ماذا يحدث للإنسان حين يسبق وجهه كلامه؟ يبدو السؤال كأنه يخص رجلاً بملامح مختلفة، لكنه في المجموعة الشعريّة الجديدة للكاتب والقاص السوري محمد حاج حسين الصادرة عن مرفأ للثقافة والنشر 2026 بعنوان "اعترافات المسخ" يمتد إلى مساحة أوسع. يكتب محمد حاج حسين عن أشخاص يذهبون إلى العالم محمّلين بصور صنعها الآخرون لهم، وعن وجوه تتعب من شرح نفسها، وعن حياة يضطر فيها المرء إلى إخفاء جزء منه كي يستطيع المرور بين الناس. من هنا يكتسب عنوان المجموعة ثقله، فالمسخ في هذه القصص يبدأ من نظرة، ثم يجد طريقه إلى الداخل.
في قصته بعنوان "المسخ الذي اعترف أولاً" نلتقي رجلاً يعيش وحيداً، يعمل ضارب طبل في الأعراس، ثم يعود إلى عزلته. يعرف شكل الحياة من الخارج: يرى ضجيج الناس وفرحهم، بينما يحتفظ بحياته الخاصة. وحين يقرر النزول إلى السوق والسير في الشارع من دون القبعة والشال اللذين اعتاد الاحتماء بهما، تصرخ امرأة: "خبئوا الأولاد، هناك وحش طليق"، فينهال الناس عليه بالضرب.
المشهد يحمل فكرته من داخله. الرجل خرج إلى الشارع، لكن الجريمة جاءت من عيون الذين رأوه. لذلك يبدو سؤاله أمام القاضي أكثر من مجرد دفاع عن نفسه: "فلماذا أحاكم على شكلي إذا كان لكم نحت مختلف، ولي نحت لا يروقكم؟".
كلمة "نحت" هنا لافتة، فالناس ينحتون صورة للجميل والمقبول، وكل وجه يخرج عن القالب يثير الرغبة في تقويمه أو إبعاده. الجسد يتحول إلى نص يقرؤه الجميع بالطريقة التي يريدونها.
بعد هذه اللحظة، يبدأ معنى المسخ في الاتساع. يصبح القبح تجربة يعيشها المرء حتى حين يكون وحيداً مع نفسه. في موضع آخر، يقول الراوي: "وجهي في المرآة بشع"، ثم يربط الوجه بالقلب والنجمة البعيدة والأشياء الجميلة التي فقدت قربها. وبعدها تأتي العبارة الأوضح: "القبح يسكن التفاصيل كلها". كأن العين التي حكمت على الوجه في الشارع انتقلت إلى الداخل، وصارت الشخصية تنظر إلى نفسها بالعين نفسها التي نظر بها الآخرون إليها.
مجموعة متماسكة
هذه النقطة تمنح المجموعة تماسكها. فالحرب والفقر والغربة تظهر في قصصها بكثافة، لكن أثرها الأعمق يقع في صورة الإنسان عن نفسه. الشخص الذي فقد يده، والطبيب الذي أمضى سنوات أمام الجرحى، والذين خرجوا من تحت الأنقاض، جميعهم يحملون شيئاً من العالم الذي مر فوق أجسادهم.
في "أيادٍ وخوف" يظهر أبو أحمد، الرجل الذي فقد يده في الحرب، داخل القبو الذي احتمى فيه الناس من الغارات. اليد المفقودة حاضرة في الحكاية، لكن حضورها الأشد يقع في الذاكرة، في الطريقة التي يعيد بها الرجل النظر إلى ما جرى له.
أما في "محجر عين" تتقدم صورة أخرى لهذا الخراب. طبيب كان يحلم بالتخرج وفتح عيادته والزواج من فاطمة، ثم يجد نفسه وسط الجرحى والقتلى، يواصل عمله بينما تتساقط أمامه الأشياء التي كان ينتظرها في حياته. في النهاية، يصبح ترميم الجسد جزءاً من محاولة ترميم الأمل نفسه.
هنا تقترب الحرب من فكرة المسخ بطريقة مختلفة. الرصاصة تشوّه الجسد، والسنوات تشوّه ما وراءه. الإنسان الذي كان يعرف نفسه من خلال أحلامه، يجد نفسه يعرفها من خلال خساراته. وهذا التحول حاضر في المجموعة منذ صفحاتها الأولى: من طفل يتذكر ملعبه وألعاب القرية، إلى رجل يحمل الغربة والحرب معه، حتى تصبح التفاصيل القديمة أثقل من أن تُنسى.
من هنا تبدو عبارة "الضحك الذي لا يخرج من القلب، مجرد نافذة تفتحها من حقيقة حزنك" من أكثر جمل المجموعة اختصاراً لهذا العالم. فالناس يعرفون أداء أدوارهم جيداً: الضحكة في مكانها، والتحية في مكانها، والكلام المناسب في اللحظة المناسبة، بينما يبقى شيء آخر خلف كل ذلك. الشخصية تفتح نافذة صغيرة، تسمح للآخرين برؤية وجه مريح، ثم تغلقها سريعاً.
جملة قصصيّة مختلفة
وعندما يصل الكتاب إلى "الوجوه الغابرة" تظهر جملة أخرى تضيء هذا المسار من جهة مختلفة: "من الصدور.. مو من السطور". الحكايات التي يحملها العجائز، وأصواتهم، وذاكرتهم، تصبح مصدراً لمعرفة تتجاوز ما يمكن تدوينه. وفي مكان آخر، يقول أحد أصحاب هذه الذاكرة إن بعض الهموم "بقايا تراث"، وإن الرعب يدفع إلى "رغبة في العيش داخل قفص". هكذا تلتقي الذاكرة بالقناع كل ما عاشه الإنسان يترك ملامحه على وجهه، حتى حين يحاول إخفاءها.
القبح كأثر أدبي
المجموعة القصصيّة تمضي في هذا الطريق من دون أن تمنح القارئ مسخاً واحداً يراقبه من بعيد. المسوخ موزعة بين الوجوه: واحد صنعه الناس من ملامح رجل، وآخر صنعته الحرب من جسد سليم، وثالث صنعته الغربة من قلب اعتاد المكان، ورابع يتعلم كل صباح كيف يبتسم في الوقت المناسب.
وحين يسأل المسخ في ختام اعترافه: "هل نظرتم يوماً نظرة عن كثب؟ هل كشفتم مواطن الحزن على وجهه؟"، يصبح السؤال موجهاً إلينا نحن أيضاً. فكم من وجه مررنا بجانبه وحكمنا عليه سريعاً؟ وكم من إنسان اضطر إلى ارتداء وجه آخر كي ينجو من أعيننا؟
استطاع محمد حاج حسين، من خلال متواليته القصصية "اعترافات المسخ"، أن يجعل القبح في هذه القصص أكثر من صفة للملامح، وأن يحوّله إلى تجربة إنسانية كاملة: قبح تصنعه الحرب، وتعمّقه الغربة، وتكرّسه نظرة الآخر، ثم يستقر في الداخل. وهنا يكمن أثر المجموعة الحقيقي، في أنها لا تنتهي بانتهاء القصص، في حين أنّها تدفع القارئ إلى النظر مرة ثانية إلى الوجوه. عندها فقط يبدأ المسخ في التراجع، وتظهر ملامح الإنسان الذي كان مختبئاً تحته.
