ليس من يسر الأمور أن يتحوّل الخوف إلى عدسة مكبّرة نحدق من خلالها في العالم الذي نعايش يومياته بإمعان، أو أن يكون الخوف حصناً نرقب عبره الآمال التي نرجوها من الحياة. والطامة الكبرى عندما يصير الخوف وسيلة عبورنا إلى ما وراء محدد المعالم والتفاصيل حيث عندئذ تلك السطوة الهائلة لرجال يقال إنهم يتحلون بحكمة تقتات أكثر ما تقتات على الأسوار الشاهقة وعلى الغرف السرية والهمسات. تلك هي الخلفية الأعمق التي تشكّل مجمل العملية السردية بجل تشعباتها وتداخل أزمنتها في رواية "ثمرة النار" لحنين الصايغ (دار الآداب – 2025).
إن خوف نساء هذه الرواية يسوقهن بمهارة إلى عبودية مختارة حيث ضرورة أن تكون المرأة "خبيرة في ابتلاع الغصة"، كما جاء في الصفحات الأولى للرواية. فخبرة النساء في ابتلاع الغصات ومعايشتها يوماً بيوم، تشكّل البوصلة الرئيسة في ركب أمواج الحياة من قبل نساء حنين في "ثمرة النار".
تجهد الروائية اللبنانية في عملها هذا لسَوق النساء كي يخرجن عن كتمان أوجاعهن في طيّات صدورهن، وذلك عبر أحداث تحفل بها الرواية وتحض على سفر الخروج هذا. إلا أن تلك الحكمة المُجلبَبة بهيبة رجل دين من هنا، أو آخر من هناك، تودي بكل هذا الجهد إلى سهوب الشتات ودهاليز الغرف المعتمة، ذلك أن للتاريخ تلك الحظوة الكبرى في رسم المآلات. فنحن في "ثمرة النار" إزاء ماض لا يمضي وإزاء حاضر مستتر خلف مستقبل يقتات بمعظمه على هذا الماضي الذي يأبى الأفول. إن متطلبات الحاضر لنساء "ثمرة النار" هي مجرد ثرثرات في غير محلها، مجرد بقبقات أحاديث سريعة التبخّر كدخان متطاير من موقدة. فمن نبيلة – الشخصية الرئيسية في الرواية – إلى راغدة ونجاة وأسمهان وأمل، رجوعاً إلى الجدة الأولى مهيبة ثم الحفيدة رحمة، وغيرهن الكثيرات الكثيرات، نحن حيال تبعثر في الظنون وقلة ثقة في النفس وغوص في أعماق سرية لا تعرف قراراً.
أما الشيخ ريدان – شيخ الضيعة وجليلها – فهو في السياقات كلها، المَوئل النهائي لكل الخيارات، وقد تجسدّتْ عبر مظهره حكمة قياس الأمور وتقليب وجوهها، وحكمة حُسن الخيار وبُعد النظر والرؤية الصافية، وهي حكمة تقوم أكثر ما تقوم على تقطيبات الجبين ونقر الأرض بعصا غليظة أثناء السير في زواريب القرية وأزقتها، وصولاً إلى العبوس الدائم. وليست نساء القرية في هذا الخضم سوى نساء متفحّمات، أسوة بالتصوير الرائع للفحم كما صير إلى صياغته في الرواية: "... أما الفحم فنار كامنة، دفء مؤجّل واشتعال مُشتهى"، وكأننا مع الشيخ ريدان في هذا الصدد في حضرة قَدَر سُطّر بخط لا يمكن محوه أو تعديله أو حتى التحايل عليه مهما كانت ضروب هذا التحايل بريئة. إنها البيئة الجوانية جداً للدروز، حيث إقامة نظام جماعي للذاكرة يمحق كل الذاكرات الفردية، لا سيما ذاكرات النساء وما تحفل به من صراحة مرتبكة أو مترددة أو منطوية على جرأة مؤجلة، حيث الألغاز التي تلفها ألغاز أخرى تسحق إمكانات تلك الجرأة. إنها ضريبة الحظر على تفلّت المشاعر والأحاسيس الحرة، ضريبة سجن العواطف إلا بما يتلاءم مع توجهات شيخ القرية، وفي حالة "ثمرة النار" مع توجهات الشيخ ريدان صاحب الحظوة التي لا حدود لها.
غالباً ما ينطوي التاريخ القبلي لشخصيات الروايات، على جملة من التنويعات والتناقضات والمكبوتات الشخصية والأسرار التي قد تقع خارج مدارك حتى مؤلف الرواية أو مؤلفتها، إلا أن التاريخ القبلي لكل نساء حنين الصايغ في "ثمرة النار" هو تاريخ محدد سلفاً عبر ذلك الشيخ الجليل، وهو تاريخ يأبى الإنزياح، وإلا ستكون العواقب وخيمة، بدءاً بالنبذ والرفض، وصولاً إلى إغراق بعض النساء في نهر متدفق من الموبقات. وتراني في هذا الصدد تحديداً محلّ انشداد إلى شخصية راغدة، كما رتّبتْ حنين الصايغ كاراكتيرها وخياراتها ودموعها المتدفقة، تلك اللامبالاة الرائعة بتبديد أو عدم تبديد كل الحرج المتأتي عن خياراتها الحرة، والتحيّز إلى محض الذات يستخفّ بكل ضروب خيبات الأمل، وخيبة الشيخ ريدان بشكل خاص. فعلى الرغم من أنه الشيخ الجليل والذي يملك من "صفو الخاطر" الكثير الكثير، ترى راغدة وقد تحررت من جملة الالتباسات التي يبرع هذا الشيخ في زرعها، بدءاً من التباس العلاقة بين الفتاة وأمها، ثم التباس العلاقة بين الأم وبناتها، فالعلاقة المضطربة مع الآخرين، وصولاً إلى التباس العلاقة مع الذات – ونبيلة هنا هي سيدة المشهد - حيث يصير أجمل ما في العمر انقضاءه..."ما بدّْي اخد دوا"، تقول مُرحّبة بسرطانها!
لست أدري مدى تأثير براعة نبيلة في عجن الطحين وخبزه في اللعبة السردية، كما مارستها حنين الصايغ في "ثمرة النار"، حيث عجن الأحداث وخَبزها قد تم عبر انتقاء مدروس للمفردات والمجازات والاستعارات والصمت. فحتى افتعال المصادفات في بعض متون هذا العمل ينمّ عن حبكة سردية تسوق المتلقي للاقتناع بقدرة الصدفة على رسم معالم الأحداث وتحديد المصائر والمآلات، والحظوة الكبرى في هذا المحل تحديداً للكلمات المتوثبة على الدوم.
في رائعته القصصية "النساء" خصص الكاتب الأورغوياني إدواردو غاليانو، القصة الأولى من هذه المجموعة، لرصد تصدّي النساء في العالم لكل ضروب احتقارهن والتخفيف من شؤونهن، ويخبرنا حرفياً: "من خشية الموت، وُلدت الكلمات". تتجسّد عبارة غاليانو هذه في رواية "ثمرة النار" منذ البدايات الأولى للقَصّ، حيث حكي النساء المتدفق في الحقول أو حول المواقد أو في حضرة الصاج الذي يسوّي العجين خبزاً... حكي ثم حكي ثم حكي فثرثرات رائعة وسرد متشعب لأحوال النفوس وكركرات ضحك سرية. ليس حكي النساء في هذه السياقات مجرد لغو من أجل اللغو، إنما الحكي هنا هو أقرب إلى محاولات التطلع إلى نمط آخر من العيش.
ليس مجرد كلام يجرّ كلام، إنما في العمق هو استدعاء للضوء وقد غشيت العتمة قلوب نساء تلك القرية وأرواحهنّ. فهنّ في بعض تطلعاتهن، في طور الطفولة، بصرف النظر عن تراكم تجاعيد السنين في وجوههن. ترى نساء "ثمرة النار" أقرب إلى سنّ الطفولة، طفولة كل منهن، فترى أنها طفولة سعيدة. وكأني بنساء حنين الصايغ يرددن عبارة صديقتي المشتركة مع حنين في رواية "أمس": "يسعني القول إنني حظيت بطفولة سعيدة لأني ما كنت أعلم أن هناك أشكالاً أخرى من الطفولة" (آغوتا كريستوفا).




