في عالم يأخذ منه الأشياء الكبرى من دون أن يستأذنه.
يُنتزع نبيل من العائلة. الأم يغمرها الحزن. يفقد الأب عقله. فالموت لا يدخل البيت بعد مفاوضات طويلة، بل يأتي ويأخذ.
وفي المقابل، يستطيع فوزي أن يأخذ هو أيضًا.
أحببت تلك الأخلاق السرية التي تنمو في الرواية، ذلك العالم الموازي للأشياء التي نفعلها بلا إذن من أحد. ليس السر هنا فضيلة أخلاقية، لكنه يمنح الطفل شيئًا من السيادة وتلك المساحة الضيقة التي لا يصلها الكبار. وهذا يعيدني إلى الخجل مجدداً. ما نخبئه ليس دائمًا ما نخجل به. أحيانًا نخفي الشيء لأن إظهاره يجعله عرضة لسلطة الآخرين، لتفسيرهم، وحكمهم، وسخريتهم، وللأسماء التي سيعطونها له. لعل إخفاء الكلمة محاولة للإبقاء عليها حيّة قبل أن يبدأ الآخرون بشرحها.
والحرب؟
الحرب موجودة في الرواية أيضًا، لكنها لحسن الحظ لا تنجح في ابتلاعها. وهذا ليس تفصيلًا صغيرًا في الأدب اللبناني. لقد أغرت الحرب كتاباتنا طويلًا لتصبح المفتاح الذي يفتح كل الأبواب: العائلة، والعنف، والمدينة، والحب، والجسد، والذاكرة. كأن اللبناني متى دخل الأدب، وجب عليه أن يمر أولًا من نقطة التفتيش التاريخية تلك، كي تصبح حياته قابلة للفهم.
في "إسمي فوزي"، الحرب حاضرة في جسد الأب، وفي عين الصديق التي فُقدت، وفي البيوت والذاكرة وما بقي من العنف داخل الأجساد. إنها موجودة، ثقيلة وحقيقية، لكنها لا تحصل على امتياز تفسير كل شيء.
الكارثة التي ستعيد ترتيب عالم فوزي ليست رصاصة ولا قذيفة، بل: موت نبيل بالسرطان.
وهذه إحدى أجمل حركات الرواية حتى وإن لم تكن مقصودة. أن يُحرم التاريخ اللبناني من سلطته المطلقة على تفسير الألم اللبناني، لأن هناك مرضاً وموتاً وعائلة وخوفاً وجِنّاً وقططاً وكتباً وسجائر ومدرسة ورفاقاً وبيوتاً مهجورة وشوارع وأشجاراً. الحياة ببساطة أكثر فوضى من أن تنضبط تحت عنوان. لهذا أيضًا أرفض تسليم رواية "إسمي فوزي" بسهولة إلى مفهوم "صدمة الطفولة". الصدمة هنا، لكنها كمصطلح أصبحت، من فرط استعمالها، في مرتبة أعلى من التجربة التي تحاول وصفها. ثمة حدث، ثم أثر، ثم ذات تحمل هذا الأثر، ثم رحلة محتملة نحو تجاوزه. فيصبح الزمن خطًا حتى عندما نقول إنه مكسور.
لكن ذاكرة فوزي لا تعمل بهذا الشكل: فهي تدو وتدور ولا تستكين في أفق.
تعرف منذ البداية أن نبيل مات، ثم تعود إليه. تبتعد عنه إلى غرفة السطح وإلى البيت المهجور، وإلى سرقة أو قطة أو اختباء في الغابة "لغبّ العرق"، ثم تلتقيه من جديد. لا تمشي الذاكرة باتجاهه ولا تبتعد عنه، لأنها تبني حوله مدارات.
لا يتذكر فوزي حياته بحسب أهمية أحداثها الرسمية، بل بأشيائها التي تحمل من الماضي أكثر مما تحمله "الحادثة الكبرى" نفسها.
فالذاكرة في النهاية ليست مؤرخًا جيدًا. فهي لا ترتب حياتنا بحسب ما يستحق التسجيل ولا تعرف الفرق بين ما سيغير مصيرنا وبين تفصيل تافه علق في الحواس.
وحين تثق الرواية في هذه الأشياء، تبلغ أقصى قوتها. يسير بها فوزي من دون حاجة إلى إخبارنا بأن الحزن عظيم. فنحن نراه وقد استقر في شيء صغير. وهو لا يحتاج أن يقول لنا إن الطفولة بقيت. تكفي سيارة أو شجرة أو قطة لتفتح الباب كله.
ولعل هذا أيضًا ما يجعل الذاكرة في الرواية غير رومانسية، لأنها "تخربش" على الماضي، وتسرق منه صفاءه، من دون أن تمنح الطفل حصانة من قذارة البشر.
يبقى العنوان: "إسمي فوزي".
الاسم ليس معلومة افتتاحية. فنحن نصل إليه متأخرين بعد أن نعرف بموت نبيل، والأب، والأم، والبيت، والخوف، والأشباح والأسرار. نعرف أشياء كثيرة عن الصبي قبل أن تصلنا جملته الأبسط: أنا فوزي. كأنه يحتاج إلى كل هذه الصفحات كي يبلغ اسمه. لهذا، أنا لم أقرأ العنوان كتعريف، بل كفعل. أن تقول اسمك بعد أن تعرف الموت للمرة الأولى، هو أن تثبت وجودًا تعرف من الآن أنه لا يملك ضمانة. كأن "إسمي فوزي" ليست إجابة على سؤال "من أنت؟"، بقدر ما هي طريقة صغيرة للقول: أنا ما زلت هنا.
ولعل المفارقة الأجمل أن الاسم نفسه يحمل صدى الفوز، من دون تحميل الكاتب قصدًا لم يعلنه. لكن فوزي لا يفوز، ولا يهزم الموت، ولا يعثر على تفسير يجعل موت نبيل أقل عبثًا. يتعلم فقط، بعد كل هذه الصفحات، أن يقول: نبيل مات، حقًا مات. وهذه الجملة على بساطتها، من أصعب جُمل الرواية. ثم تأتي اللغة وتخونها. لأن الميت، ما إن نقول اسمه، يعود بطريقة ما ليدخل الكلام، والذاكرة، والخيال. يصبح قابلًا للمخاطبة من جديد، شريكًا في الأسئلة والأجوبة والطبطبة.
لا تنكر الرواية، في أي لحظة، فاجعة موت نبيل، لكن لغة فوزي نفسها تعجز عن ترك الموتى يموتون بالكامل. وربما لهذا نكتب أصلًا. فكرة أن الكتابة تنتصر على الموت هي فكرة عظيمة أكثر مما ينبغي. تفعل الكتابة شيئًا أصغر: تُبقي الميت قابلًا للنداء وتمنحنا مكانًا نقول فيه اسمه حتى عندما نعرف أنه لن يجيب. وهنا يعود فوزي، الكاتب الذي لا يثق كثيرًا في صورة الكاتب، ليكون ممراً للغة مرة أخرى. فهو لا يعيد نبيل إلى الحياة، لكنه يترك الكلمات التي تمر فيه أن تفعل شيئًا أقل بطولة وأكثر إنسانية: ترفض أن يكون الغياب صامتاً تماماً.
وحين انتهيت من قراءة الرواية، لم أشعر أني تعرّفت إلى طفولة الرجل الذي أعرفه اليوم. بل فهمت شيئًا آخر، وهو لماذا لم يغادرها. فوزي ليس "عالقاً" في طفولته، يجرها وراءه كحمل ثقيل، ليفسر من خلالها كيانه كله. حافظ فوزي ببساطة على طريقة في النظر. فهو أراد، منذ كان في الرابعة عشرة من عمره، أن يخفي دموعه واللغة عن العالم، بكثير من المراوغة والصدق، بكثير من الخجل والخيال، بكثير من الكلمات المحشورة المخبّأة عن العيون. من حُسن حظنا أنه فشل.




