توفي الفنان التشكيلي الفلسطيني العالمي سليمان منصور صاحب اللوحة الشهيرة "جمل المحامل" عن عمر ناهز 79 عاماً.
ونعته وزارة الثقافة الفلسطينية في بيان جاء فيه "ببالغ الحزن والأسى تنعى وزارة الثقافة الفنان التشكيلي الكبير سليمان منصور، أحد أهم أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، الذي شكلت تجربته الفنية على مدى عقود جزءاً من الذاكرة البصرية والوطنية الفلسطينية". ووصف البيان أعماله بأنها "شاهدة على التاريخ الفلسطيني وحارسة للهوية" وأنها "تستحضر الأرض والقدس والتراث والثوب الفلسطيني والزيتون". وأضافت الوزارة في بيانها "لقد كان اسم سليمان منصور مرتبطاً بصورة فلسطين؛ وتمثل ذلك من خلال لوحته الشهيرة "جمل المحامل" التي تحولت إلى أيقونة فنية ووطنية، اختزلت في صورتها حكاية شعب يحمل وطنه وتاريخه وذاكرته".
وتميزت أعمال منصور الفنية العديدة بارتباطها القوي بالتراث الفلسطيني، واكتسب بلوحاته الفنية شهرة على مستوى العالم، وقال عنه فنانون فلسطينيون إنه سيبقى، رغم رحيلة، في الذاكرة الفنية الفلسطينية. وترتدي جميع النساء في لوحاته الثوب الفلسطيني المطرز باختلاف تصاميمه، فهو أحيانا مطرز بالكامل، وفي أحيان أخرى يكتفي بقليل من التطريز عند أطرافه.
ولد منصور عام 1947 في بيرزيت، فلسطين، وقضى جانباً من طفولته ومراهقته في مدرستين داخليتين في بيت لحم وبيت جالا. وكان يخطط لدراسة الفن في الولايات المتحدة، لكن حرب حزيران 1967 غيرت مساره، فالتحق بأكاديمية بتسلئيل للفنون في القدس. ويعد منصور أحد مؤسسي الحركة الفنية الفلسطينية المعاصرة. وقد ترأس رابطة الفنانين الفلسطينيين في ثمانينيات القرن العشرين. خلال انتفاضة 1987، أسس منصور مع زملائه الفنانين فيرا تاماري، وتيسير بركات، ونبيل العناني، مجموعة "نيو فيجينز"، كما أطلقوا على أنفسهم باللغة الإنجليزية. سعت المجموعة، التي اتخذت من الضفة الغربية والقدس مقرّاً لها، حيث عاش الفنانون وعملوا، إلى تبني روح التجريب الإبداعي في ممارساتهم الفنيّة، مبتعدين عن الترميز السياسي الذي كان سائداً في الفن الفلسطيني آنذاك.
وإبان الانتفاضة رفضَ فنانو "نيو فيجنز" الأربعة العمل بمستلزمات الفن المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية عبر إسرائيل، مُلتجئين بدلاً من ذلك إلى المواد المحليّة الطبيعيّة مثل الشاي والقهوة والجلود وشظايا الفخار والحناء والطين. وعن تجربته في استخدام مواد فنية مختلفة، يقول منصور: "خلال الانتفاضة الأولى (1987-1993) قاطع الفلسطينيون البضائع الإسرائيلية كشكل من أشكال المقاومة. وقاطع الفنانون بدورهم المواد الفنية الإسرائيلية. وشكلت أنا و3 فنانين فلسطينيين -هم فيرا تماري ونبيل عناني وتيسير بركات- مجموعة أطلقنا عليها اسم ’رؤية جديدة‘. اتجه الفنانون نحو بيئتهم واستخدموا المواد مثل الخشب والجلد والطين والحناء والألوان الطبيعية. ساعد هذا النهج الجديد في تطوير الفن الفلسطيني، وشكل حلقة وصل بين الفن الفلسطيني الذي أنتج لعقود بعد النكبة والفن المعاصر الذي ينتجه فنانون فلسطينيون شباب".
اعتمد منصور في فنه التشكيلي على الفنون القديمة، مثل الفن الكنعاني والفرعوني والأشوري، ليستلهم الرموز والخطوط التي تعكس حضارة المنطقة، وعلى الفن الإسلامي والعربي خصوصاً الحرف العربي والزخارف، ليربط بين التاريخ والهوية. كما استلهم التراث الفلسطيني من القرية -فكان لنشأته ببيرزيت أثر كبير في ذلك- والمشهد الطبيعي، والفلاحين، والبيوت، والملابس التقليدية، ليجعل اللوحة الفلسطينية متجذرة في الأرض والحياة اليومية.
"جمل المحامل"
لوحة "جمل المحامل" – التي تعد أشهر لوحاته- لم تكن مجرد عمل تشكيلي، بل استطاع من خلالها الفنان أن يجعلها أيقونة تختصر حكاية شعب كامل، يحمل وطنه على كتفيه أينما ذهب. يصور فيها منصور مسنا فلسطينيا يحمل مدينة القدس على ظهره، بما فيها البيوت والمزارع والآثار، وكأنه جمل، مما يرمز إلى صبر الشعب الفلسطيني وتحمله أثقال النكبة والتهجير.
يقول الباحث خالد فرّاج أن "جمل المحامل"، أيقونة فلسطينية هذه اللوحة الزيتية المرسومة على قماش بقياس 110x 90، طُبعت آلاف المرات، وعُلّقت في كثير من بيوت الفلسطينيين والعرب، الفقراء والأغنياء، في الضفة الغربية وقطاع غزة والجليل والمثلث، وفي مخيمات الشتات، على حد سواء، نظراً إلى ما تمثله من رموز عاطفية وسياسية وتراثية، وبطبيعة الحال دينية، بالنسبة إليهم. فقد جرى تعليقها كملصق إلى جانب صورة الزعيم جمال عبد الناصر، التي كانت موجودة في غالبية المنازل في فلسطين والعالم العربي، نظراً إلى مكانة هذا الرجل لدى الجماهير الفلسطينية والعربية التي تكن له كل محبة وتقدير.
يضيف فراج: "في الفترة بين سنة 1973 وسنة 2021، لم يتغير المشهد كثيراً، وبقيت هذه اللوحة أيقونة من أيقونات الفن الفلسطيني والعربي والعالمي؛ ففي سنة 2021 وخلال معركة سيف القدس بين المقاومة الفلسطينية والقوات الإسرائيلية، جرى نشر نسخة إلكترونية معدلة من "جبل المحامل" على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي يظهر فيها مقاوم فلسطيني في غزة يحمل المدينة المقدسة على ظهره، بينما يجلس العجوز الحافي القدمين ليستريح، في إشارة إلى أن ثمة جيلاً جديداً يحمل الوطن على ظهره ومربوطاً بجبينه، وفي ذلك دلالة أيضاً على استمرارية حضور هذه اللوحة في الوعيين العربي والفلسطيني".
وفي حديثه إلى برنامج "ضفاف"، قال منصور إن اللوحة "دخلت في لغة الصم والبكم"، بعدما أصبحت الحركة التي يؤديها الرجل فيها رمزًا للقدس في لغة الإشارة.
وفُقدت النسخة الأولى من اللوحة، فأعاد منصور رسمها لاحقًا. وتعرضت النسخة الثانية للتدمير خلال غارة جوية على ليبيا في 1986، بينما توجد نسخة ثالثة ضمن مجموعة "مؤسسة دلول" في لبنان.
ومن أعماله المعروفة أيضاً "عروس الوطن"، و"ابنة القدس"، و"صبرا وشاتيلا"، و"طقوس تحت الاحتلال"، و"ذاكرة الأمكنة"، وهي أعمال ارتبطت باستجاباته للواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، إذ يحضر في أعماله الفلاحون والنساء بالثياب المطرزة، وأشجار الزيتون والبرتقال، والقرى، ورموز المفتاح والسجن والحواجز، ومختلف مفردات الحياة الفلسطينية.
ساهم سليمان منصور على نطاق واسع بتطوير البنية التحتية للفنون الجميلة في الضفة الغربية. ترأّسَ رابطة الفنانين الفلسطينيين من عام 1986 إلى 1990، وفي 1994، شارك مع زملائه من نيو فيجينز في تأسيس مركز الواسطيّ للفنون في القدس الشرقية وتولّى إدارته خلال عامي 1995 و1996. هو عضو في مجلس إدارة الأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين التي أُنشئت عام 2004 في رام الله. درّسَ الفن في العديد من الهيئات الثقافية والجامعات في كافة أنحاء الضفة الغربية بما فيها جامعة القدس.
وكان منصور أيضاً رسام كاريكاتير محترفاً، وقد نشر رسومه من 1981 حتى 1993 في مجلة الفجر، وهي أسبوعية باللغة الإنجليزية كانت تصدر في القدس بين عامي 1972 و1993. نال منصور الجائزة الكبرى للنيل في بينالي القاهرة السابع، وجائزة فلسطين للفنون البصرية 1998، وجائزة اليونيسكو–الشارقة للثقافة العربية 2019، وجائزة النيل للمبدعين العرب 2025. وفي 2024 أنجز للمتحف الفلسطيني جداريته الدائمة "على جناح ملاك" من الطين والتبن والحناء.




