في أيار/مايو 2026، أصدر البابا ليو الرابع عشر، أولى رسائله البابوية الكبرى، "الإنسانية الرائعة" Magnifica Humanitas، نحو 43 ألف كلمة لا تدور إلا حول الذكاء الاصطناعي. لم يقف الحبر الأعظم عند التحذير من تقنيةٍ تتسارع؛ فقد بلغ به القلق أن يستعيد قصّة برج بابل حيث تقف البشرية، في رأيه، أمام خيارَين لا ثالث لهما — عالمٌ تسوده القوة والهيمنة التقنية، أو صرحٌ يُعاد بناؤه على التضامن والعيش المشترك. وحذّر من "إلهٍ جديد" تصنعه شركات التكنولوجيا، ومن أن يتحوّل الإنسان إلى ترسٍ في منظومةٍ لا تعرف غير الكفاءة والإنتاجية، داعياً إلى أطرٍ قانونية صارمة ورقابةٍ مستقلّة تنزع عن الآلة سلاحها. والخطر في قراءته ليس في التقنية ذاتها؛ فمصدره القوى التي تتحكّم فيها، إذ يحمل الذكاء الاصطناعي — وهو ليس محايداً — قيم الجهات التي تطوّره وتموّله وتستخدمه ومصالحها.
على أنّ هذا الرعب ليس وليد اللحظة. فقبل ستين عاماً تقريباً، في حوارٍ مع مجلة دير شبيغل الألمانية أُجري العام 1966 ولم يُنشَر إلا بعد موت صاحبه العام 1976، نطق مارتن هايدغر بجملته الشهيرة: "لم يعد بمقدور سوى إلهٍ أن يُنقذنا" Nur noch ein Gott kann uns retten. وكان يتحدّث عن التقنية بوصفها قدراً يقتلع الإنسان من جذوره؛ ولم يقصد آلةً بعينها، وإنّما ما سمّاه التأطير Gestell وهو نمط من الكشف يحوّل كلّ موجود، بما فيه الإنسان، إلى مخزونٍ جاهزٍ للاستعمال. وبين هايدغر والبابا خيطٌ واحد، كلاهما يمدّ يده إلى ما وراء الإنسان طلباً للخلاص. وما يسمّيه وادي السيليكون اليوم، بلغةٍ باردة "احتمال الهلاك" P(doom) — أي احتمال أن تمحو الآلةُ البشريةَ — ليس سوى الاسم العلماني لرعبٍ لاهوتيّ قديم. وبهذا يصحّ القول إنّ الخوف من الهلاك قد اقترب من الفاتيكان أخيراً، وقد كان عند هايدغر منذ نصف قرن.
ولهذا الإله الجديد نبيٌّ كتب إنجيله سلفاً، يدعى يوفال نوح هراري، الذي بشّر في كتابه "الإنسان الإله" Homo Deus بنزعة البيانات Dataism. وهي في عمقها وريثةُ فكرة نهاية التاريخ الهيغلية؛ إذ هي لا تتوّج الوعي البشري قَدْر ما تُحيله إلى نظامٍ يتجاوزه. فإذا كان الغرب قد استبدل بالله روحاً، ثم استبدل بالروح بياناتٍ، يكون احتمال الهلاك عنده رؤيا آخر الزمان في ثوبٍ علمانيّ، تُطلّ بها حضارةٌ صارت تخشى صنيعَ يدها. والبابا وهايدغر شاهدان على هذا الخوف نفسه، لا تفصل بينهما سوى خمسين عاماً.
بيد أنّ هذا السجال كلّه شماليّ المنشأ. ومن هنا تأتي مداخلةٌ لافتة عنوانها "من على تلّ الجزر: في الضرورة الكونية لمداخلةٍ فلسطينية في السجال الأخلاقي حول الذكاء الاصطناعي". يفتتحها الدكتور الفلسطيني خالد عودة الله باقتباسٍ من هايدغر نفسه، ثم يوجّه اللوم إلى مثقّفي المنطقة الذين "يكرّرون كالببغاوات ما يقوله غيرهم، وكأنهم هم مَن يصمّم هذه المنظومات لا مجرّد مستهلكين لها". وليست الضرورة الكونية التي يتحدّث عنها ترفاً نظرياً، فمن يغيب عن صياغة أخلاق الآلة يُكتَب مصيره بها لا معها. والمحاضرة عمداً، مكتوبةٌ باليد من دون أيّ أداةٍ ذكية — فعلٌ صغير يقاوم التقنية التي ينتقدها، ويستردّ زمام المعنى ممّن يصنعون أدواته.
وليس اختيار تلّ الجزر اعتباطاً. فالتلّ يقع قرب قرية أبو شوشة المهجَّرة قضاء الرملة، وهو طبقاتٌ من التاريخ تتراكب، نجد فيه تقويمٌ زراعيّ كنعانيّ من أقدم النقوش المعروفة، صِيغ على هيئة أنشودةٍ تُلقَّن الأطفالَ مواسم البذار والحصاد؛ وأوّل هزيمةٍ لصلاح الدين hgعام 1177 أعادت تشكيل عقيدته العسكرية حتى انتصار حطّين؛ وأوّل مزرعةٍ حديثة أدخلها مستعمِرٌ ألمانيّ فصارت مهداً للحداثة الاستعمارية ولعلم الآثار التوراتي، قبل أن تُباع — حين تعثّر المشروع — إلى صهاينةٍ أميركيين ورثوا "الإرث الحداثيّ" على التلّ نفسه؛ ثم مجزرةٌ صهيونية hgعام 1948 دُفن ضحاياها في الكهوف التي تُسمّى اليوم آثاراً. وعلى أرض هذه القرية بالذات تقوم مستعمرة كرمي يوسيف حيث يقيم صاحب "الإله الجديد" — كما يصفه المحاضِر — بوصفه الطبقة الأخيرة من تاريخٍ استعماريّ طويل، ومثقّفاً عضوياً للمشروع الصهيوني. هكذا تُصدّر التربةُ التي احتضنت الحداثة الاستعمارية هلعَها الأخلاقيّ من الآلة إلى العالم أجمع.
وهنا ينقلب السؤال رأساً على عقب. ففي الشمال احتمال الهلاك توقّعٌ مؤجَّل وقد تتجاوز الآلةُ الإنسانَ يوماً وتمحوه. أمّا في الجنوب فهو فعلٌ حاضر، حيث الآلة تقتل الآن. التجاوز الأوّل الذي تحقّقه الآلة ليس وعياً يفوق الإنسان؛ إنّه القدرة على قتله عن بُعدٍ بلا حسابٍ ولا ندم — وهو عينه ما حذّر منه البابا حين تحدّث عن حروبٍ لا تنتهي وعن ذكاءٍ يعزّز القتل من وراء الشاشات. في مؤتمرٍ بمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، كما ينقل المحاضِر، يُناقَش مفهوم القتل الفائض علاجاً لفشل تقنيات مكافحة التمرّد، وتُدار سجالاتٌ حول التناسب في استهداف المدنيين والجسد الذي تختار الخوارزميةُ قتلَه ليس تجربةً ذهنية. حتى يغدو نزع سلاح الذكاء الاصطناعي الذي دعا إليه البابا شعاراً مزدوج المعنى، تحذيرٌ من المستقبل حين يُقال في روما وواقعٌ يوميّ حين يُعاش في غزة.
يُسأل مهندسٌ سوريّ يعمل في قلب صناعة الذكاء الاصطناعي سؤالاً يفتتح الحديث ويختمه معاً: كم تتخيّل احتمال الهلاك؟ يصف الأرقام المتداوَلة بأنها مضحكة؛ فالخطر عنده ليس هيّناً لكنّ العلّة في السؤال ذاته، إذ تكتنفه إشكالياتٌ معرفية، لو بلغ احتمال فناء البشرية واحداً في المليار، وجب توجيه كلّ مواردنا إليه؛ وهكذا ينهار رقمٌ واحد تحت ثقل ما يدّعي قياسه. إنه شكٌّ جنوبيّ يطال أداة الشمال التي تزعم حساب الخطر لا الخطر نفسه. وليس عبثاً أن يصدر هذا الشكّ عن مهندسٍ خرج من دمشق إلى مخابر الغرب يجلس في قلب الآلة.
بهذا تتكشّف ثلاث لهجاتٍ لخوفٍ واحد: "لا يُنقذنا إلا إله" عند هايدغر و"الإله الجديد" عند البابا و"احتمال الهلاك" في وادي السيليكون — كلّها رعبُ الصانع أمام صنيعه. أما السؤال بالنسبة لنا فيكون هلاكٌ لمن، ويُقاس من أين؟ كتب البابا 43 ألف كلمة عن مخاطر الآلة؛ وكتب محاضِرُ تلّ الجزر صفحاته باليد، استعادةً لما سمّاه هايدغر، نقلاً عن شاعرٍ مقاوم، سماها القوة غير العنيفة للتفكير والشِّعر. ولعلّ أوّل ما يلزمنا، قبل أن نحتسب نهاية العالم، أن نسأل: أيّ نحن نقصد؟ فبابلُ، حين تشظّت ألسنتها، لم تتشظَّ بالتساوي.




