في 18 نيسان 2023، اتخذت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إجراءات ضد تاجر الأعمال الفنية اللبناني ناظم أحمد، الذي اتهمته السلطات بالمساعدة في تمويل حزب الله. وقد شملت هذه التدابير تجميد الأصول وتقييد الوصول إلى الأنظمة المالية في كلا البلدين. كما سلطت الضوء على قلق أوسع نطاقاً: وهو أن أسواق الفن يمكن استغلالها ليس فقط في التجارة الثقافية، بل أيضاً في غسل الأموال، والالتفاف على العقوبات، ونقل الأموال إلى جماعات مسلحة.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأنها تظهر استعداد الحكومات للتعامل مع تجارة الفن باعتبارها جزءاً من البنية التحتية للتمويل غير المشروع. إذ يمكن نقل الأعمال الفنية عالية القيمة عبر الحدود، وبيعها عبر وسطاء، وحيازتها من قبل شركات أو هواة جمع خاصين، مما يخلق فرصاً لإخفاء مصدر الأموال ووجهتها النهائية. ومن ثم، فإن العقوبات المالية تؤدي غرضاً مزدوجاً: عقابياً ووقائياً؛ فهي قادرة على تعطيل الشبكات قبل أن يتحول سوق الفن إلى قناة لتمويل الإرهاب.
وتثير هذه السياسة تساؤلاً صعباً بشأن الفن العراقي الحديث الذي نُهب خلال فوضى غزو العام 2003 وما تلاها من أحداث؛ فقد اختفت أعمال لفنانين عراقيين رواد من مؤسسات مثل "مركز صدام للفنون"، وانتقلت لاحقاً إلى مجموعات خاصة وصالات عرض، وفي بعض الحالات، إلى متاحف خارج العراق. ولا تزال بعض هذه الأعمال تُعرض للبيع رغم قوانين حماية الممتلكات الثقافية في العديد من البلدان والمبادئ الدولية التي تحكم التعامل مع المقتنيات التي نُقلت أثناء النزاعات.
ومع ذلك، ينبغي إجراء المقارنة مع قضية ناظم أحمد بحذر؛ فالعقوبات المفروضة بتهمة تمويل الإرهاب تتطلب أدلة تربط الشخص أو الكيان بنشاط مالي محظور، ووجود عمل فني -يُحتمل أنه منهوب- ضمن مجموعة ما لا يثبت بحد ذاته وجود مثل هذه الصلة. بل قد تتعلق المسائل القانونية بقضايا السرقة، أو التصدير غير المشروع، أو إخفاء مصدر العمل الفني (تاريخ الملكية)، أو الحيازة غير القانونية، أو الإخفاق في إجراءات العناية الواجبة الكافية.
ورغم ذلك، فإن التفاوت الملحوظ في تطبيق القوانين يستدعي التدقيق؛ إذ تمتلك السلطات في الولايات المتحدة وبريطانيا والعراق آليات -تشمل الرقابة الجمركية، وقواعد مكافحة غسل الأموال، ومصادرة الأصول، وإجراءات شطب الأعمال من سجلات المتاحف، ومطالبات الاسترداد- يمكن استخدامها بفعالية أكبر عند توفر أدلة موثوقة تحدد الأعمال التي نُقلت من مؤسسات عراقية. وينبغي إلزام هواة الجمع والمتاحف بإثبات مشروعية مصدر الأعمال الفنية، لا سيما تلك التي خرجت من العراق إبان الحرب وتفتقر إلى سجل موثق لتسلسل الملكية. لا تكمن العبرة المستخلصة من قضية العقوبات المتعلقة بـ "أحمد" في أن كل عمل فني محل نزاع يُعد جزءاً من شبكة لتمويل الإرهاب؛ بل تكمن في أنه لا يمكن التعامل مع سوق الفن بمعزل عن القضايا الأوسع نطاقاً المتعلقة بالجرائم المالية والأمن القومي.
فإذا كانت الحكومات مستعدة لتجميد الأصول عند استخدام الأعمال الفنية -مزعوماً- لدعم جماعة مسلحة، فينبغي عليها أيضاً ممارسة ضغوط تحقيقية مستمرة في الحالات التي يُشتبه فيها بأن قطعاً فنية قد نُهبت أثناء النزاعات. إن حماية الفن العراقي الحديث تتطلب ما هو أكثر من مجرد إدانة السرقة؛ فهي تستلزم إجراء أبحاث تتسم بالشفافية حول مصدر الأعمال الفنية وتاريخ ملكيتها، وتعزيز التعاون بين الدول والمتاحف، وإعادة الأعمال التي يتعذر إثبات ملكيتها القانونية. وهنا يبرز السؤال المهم: لماذا لا تشمل التدابير الحالية لمكافحة الفساد وغسل الأموال في العراق عمليات الاتجار غير المشروع بالأعمال الفنية العراقية؟
(*) عن فايسبوك




