بعد تسعين عاماً على وفاته، وعلى الحرب الإسبانية، تبرز أسئلة في الإعلام الإسباني: كيف تُقرأ أشعار فيديريكو غارسيا لوركا اليوم؟ كيف يُنظر إلى مسرحياته؟ كيف يتم التعامل مع شخصيته الآسرة؟ وأين قبره؟
قبل تسعين عاماً، أُعدم الشاعر والكاتب المسرحي الأندلسي الغرناطي رمياً بالرصاص، ليُقطع بذلك مستقبله الواعد. واليوم، ما زالت أشعاره حاضرة في حياتنا اليومية، اغتيل واستمر إرثه في النمو، بل وتطور: فقد وجد كل جيل فيه أسبابًا جديدة لقراءته، واستعادة إرثه، وجعله، بطريقة أو بأخرى، جزءًا من كيانه. وكأنه ما زال ينطبق عليه العنوان الذي كتبه عنه الشاعر بول شاوول في إحدى المجلات: "لوركا الواقع لوركا الأسطورة".
في الخامس من حزيران 1898، وُلد لوركا في فوينتي فاكيروس، وهي بلدة صغيرة في غرناطة. انتمى إلى عائلة ميسورة الحال، وقد تجلى اهتمامه بالفن منذ صغره، من دون أن يدرك حينها أنه سيصبح في نهاية المطاف أحد أهم الشخصيات في الثقافة الإسبانية في القرن العشرين.
بداياته الشعرية الأولى، التي تُظهر نضجًا باهرًا، تتجلى في أبيات مثل هذه: "قلبي المُثقل/ يشعر عند الفجر/ بألم حبه/ وحلم المسافات". جعلته قصائد مجموعته "أغاني الغجر"(1928) شاعرًا مرموقاً، رغم أنه شعر لاحقًا بعدم الارتياح تجاه قراءة سطحية اختزلته إلى مجرد مغنٍّ مزعوم للفولكلور الغجري. في ذلك الوقت، كان "جيل 1927"، حركة أدبية إسبانية ظهرت تكريماً للشاعر لويس دي غونغورا وتألفت من فنانين وشعراء مثل الرسام سالفادور دالي والمخرج لويس بونويل والشاعر رافائيل ألبيرتي ولوركا نفسه. هؤلاء أعادوا إحياء الأدب الإسباني، وجمعوا بين التقاليد والحداثة.
وانبثقت مجموعة لوركا، "شاعر في نيويورك"، من رحلته العام 1929 إلى مدينة ناطحات السحاب، لتصبح كتابًا أساسيًا في الحركة السوريالية الطليعية. انبهر الشاعر بالتعددية الثقافية في هذه المدينة الشاسعة، واستنكر التمييز العنصري، والتصنيع المجرد من الإنسانية، والنزعة النقدية المتفشية في مجتمع يعاني الوحدة وسط الحشود وأزمة اقتصادية عميقة. قصيدة "الفجر"، المؤثرة والمليئة بالحكمة، تثير الإعجاب بقوتها:
"للفجر في نيويورك
أربعة أعمدةٍ منْ وحلٍ
وإعصارٌ منْ حمامٍ أسود
منتشر في الماء العفن.
الفجرُ في نيويوركَ يتأوهُ
على امتداد الطوابق اللانهائية
ويبحث بين الخطوط
عن زنابق من اكتئابٍ مرسوم.
الفجر يبزغ ولا أحدَ يستقبله في فمهِ
لأنه لا يوجد صباحٌ ولا أيُّ أملٍ محتمل.
أحياناً يُخترَقُ ويُؤكلُ ويُشربُ أطفالٌ مشردون
منْ سيل العملات المعدنية المنهالة.
الأوائل الذين يخرجون يفهمون حتى النخاع
بأنه لن يصبح هذا لا فردوساً ولا حباً مُحرَّماً.
هم يعرفون بانهم سيتحولون إلى وحلٍ من الأرقام والقوانين
إلى لعبةٍ بلا شكل، وإلى مجهوداتٍ غير مجدية.
النور مدفون بين السلاسل والضجيج
في تحدٍ صفيق من عِلمِ بلا جذور.
في الحي أناسٌ يترنحون من الأرق
كما لو أنهم قد عاشوا تواً حالة جلطة دموية".(ترجمة: عبد الستار نورعلي).
لقد كشف كتابه "شاعر في نيويورك" صوتاً مختلفاً: قاتماً، تجريبياً، وجريئاً. وفي المسرح، حقق لوركا إنجازًا أكثر تميزًا: خلق شخصيات ما زالت أصداؤها تتردّد على خشبة المسرح بعد عقود من وفاته. ففي العام 1932، أسس فرقة "لا باراكا" المسرحية الجوالة الشهيرة والتي قدمت عروضًا من العصر الذهبي في مدن وبلدات شبه الجزيرة الأيبيرية. تُشكّل مسرحيات "عرس الدم" و"يرما" و"بيت برناردا ألبا" عوالم تتصادم فيها باستمرار الأعراف الاجتماعية والرغبة والسلطة والجنس والأمومة والحرية والموت.
بعد أربع سنوات فقط على تأسيس فرقته المسرحية، وبينما كان مستقبله واعدًا، انتهت حياته فجأة. غيّر اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية مجرى حياته. كان حينها في غرناطة، ومع تصاعد الانتفاضة والحرب بين الجنرال فرانكو والأحزاب اليسارية، لجأ إلى منزل عائلة صديقه لويس روزاليس. هناك، أُلقي القبض عليه في 16 أغسطس/آب 1936. وبعد يومين فقط، في الساعات الأولى من صباح 18-19 أغسطس/آب، اغتيل أو أعدم. كان يبلغ من العمر 38 عامًا. إلى جانب اغتياله ، أُضيف لغزٌ ما زال قائماً حتى يومنا هذا: أين فيديريكو غارسيا لوركا؟ على الرغم من عقود من التحقيقات والحفريات في منطقة فيزنار وألفاكار (غرناطة)، لم يتم التعرف على رفاته قط، وما زال مكانه الدقيق مجهولاً.
قام الباحث في الدراسات الإسبانية جيرالد برينان بالتحقيق في جريمة القتل في السنوات التي أعقبت الحرب الأهلية. وفي وقت لاحق، وصل أغوستين بينون إلى غرناطة في خمسينيات القرن العشرين، وبذل جهودًا كبيرة لإعادة بناء تفاصيل الأيام الأخيرة للشاعر. وواصل باحثون آخرون هذا التحقيق لاحقًا. ويلخص مركز سرفانتس الافتراضي، أبعاد اللغز بالإشارة إلى أن المرة الأخيرة التي شوهد فيها لوركا على قيد الحياة كانت في 16 آب 1936، ويتضمن الفرضية التقليدية التي تضع مكان دفنه في مكان ما بالقرب من وادي فيزنار.
لكن العثور على الجثة أثبت أنه أكثر تعقيدًا بكثير. لم تُقدّم عمليات بحث أثرية أُجريت في المناطق التي حُدّدت كمواقع دفن محتملة، تأكيدًا قاطعًا يسمح بالقول: فريدريك كان هنا. ولم يُعثر على رفات الشاعر، ولا دليل يؤكد أن هذا هو قبره.
تشير بيانات الحكومة الإسبانية إلى وجود ما يقارب 6000 مقبرة جماعية في أنحاء البلاد، تضم رفات أشخاص مجهولي الهوية أُعدموا خلال الحرب الأهلية. وتشير الأرقام الرسمية إلى وفاة نحو 11000 شخص، بينما تُقدّر التقديرات غير الرسمية العدد بنحو 25000. كان لوركا من بين هؤلاء، لكن حتى الآن لم يتسنَّ تحديد المقبرة الجماعية التي دُفن فيها بدقة، لعدم وجود أي سجل لموقعها. حاولت السلطات القضائية الإسبانية بلا جدوى العثور على رفات الشاعر.
بعد مرور ما يقارب تسعين عاماً على ذلك الصباح من شهر آب 1936، لا يستطيع أحد أن يشير إلى شاهد قبر ويدّعي أن لوركا يرقد تحته. يبقى قبره لغزاً محيراً، بينما تحتل أعماله مكانة معاكسة تماماً: فهي موجودة في المكتبات والمسارح والمدارس والجامعات. اختفى الرجل في أحد الطرق في غرناطة، أما الكاتب فلم يختفِ.




