قلق سكينة حويلا بالأكواريل الصعب: الخطأ الأول هو الأخير

محمد شرفالخميس 2026/08/20
سكينة حويلا
الرسم بالألوان المائية ليس قصة، بل هو ترجمة لشعور
حجم الخط
مشاركة عبر

في مدينة صور، وفي مكان غير بعيد من "قلعة بحر صور"، تراقب الفنانة التشكيلية سكينة حويلا ما يدور بالقرب منها من حوادث ومجريات، وأحوال الناس والطبيعة. قد لا تُرى من تلك الزاوية "صخرة جبل عامل" (في استعادة لكلمات الشاعر جوزف حرب)، لكن تلك الأمكنة كلّها حاضرة في بالها. ترسم سكينة ما يقلقها، كما تقول، وتضيف: "من الطبيعي أن يتأثر الفنان بالظروف المحيطة به، وأن تنعكس على ما يفعله.. الفنان ابن بيئته".


من يشاهد أعمال الفنانة، وهي التي في معظمها، إن لم تكن كلّها، منفّذة بتقنية الألوان المائية، لا بد من أن يتلمّس ذاك الشيء الذي قال عنه الرسام الإيطالي هيغو برات: "إن الرسم بالألوان المائية ليس قصة، بل هو ترجمة لشعور، أو ذكرى، أو حالة ذهنية". أما يوجين ديلاكروا، زعيم الرومانسية الأوروبية، وبالرغم من أن أشهر أعماله مشغولة بالألوان الزيتية، فلم يتوانَ عن القول: "يكمن السحر الخاص للألوان المائية، التي تبدو بجانبها جميع اللوحات الزيتية حمراء اللون وشبيهة بالبول، في هذه الشفافية المستمرة للورق".

سكينة حويلا

ولمن لا يعلم، أو من لا تجمعه علاقة وثيقة بموضوع التشكيل، ينبغي القول إن تقنية "الأكواريل" لا تحتمل الخطأ، أو التكرار وتكديس الألوان، كما في تقنيات أخرى تسمح بهذه الخطوة وتستدرج الصانع إلى القيام بها. ومن قبيل التماثل، على ما في الأمر من اختلاف وتناقض، وربما بعض من الطرافة، يمكن القول إن التعامل مع الألوان المائية يشبه التعامل مع المتفجرات، حيث تسري عبارة معروفة في ذاك المجال مفادها: "إن الخطأ الأول هو الخطأ الأخير"، الذي يقود إلى نهاية مأسوية. 

سكينة حويلا

لكن، وبعيداً من كل ما هو متفجّر، بعدما أنهكتنا تلك الأصوات التي يسمعها البعض مباشرة، ويسمع أخبارها البعض الأخر، أو يراها في وسائل الإعلام، فإن سكينة قد عاشتها فعلاً، وهي ابنة الجنوب الذي ما زال يرزح تحت وطأة حرب لا ندري متى ستنتهي، في ذلك الجزء من الأرض اللبنانية التي تبدو قريبة منا، وبعيدة أيضاً في آن واحد. 

 

هكذا، وتحت سماء يلّفها الدخان وأصوات الإنفجارات، تنسج سكينة عالمها الخاص الذي، وبالرغم من الذاتية الخاصة بكل رسّام، يحمل آثار الواقع الموضوعي، بكل ما فيه من خصوصيات. إنه الإجتماع الدقيق، والصعب أحياناً، بين الخاص والعام. الخاص الذي يتمثل في أنواع الشعور الكامن في النفس، والعام الذي لا يهمل المحيط. هذا المحيط، الذي تمثله الفنانة، لم ينحُ صوب تمثيل تصويري كامل الأوصاف، كما نرى في النتاج الكلاسيكي، إذ اقتطعت سكينة أجزاء منه، وجمعتها على هواها، في اختصار واضح ومقصود. 

 

في أعمال سكينة، سنرى البحر وروّاده يرتعون على شاطىء مدينة صور المعروف بنقاوته. أزرق بارد للبحر، ورمال رمادية للشاطىء بدلاً من الأصفر. لنا أن نتساءل عن هذا القرار اللوني، الذي ربما أرادته الفنانة ذا قيمة تعبيرية. سنرى، أيضاً، العمارات الواقعة على ضفافه، أو زوارق تنتظر همّة الصيّادين الطامحين إلى صيد وفير. ثمة أشجار صنوبر ونخيل، وصبّار يحتل مساحة الورق، من دون أن تنسى الفنانة أجواء الحرب: سمّاء ملبّدة بدخان القنابل، وسيارة تحمل مجموعة من الأفراد، كباراً وصغاراً، في رحلتهم المؤقتة والقلقة نحو زوايا آمنة. 

سكينة حويلا

وإذا كنا تحدثنا عن خصوصيات تقنية الألوان المائية، فإن الفنانة كانت طبّقت شرطاً يقع في أساس هذه التقنية: الشفافية. لا حاجة لطمس معالم الورق، وتحميله أكثر مما يحتمل، كما لا حاجة لأن يحتل العمل مساحة الورق كلّها. إطار أبيض قد يحيط بالمتن بعيداً من الشكل الهندسي. مدخل آخر من المداخل التي تشبه انسياب الماء على الأرض، ضمن بقع ذات أطراف غير متساوية. ضربات فرشاة خفيفة، تميّز أعمالاً سريعة أشبه بما كان يقوم به الرحّالة لدى مرورهم أمام مشاهد تتناسب مع أذواقهم. حين نوجه عقولنا إلى شيء بسيط وبريء مثل رسم لوحة بالألوان المائية، فإننا ننسى قليلاً من المعاناة، التي تنشأ من انتمائنا إلى عالم جن جنونه. وكما هو الحال مع أمور أخرى تحدث الآن في عالمنا المضطرب، يجب ترشيد التفكير. هناك أشياء كثيرة يصعب تحمّل التفكير فيها، إذ قد يُضرّ هذا التفكير بفرصنا، التي لم تعد ذا اتساع فضفاض.
 

في المعرض الجماعي، الذي يضم 17 فناناً وفنانة، المقام حالياً في بيروت من تنظيم "زفتا آرت هاوس" والمعنون "تحت سماء واحدة"، شاركت سكينة بعملين صغيري الحجم، لكنهما كانا كافيين لإبراز أسلوبها، وعلاقتها الوثيقة بالأرض والطبيعة، وبالإنسان أيضاً.  

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث