رواية "الجمهورية الضائعة" للروائي عمّار نذير سنان، الصادرة عن دار النهضة العربية في بيروت، هي الحلقة الثالثة من ثلاثية الذاكرة التي تُشكّل رواية "من اسطنبول إلى حيفا" حلقتها الأولى، ورواية "من حيفا إلى بيروت" حلقتها الثانية. والقاسم المشترك بين الحلقات الثلاث هو أنّها تتخذ من التاريخ مادّة أوّلية لها، وتقوم بتشكيلها في إطار روائي، فتجمع بين روائية الإطار وتاريخية المحتوى. على أنّ المرحلة التاريخية التي تغطّيها الروايات الثلاث تمتدّ طيلة قرن ونيّف من تاريخ بلاد الشام؛ فتتموضع أحداث الأولى بين عامي 1880 و1948، وتدور أحداث الثانية بين عامي 1920 و1975، وتقع أحداث الثالثة بين عامي 1968 و1988. وهكذا، تتداخل الفترات التاريخية للروايات الثلاث فيما بينها، في إطار التسلسل التاريخي العام.
الجمهورية الضائعة
تتعدّد تمظهرات العنوان في المتن الروائي، فللوهلة الأولى يظنّ القارئ أنّ المقصود بالجمهورية الضائعة، الجمهورية اللبنانية، وهو ظنٌّ صحيح. غير أنّ اقتفاء أثر العنوان في المتن يجعلنا نقف على مدلولات أخرى لهذا الدالّ؛ هي "جمهورية بيروت الغربية" خلال الحرب، و"جمهورية الفاكهاني" التي كان يرأسها ياسر عرفات، والجمهورية الفلسطينية التي لم تبصر النور. ولعلّ الجمهورية الضائعة هي هذه "الجمهوريات" مجتمعة.
حكاية التاريخ
أيًّا يكن المقصود بالعنوان، فإنّ غاية الكاتب هي حكاية التاريخ، وبالتالي، تتحوّل الرواية إلى وسيلة لتحقيق هذه الغاية، وهي تبرّر الوسيلة بامتياز. ذلك أنّ سنان يعوّل على الحكاية في مقاومة النسيان والبحث عن الوطن المفقود، وهو ما يعبّر عنه على لسان الراوي الشريك، في بداية الرواية، بالقول: "ربّما لا نملك وطنًا نعود إليه، ولكننا نملك الحكاية، والحكاية وحدها تفتح الطريق إلى الغد" (ص 14). وعليه، نتساءل: أين تنتهي الوسيلة وتبدأ الغاية؟ وبتساؤل أوضح: أين تنتهي الرواية ويبدأ التاريخ؟
روائية الرواية
في الإجابة عن هذا السؤال، تتمظهر روائية الرواية، أوّلًا، في المسار الدائري الذي يشكّل إطارًا للمسار الخطي الذي ينتظم الأحداث التاريخية. ذلك أن الرواية تبدأ، على المستوى النصّي، من حيث تنتهي، على المستوى الوقائعي. فتتقاطع البداية والنهاية عند واقعة تلقّي مهنّد الموجود في عين المريسة، بتاريخ 7 أكتوبر 2025 اتصالًا هاتفيًّا من مها الموجودة في رام الله، وذلك بعد عقود من مغادرتهما معًا بيروت في العام 1988، ما يعني وجود فجوة زمنية طويلة بين المغادرة والاتصال لم يجرِ ردمها.
وتتمظهر، ثانيًا، في اصطناع الكاتب مجموعة شخصيات روائية يروي عبرها التاريخ، من خلال تناقل أحداثه أو الشهادة عليها أو المشاركة في صنعها. وهذه الشخصيات تتحدّر جميعها من جذور فلسطينية. وهي: المقاتلة حاملة الذاكرة مها، المقاتل الصحافي مهنّد، الطبيب المثقف هادي، المقاتلة الشهيدة عليا، والجدّ حارس الأصل والوصية زكي. على أنّ دور هذه الشخصيات في حكاية التاريخ يتراوح بين استعادة أحداثه من خلال الحوارات فيما بينها، والمشاركة في صنعه من خلال العمليات العسكرية التي ينخرط فيها بعضها، والشهادة على بعض فصوله الدامية. مع الإشارة إلى أنّ التاريخ في الرواية يتوزّع على أحداث حقيقية مستلّة من وثائق وكتب ومراجع، ومذكّرات شخصيات تاريخية.
وتتمظهر الروائية، ثالثًا، في الحوارات التي تنخرط فيها شخوص الرواية، سواءٌ أكانت روائية أم تاريخية، وهي الحوار الثلاثي بين الخال هادي وابنة أخته مها وصديقها مهنّد، وهو خوار غير متكافئ الأطراف، ذلك أن الخال الطبيب المثقّف يتولّى الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الآخران حول وقائع تاريخية أو سير ذاتية، ما يضفي على الحوار الطابع التعليمي. الحوار بين الشخصيتين التاريخيتين وديع حداد وكارلوس، في إطار التحضير للقيام بعمليات حول العالم لإثارة الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ويعكس تكافؤًا ملحوظًا بين طرفيه. الحوار بين وديع حداد ويوري أندروبوف، ويعكس التباين بين فلسفتي الدولة والثورة. ناهيك بحوارات أخرى غير مباشرة يتولّى الراوي تقديمها بصيغة الغائب. وتتمظهر الروائية، رابعًا، في حركة مهنّد في الثلث الأخير من الرواية يرصدها بصيغة المتكلم.
تاريخية المحتوى
أمّا تاريخية المحتوى فتتمظهر في مجموعة من الوقائع التاريخية، الفلسطينية واللبنانية، المستعادة في إطار حواري أو سردي؛ ففي الفلسطينية تطالعنا الوقائع الآتية: بداية العمل الفدائي عام 1968، اتفاق القاهرة، جورج حبش، وديع حداد، حركة القوميين العرب، تأسيس حركة فتح، انبثاق الجبهة الشعبية من حركة القوميين العرب، العمليات الفدائية حول العالم، خطف الطائرات، ليلى خالد، أيلول الأسود، تل الزعتر، "جمهورية" الفاكهاني، أبو علي حسن سلامة، أبو عمّار، عملية سلامة الجليل، وغيرها، على سبيل المثال لا الحصر.
وفي اللبنانية، تطالعنا الوقائع الآتية: مجزرة عين الرمانة، صراع اليمين واليسار، السبت الأسود، معركة الفنادق، اغتيال كمال جنبلاط، علاقة الجبهة اللبنانية بحافظ الأسد، معركة زحلة، حصار بيروت، مجزرة صبرا وشاتيلا، وغيرها، على سبيل المثال لا الحصر. على أنّه كثيرًا ما تتداخل الوقائع اللبناني والفلسطينية فيما بينها. هذه الوقائع التاريخية المتنوّعة لا تجري استعادتها، بالضرورة وفق تسلسل حصولها، بل وفق اعتبارات روائية معيّنة، وهذا تَمَظْهُرٌ آخر من تمظهرات روائية الرواية. ويأتي رفد النص باثنتين وثمانين صورة فوتوغرافية ليعزّز تاريخية المحتوى لكنّه ينبو عن النوع الروائي.
وهكذا، نرى أنّ عمّار نذير سنان يتّحذ من الرواية وسيلة لحكاية التاريخ، فيصيب عصفورين اثنين بحجر واحد، فهو، من جهة، يقدّم مادّة تاريخية، أرادها "مقاومة صامتة ضدّ النسيان، ومحاولة لحفظ ما تبقّى من ملامحنا قبل أن تبتلعها العتمة" (ص 14)، ما يحقّق الفائدة المعرفية ويعزّز الانتماء الوطني. وهو، من جهة ثانية، يتخذ من الرواية وسيلة لتقديم هذه المادة، ما يرطّب جفاف التاريخ، ويحقّق المتعة الفنية. ذلك أنّ المادّة التاريخية أو العلمية بشكل عام كثيرًا ما يعتورها الجفاف، فإذا ما تمّ تقديمها بطريقة الحكاية، يقرب تناولها، وتسهل قراءتها.
هنات هيّنات
وعلى الرغم من اختيار الكاتب الوسيلة المناسبة للغاية المناسبة، وتحقيقه وظيفتي المتعة والفائدة، في آن، فإنّ الرواية سقطت في هنات هيّنات كان يمكن تلافيها بقليل من التدقيق؛ فتُجانبها الدقّة في التعبير حين تعتبر كمال جنبلاط مجرّد عضو من اليسار اللبناني في الوقت الذي كان قائده (ص 117)، وتُجانبها الدقّة في التصنيف حين تضع ريمون إده في خانة اليسار المعارض لتشكيل حكومة عسكرية (ص 118)، وتخلط بين "المرابطون" والتنظيم الشعبي الناصري حين تعتبرهما تنظيمًا واحدًا (ص 130)، وتُخطئ في تسمية جيش لبنان العربي حين تسمّيه الجيش العربي اللبناني (ص 133)، وتفصل بين الحركة الوطنية و"المرابطون"، خلال حرب السنتين، مع العلم أنّهم جزء منها (ص 133)، وتعتبر وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي صيف 1976 بدلًا من كمال جنبلاط (ص 148). وعلى كثرة هذه الهنات فهي لا تفسد في الروائية قضية، وتبقي "الجمهورية الضائعة" رواية مفيدة وممتعة، ولن يعود قارئها من الغنيمة بالإياب.




