رولا الحسين: الرسم بوصفه حدثاً أكثرَ منه تمثيلاً

علي هاني شمس الدينالجمعة 2026/08/21
Image-1787311210.Jpeg
تصعب قراءة لوحات الحسين بمعزل عن حوار ضمني تجريه مع تراث التجريد الأميركي
حجم الخط
مشاركة عبر

تبدأ العلاقة مع أعمال الفنانة اللبنانية رولا الحسين بأن ثمة مشهداً يتشكل من عناصر مألوفة: أفق، عشب، شمس، بحر، غيمة. لكن العين التي تمكث قليلاً أمام هذه الأعمال سرعان ما تكتشف أن هذه المفردات ليست سوى استدراجات تفتح على مشروع أعقد من موضوع الرسم: محاولة دؤوبة لإعادة تعريف الرسم نفسه، ليس بوصفه نافذة على العالم، بل حدثاً يقع على السطح، وأثراً لفعل جسدي متكرر، وتوقيعاً مقنّعاً لذات الفنانة في لحظة إنجازها.

 

السمة الأولى التي تفرض نفسها في هذه الأعمال هي العلاقة المقلوبة بين الشكل والأرضية. فالخلفيات عند الحسين، حقل لوني طاغٍ: أصفر يبتلع اللوحة، أو أخضر كثيف، أو حقل وردي-أزرق يتقاطع فيه اللون مع تخطيط عصبي متشابك. هذا الحقل هو الحدث البصري الأكبر الذي يشد العين ويحتجزها، بينما الموضوع المعلن في العنوان – غيمة، شمس، بحر – ينكمش أحياناً إلى هامش صغير لا يملك قوته البصرية. 

 

وليست هذه الأرضية خلفية سلبية، بل نسيجاً كثيفاً من الخطوط المتكررة يشبه الأثر اليدوي المتروك بعد فعل طويل، أقرب إلى التوثيق منه إلى التصوير: الفنانة لا تحاول أن تنتج صورة ذات مرجع خارجي بقدر ما تصر، بتكرار الخط، على أن تقول للعين إن فعل رسم يُمارَس هنا وهذا الأثر هو الدليل، وكأن الرسم يستعيد شرعيته لا عبر الصورة، بل عبر الأثر، لا عبر التمثيل، بل عبر الحدوث. لكن هذا الأثر لا يسجل حضور اليد وحدها، بل حضور ذاتٍ لا تظهر في اللوحة بوصفها صورة لنفسها، بل بوصفها القوة التي تجعل الصورة ممكنة أصلاً؛ ذاتية تقع في مستوى أسبق من أي موضوع شخصي يُعبَّر عنه.

رولا الحسين

لو اكتفت الحسين بهذا الحقل اللوني المكثف لكانت أقرب إلى تعبيرية تجريدية حركية تتبع منطق الفعل الجسدي كما عند بولوك. لكنها تُدخل عنصراً مركزياً آخر – شكلاً عضوياً، أو قرصاً، أو مربعات متداخلة – ثم تُلحقه بتسمية غالباً ما توارب الشكل المرسوم: شكل عضوي متعرج لا يشبه غيمة بأي معيار تصويري تقليدي يُسمّى مع ذلك «غيمة سعيدة»، وقرص لوني صلب يطفو وسط خربشة كثيفة يُسمّى "شمساً" لا لأنه يحاكيها، بل لأن الذات التي ترسم قررت أن تمنحه وجود الشمس.

 

هنا يبدأ التحول المركزي في هذه الأعمال. فالفارق بين الشكل والتسمية ليس إخفاقاً في التمثيل، بل إعادة تشكيل لفكرته ذاتها: لم يعد العالم الخارجي هو الذي يفرض على الصورة شروط ظهورها، بل الذات هي التي تقرر ماذا تأخذ منه وكيف تعيد تكوينه. العنوان لا يصف ما تراه العين، بل يُدخل حالة الفنانة لحظة الرسم إلى حيز الفعل: سعادة الإنجاز، أو الحاجة إلى صنع بديل عن غياب، أو – وهذا أكثر إشكالية – الحاجة إلى تطويع الحضور. فالذات لا تستحضر ما يغيب فحسب، بل تعيد إدارة ما يحضر أيضاً، فلا تقبله مرجعاً مكتملاً يفرض على الرسم شروط تمثيله. 

 

فـ"الغيمة السعيدة" ليست إحالة إلى ظاهرة جوية، لأن السعادة ليست خاصية بصرية للغيمة يمكن للعين التحقق منها، بل شيئاً أدخلته الذات إليها، بحيث لم يعد ممكناً فصل ما يعود إلى الغيمة عما يعود إلى الذات التي سمّتها. أما الشمس، حين تُصنع عمداً، سواء في غيابها أو في سطوتها، فلا تعود مجرد تمثيل لها، بل إعلاناً عن سلطة الذات على شروط ظهورها. فالتمثيل المتبقي في هذه الأعمال هو، في جوهره، تمثيل للذات كما تريد أن تتمثَّل، لا كما يفرض عليها الفن أو العالم أن تتمثل؛ ذات لا تظهر بوصفها موضوعاً للوحة، بل فاعلاً فيها. لا نرى الفنانة، بل نرى العالم بعدما مر بها.

رولا الحسين

وإذا كان مصدر التمثيل قد انتقل من العالم إلى الذات، فيبدو أن نقطة انطلاق العمل ليست موضوعاً تُشاهَد ملامحه ثم تُنقل إلى القماش أو الورق، بل شعوراً يتولد أولاً، ثم يتحول إلى انطباع بصري خام تترجمه اليد على السطح؛ فكأن الترتيب المعتاد – أرى شيئاً فأشعر تجاهه فأرسمه – ينقلب هنا. ولهذا لا تشبه "الغيمة" غيمة ولا "الشمس" شمساً بمعناها المتفق عليه: فما يُترجم على القماش ليس هيئة الشيء، بل هيئة الشعور الذي أثاره حضوره أو غيابه، والحقل اللوني الكثيف يصبح أقرب إلى مبنى هذا الشعور – كثافته، إلحاحه، عصبيته – من محاولة لمحاكاة مشهد. وهذا ما يمنح الذاتية عند الحسين طابعها الجذري: ليست خياراً أسلوبياً، بل الشرط الذي يتأسس عليه العمل من بدايته الأولى.

 

لكن هذا لا يعني افتراض ذات مكتملة وثابتة تقف قبل العمل ثم تستخدم الرسم أداة للتعبير عن نفسها. فالذات التي تعيد تشكيل العالم ليست خارج فعل التشكيل، بل ذات عارضة إلى أقصى حد، تتعين في هذه اليد وهذا الشعور وهذه اللحظة، وفي علاقتها بما يحضر وما يغيب؛ لا يكون الرسم نتيجة للذات فحسب، بل أحد الشروط التي تتكوّن الذات عبرها. من هنا يمكن فهم التباين بين أعمال أقرب إلى التمثيل مثل "غروب" و"العشب"، وأخرى تبتعد عنه مثل "البحر" أو "الغيمة السعيدة": فلا قانون سابقاً يقرر مقدار ما ينبغي أن يبقى من الشيء؛ الذات تفاوض كل مرة من جديد على شروط ظهوره.

 

وتصعب، مع ذلك، قراءة لوحات الحسين بمعزل عن حوار ضمني تجريه مع تراث التجريد الأميركي، حوار يتسم بالمساءلة أكثر مما يتسم بالوراثة. حين تستحضر حقلاً لونياً واحداً يبتلع اللوحة، يحضر منطق بارنت نيومان في لوحات الـ"زيب": اللوحة التي تسعى إلى أن يكون كل شيء داخلها، وأن تكون هي الحدث لا توثيقاً لحدث سابق عليها. لكنها تصل إلى هذا الانغلاق بوسيلة نقيض وسيلته: لا عبر خط واحد حاسم، بل عبر فوضى من الخربشة المتراكمة، أقرب في أثرها الإيمائي إلى بولوك. وحين تظهر المربعات المتداخلة تستدعي العين سلسلة "تحية إلى المربع" عند ألبرز، لكن المربع هنا لا يحتفظ بوعد الحياد الهندسي: حتى داخله لا تفلت المساحة من أثر اليد. وما يهم في هذه المقارنات ليس إثبات نسب فني، بل ما تفعله الحسين بلغات سعت إلى تأسيس لوحة مكتفية بذاتها: إعادة إدخال ما لا يمكن تعميمه – هذه اليد، وهذه اللحظة، وهذا الشعور – وردّ الشكل بذلك إلى فردانيته العارضة. 

 

ولا يمكن فصل هذا المشروع عن سياقه: رولا الحسين ترسم في لبنان، في خضم حرب وتهجير وتوتر مستمر، حيث الموت حاضر كإمكان يومي لا كفكرة مجردة. هذا السياق لا يفسّر الأشكال ولا يجعل الخربشة تمثيلاً للحرب، لكنه يمنح مسألة الحضور والغياب بعداً وجودياً لا يمكن تجاهله. فالحرب تعيد توزيع الحضور والغياب بالقوة، وفي مقابلها يمارس الرسم توزيعاً آخر: الحقل الخربشي الذي يوثّق فعل الرسم يصبح، في زمن الحرب، حفراً للأثر بمعناه الحرفي – أن تستمر اليد في الحركة وتترك علامة على الوجود تقول "كنت هنا، وما زلت"، في بيئة تُهدَّد فيها إمكانية الاستمرار ذاتها يومياً. وعندها لا تعود "الغيمة السعيدة" الفنانة نفسها بمعنى إحلال رمز محل شخص، بل مكاناً التحم فيه الشيء بحالة الذات إلى درجة يتعذر معها فصل أحدهما عن الآخر؛ وهذه السعادة، في سياق الحرب، تكتسب معنى يتجاوز الجمالي، إذ يمكن أن تُقرأ بوصفها طريقة لجعل العيش ممكناً وسط ما يهدده. فالذاتية هنا ليست انسحاباً من العالم، بل إعادة امتلاك له: حين يصبح الخارج غير قابل للتحكم، لا تقبل الفنانة توزيعه للحضور والغياب كما هو، بل تعيد توزيعه بالرسم.

 

ومما يمنح تجربة الحسين ثراءها أنها لا تكرر نمطاً واحداً ثابتاً في العلاقة بين العنوان والصورة: أعمال تصف بأمانة نسبية ما تراه العين، وأخرى ينفلت فيها العنوان كتعجب لحظي عفوي ("أووه شمس")، وثالثة يتحول فيها إلى فعل إرادي صريح («عندما لا يكون هناك شمس أصنع واحدة») تحسم فيه الذات المسألة بالفعل: لم تعد متلقية لعالم يأتيها جاهزاً، بل فاعلة في شروط وجوده داخل اللوحة.

 

وهذا التنوع صلب المشروع لا تشتته؛ فلو امتلك الرسم عند الحسين قانوناً ثابتاً يحكم علاقته بالتسمية، لتوقفت الذاتية نفسها عن أن تكون عارضة. ومن هذا التعدد تنبثق فرادة التجربة: ليست دعوة صريحة ولا بياناً نظرياً، بل ممارسة صامتة، مموّهة خلف عناوين بريئة، تعيد من الداخل صياغة أسئلة الرسم الأساسية – ماذا نرسم؟ ومن يملك حق تحديد صورة ما نرسمه؟ وأين يقع التمثيل حين لا يعود العالم مرجعه الوحيد؟

 

ولعل الجواب هو أن الذات ليست شيئاً يظهر داخل اللوحة، بل الشرط الذي يجعل ظهور الأشياء فيها ممكناً – ذات تتعين في الفعل، ثم تتبدد بانتهائه، لتُعاد صياغتها في العمل التالي. لهذا يكون الرسم حدثاً: لأن العالم والذات لا يخرجان منه كما دخلاه؛ ولعل عبارة "عندما لا يكون هناك شمس أصنع واحدة" هي، من دون أن تقصد ذلك، أقرب ما يكون إلى بيان جمالي لهذه التجربة كلها: ألا تقبل الذات توزيع العالم للحضور والغياب كما هو، وإنما تعيد توزيعهما بالرسم..

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث