"ماذا لو خانك جسدك؟!": رحلة إيمان صبحي مع صداع وأدوية كاذبة

المدن - ثقافةالخميس 2026/08/20
ايمان صبحي
في شوارع القاهرة: "هاشيت أنطوان/نوفل" تحتفل بصدور كتاب إيمان صبحي
حجم الخط
مشاركة عبر

يصدر قريباً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان، كتاب "ماذا لو... خانك جسدك؟!" لصانعة المحتوى المصرية إيمان صبحي، وفيه تكتب صبحي مذكراتها اليومية حيث توثّق مواجهة قاسية استمرت 365 يوماً. من وسط القاهرة احتفلت دار هاشيت انطوان بقرب صدور الكتاب بنسخة عملاقة تشبه حجم التجربة.

 

وعبر فصول الكتاب، تأخذنا إيمان في مشوار من المعاناة والضياع بسبب مرض مجهول أدى إلى تناولها أدوية خاطئة لشهور، حتى فقدت قدرتها على الحركة تماماً. الكتاب توثيق صادق وحقيقي لأسئلة ومشاعر وصراعات داخل كل شخص خذله جسده يوماً ما.

كتاب

وجاء في نبذة الناشر:

«ماذا لو؟ خانك جسدك؟!» هو كتاب مذكرات يومية لصانعة محتوى برنامج «ماذا لو؟» إيمان صبحي، تسرد من خلاله رحلتها الشاقة مع الصداع المزمن وآلام الجسد منذ بدأت عوارضه بالظهور. تصف معاناتها اليومية ومحاولاتها المستمرة لمعرفة سبب أوجاعها، كما تتطرق إلى التحديات النفسية والاجتماعية التي واجهتها بسببه.

 

يتناول الكتاب أيضًا رحلاتها إلى مدن عديدة، مثل عمان، والقاهرة، وبيروت، وجدة، حيث تتعمق الكاتبة في وصف تجاربها مع المجتمع المحلي والأطباء والأصدقاء. تقدم المذكرات رؤية شاملة لتأثير المرض على حياتها المهنية والشخصية، مسلطة الضوء على الإرهاق النفسي والجسدي الذي تعيشه يومًا بعد يوم.

 

من خلال صفحات الكتاب، تشارك الكاتبة تفاصيل دقيقة عن تأثير المرض على أنشطتها اليومية، مثل التسوق والعمل والتفاعل مع الأصدقاء. كما تتناول بعمق مشاعرها وأفكارها حول المستقبل، وتستعرض كيفية تعاملها مع الألم والأمل والخوف خلال الرحلة الشاقة التي خاضتها نحو التشخيص الصحيح، آملةً بذلك أن تساعد الآخرين الذين يعانون من آلام مزمنة مشابهة
 

في النهاية، تختم الكاتبة كتابها برسالة ملهمة حول أهمية الصبر والتحمل والإيمان بالنفس، مشيرة إلى أن كل تحدٍّ واجهته كان جزءًا من رحلتها نحو التعافي والنمو الشخصي.

 

هذا الكتاب هو سرد مؤثر وصادق لمعاناة شخصية مع المرض، يعكس قدرة الإنسان على التحمل والتكيف مع الظروف الصعبة، كاتبته صانعة محتوى محبوبة لدى أبناء الجيل الجديد يتابع صفحاتها المئات منهم. 

 

ايمان صبجي

في ما يلي مقتطفات حصرية تنشرها "المدن" من كتاب "ماذا لو...خانك جسدك؟!" للمصرية إيمان صبحي

 

مذكّرات المرض: اليوم 298

25 يوليو 2023 - القاهرة

 

لقد خرجت مرّة أخرى من تحت الأنقاض، من موتٍ محتمل، من ألمٍ لا يستطيع جسدي تحمّله، للمرّة الألف، اعتقدت أنّي لن أنجو ولكنّي نجوت، وأكتب لك مرّةً أخرى عن آلامٍ مبرّحة وقيءٍ ودموع لانهائيّة.

 

ما الذي يحدث في جسدي؟ يدفعني هذا السؤال إلى الجنون، ويدفعني لأقرأ أكثر عن معاناتي المخفيّة، عن الصدمات التي عشتها في حياتي، عن طريقة تربيتي الخاطئة جدًّا، يدفعني لاكتشاف ما حدث للصغيرة التي بداخلي.

 

في تلك السنة قرأت عددًا لا بأس به من الكتب عن ردود فعل الجسد مع الصدمات، من أول كتاب «The body keeps the score»، وأيضًا «When the body says no»، وأخيرًا، وهو الكتاب المفضّل عندي حتّى الآن، لأنّه الأبسط والأوضح والأقلّ علميّةً والأكثر اجتماعيّةً، كتاب أوبرا وينفري الذي يجعلني عنوانه أبكي تلقائيًّا: «What happened to you?».

 

أخذت خلال قراءة عشرات الصفحات في هذا الكتاب أتساءل: ما الخطأ بي؟ حتى حوّلته أوبرا التي كانت صريحةً في أوّل الكتاب قائلةً إنّ هذا السؤال يجب أن يتغيّر مباشرة إلى: ماذا حدث لي؟

 

والآن أكتشف ماذا حدث لي؟ تتفاقم آثار الصدمات في قلبك كلّما تكبر، وكأنّ جسدك كان قادرًا على أن يتحمّل كلّ هذا ولكنّه يضعف مع العمر، لقد وجدت قبل ثلاثة أيّام الكثير من الشعر

 

الأبيض موزّعًا في رأسي، إنّها ليست شعرةً واحدة، إنّي أتّهم المرض، وأتّهم الأدوية الكثيرة، وأتّهم أيضًا صدماتي المتتالية، وأكبر متّهمٍ في تلك القضيّة هو:

عدم قدرتي على الحبّ.

 

تعلّمت كطفلةٍ أن أخاف من الناس، تعلّمت أنّهم في الأصل أشرار، مؤذون، فكبرت أعيش في هذا الخوف، الذي جعل مخّي دائمًا ينتقل بين الـ fight and flight mode، وبين الـ daydreaming (أحلام اليقظة) للهروب من الواقع.

 

لا أستطيع أن أحبّ، وأجد صعوبة في استقبال الحبّ، أتوقّع من الجميع أن يتركوني وحيدة، ورغم أنّ ذلك عكس الواقع كلّه، ولكنّ الواقع في عقلي مختلفٌ تمامًا، نحن نكوّن رؤيتنا عن العالم منذ الصغر، وهذه الرؤية تمثّل الأساس الذي نتعامل به مع الآخرين.

 

وإن كنت طفلًا لم يستقبل الحبّ ولم تُقَدَّم احتياجاته من حبٍّ ورعاية، ينتهي بك الأمر بجهازٍ عصبيّ مضطرب، وسيضرّ ذلك نظام الاستجابة للضغط بداخلك، وربّما سيصبح عقلك مثلي يشعر بالضغط طوال الوقت، وهذا الضغط يؤدّي بجسمك إلى التهلكة، يساعد في إجهاد كلّ أعضاء جسمك، ويسبّب أمراضًا خطيرةً كالسرطان والأمراض المناعيّة.

 

حتّى تنظيم جهازك العصبيّ المضطرب يحتاج إلى مجهودٍ ضخم، وشجاعةٍ كبيرة، ومساعدةٍ من الآخرين، الآخرين الذين عادةً هم أيضًا بجهازٍ عصبيّ مضطرب، نحن نتجاذب... أؤمن بأنّ الناس يجذبون من يشبههم في الصدمات النفسيّة، لأنّهم قادرون على التواصل، كيف أشرح لأحدٍ هذا الحزن الذي كان يصيبني كلّما صعدت سلالم منزلنا الحزين، كيف أنّي كنت طفلةً أشعر بأنّ هذا المكان لا يحتضنني، ولا يمثّلني، ولا يحبّني، ولا يفضّلني، ولا يقدّرني، الآن أتعجّب، كيف يتعرّض طفلٌ ما لكلّ هذا التوتّر في صغره، إنّه عذاب، أبكي من أجل الطفلة التي كنتُها، والتي جعلتني شابّةً خائفة، ذات شعرٍ أبيض قبل أن تكمل الثلاثين!

 

أنا في المطلق، أشعر بأنّي جاهزةٌ الآن، حتّى أفهم كلّ ما حدث لي، حتّى أتحدّث لأمّي عن كلّ هذا، وأنتظر منها ردودًا تريحني، أو تجعل حالتي أكثر تعقيدًا، لذا سأذهب إليها اليوم.

 

وأثناء مرضي ومعاناتي أحاول ترتيب أوراق أعمالي مرّة أخرى، فأمس عيّنت مديرًا جديدًا وأيضًا اثنين آخرين من كتّاب النصوص.

بدايةٌ جديدة وموفّقة، بدايةٌ يصحبها ويتخلّلها المرض.

 

مذكّرات المرض: اليوم 335

31 أغسطس 2023 - القاهرة

كلّ ما ظننته يحدث فقط للآخرين... يحدث لي!

و«كلّ» هنا أعني بها كلّ ما هو سيّئ، من تحرّش، إلى عددٍ لانهائي من الإساءات التي تعرّضت لها في صغري، وبيئةٍ غير صحّية أبدًا ترعرعت فيها. أكبر قليلًا ثمّ تقع وفاة أقرب أصدقائي وأنا في بداية العشرين، فأدخل في اكتئابٍ حادّ لا أتعالج منه أبدًا، ولكنّي استطعت أخيرًا العيش معه، الاكتئاب زاويةٌ سيّئة جدًّا للعالم، حينما تراها لا تستطيع أن تنساها أبدًا، ولا يمكنك أن ترى العالم بنفس الحال مرّةً أخرى، أحاول أن أشرح نفسي، ولكن لا أعرف إن كنت قادرة على توصيل أيّ فكرةٍ لأيّ شخص.

 

بداخلي الكثير الذي يحتاج إلى إعادة ترتيب، ولكن كلّ ما يمكنني استيعابه الآن، أنّ هذه الأوراق التي بدأت بمرض، تنتهي أمامنا بخطوةٍ تدفعنا إلى الأمام بالتأكيد، ولكنّها صعبةٌ ومرهقة وموتّرة جدًّا. خطوةٌ طلب منّي طبيبي أن أقوم بها في أقرب وقت، خطوةٌ لا أعرف إن كنت مستعدّةً لها أم لا ولكنّ طبيبي قال لي إنّي مستعدّة.

ما أحتاج إليه الآن:

علاج للتروما

Trauma Therapy

نوع من أنواع العلاج النفسي، يعمل على تقليل الآثار النفسيّة للصدمات، وتبعات الآثار النفسيّة على الأفعال، يا إلهي، إنّه يبدو عملًا شاقًّا جدًّا، لا أريد القيام بذلك، ولكنّي لا أملك الخيار. إمّا أن أعيش محطّمة طوال حياتي، أو ألقي نفسي أمام قطار العلاج، فأتحطّم قليلًا، ثمّ أُشفى في ما بعد.

 

الاختيار واضح.

يبدو أنّ هذه الأوراق ستنتهي وأنا أبدأ رحلةً جديدة من العلاج، ولكنّها تلك المرّة رحلة علاج أدخلها باختياري.

كلّ ما ظننته يحدث فقط للآخرين

يحدث لي!

حتّى تلك الأشياء السعيدة الاستثنائيّة، كالتي أملكها الآن: القدرة العظيمة على أن أتكلّم معك على موبايلك، وحتّى في أوراق كتاب، إنّه حدثٌ استثنائي، إنّها قدرةٌ كنت أظنّها أيضًا تحدث للآخرين، ولكن يا إلهي إنّها تحدث معي أيضًا.

أنا الآخرون.

 

إيمان صبحي

يعرفها الجميع صاحبة التساؤل الشهير «ماذا لو؟» والتي استطاعت بجرأتها أن تفرض نقاشات غيّرت ملامح المحتوى العربي. لكن الحكاية بدأت قبل «التريند» بسنوات طويلة؛ وتحديدًا في السابعة من عمرها حين بدأت تنادي الخيال بالقلم، لتتوج عام 2008 بلقب «أصغر أديبة في مصر» بمجموعة قصصية صدرت عن وزارة الثقافة المصرية. من أروقة الإعلام في جامعة القاهرة وصحافة الكلمة، إلى ريادة المحتوى الرقمي منذ 2020، وصولًا لتكريمها كرائدة الشباب العربي العام 2025.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث