لعل أفهوم موسى وهبه(1941 - 2017) للفلسفة يبعث في النفس القلق بقدر ما يبعث فيها من الأمل. فهو يُقلِق؛ لأنّه يكشف ضخامة المهمّة التي ينهض بها الفيلسوف، ويبيّن في الوقت نفسه مدى ابتعاد الممارسة الفكرية العربية المعاصرة عنها. فما إن يظهر سؤالٌ سياسيّ أو اجتماعيّ حتى يندفع كثير من المتفلسفين العرب إلى الانخراط في هموم الثورة والتغيير، قبل أن يمنحوا أنفسهم الوقت الكافي للتفكير الهادئ الذي يقتضي البحث عن الحقيقة لذاتها لا من أجل منفعةٍ مباشرة أو غايةٍ عملية. هكذا يصبح الفكر تابعًا للفعل، بدل أن يكون شرطًا لإمكانه.
من هنا يفسّر وهبه ظاهرةً لطالما رافقت التاريخ العربي الحديث: فالتغيير، عندما يقع، لا يقود بالضرورة إلى الأحسن، بل قد ينتهي إلى إعادة إنتاج ما كان يريد تجاوزَه، وربما إلى ما هو أسوأ منه. وليس السبب، في نظره، نقص الحماسة أو غياب الإرادة، بل غياب العمل الفلسفي الذي يسبق العمل السياسي ويؤسّس له. فالثورات التي لا تسبقها ثورة في الأفاهيم ولا ترافقها مراجعة جذرية لصور الفكر، سرعان ما تتحول إلى تبديلٍ في الوجوه أو في موازين القوى، من غير أن تمسّ البنية العميقة التي تنتج الاستبداد.
كان وهبه شديد التحفظ تجاه الخلط بين الفلسفة والإيديولوجيا. فالمتفلسفون العرب، في رأيه، أخطأوا معنى الفلسفة والغاية منها؛ إذ جعلوا التفكير في خدمة قضيةٍ مسبقة
لهذا كان وهبه شديد التحفظ تجاه الخلط بين الفلسفة والإيديولوجيا. فالمتفلسفون العرب، في رأيه، أخطأوا معنى الفلسفة والغاية منها؛ إذ جعلوا التفكير في خدمة قضيةٍ مسبقة، بينما الفلسفة تبدأ حين يتحرر الفكر من كل غايةٍ خارجية، ويصبح مطلبُ الحقيقة غايتَه الأولى. لذلك كان معظمهم مثقفين كبارًا، وربما مناضلين عظامًا، لكنهم لم يكونوا فلاسفة بالمعنى الذي يعطيه وهبه للكلمة.
التمهيد لفيلسوف المستقبل
هذا الفهم نفسه هو الذي منح مشروع وهبه طابَعه الواعد. فهو لم يكن يدّعي أنّ الفلسفة العربية قد تحققت، ولم يكن يزعم أنّه أنجزها، بل كان يرى أنّ مهمته ومهمة جيله تقتصر على التمهيد لها. لذلك كان يصف عمله بأنّه إعدادٌ للأرض التي قد يظهر عليها يومًا ما فيلسوفٌ عربي حقيقي، من غير أن نعرف متى يأتي أو أين يولد. والحكمة، في نظره، ليست في التنبؤ بهذا الفيلسوف، بل في إعداد الشروط الفكرية التي تجعل ظهوره ممكنًا.
من هنا تأتي أهمية مشروعه في الترجمة. فترجمة النصوص الفلسفية الكبرى ليست عنده عملًا تقنيًّا أو لغويًّا، بل ممارسةٌ فلسفية كاملة. فالمترجم الحقيقي لا ينقل الكلمات، بل يدخل في حوارٍ مع الفيلسوف الذي يترجمه، ويقدّم قراءةً جديدة له، تنافس القراءات العالمية الأخرى. لذلك لم تكن ترجمته لكتاب "نقد العقل المحض" مجرد نقلٍ عربي للنص الكنطي، حتى غدت قراءةً فلسفيةً جديدة لكانط، تدخل في حوارٍ مع قراءات هيدغر ودولوز وغيرهما من كبار دارسيه.
الفلسفة سيّدةٌ لا خادمة
ليست الفلسفة، في جوهرها، ضُمّةً من الأفكار الجاهزة، ولا مخزنًا للأجوبة التي يمكن استدعاؤها عند الحاجة، ولا ترسانةً من الآراء التي تُجمع وتُرتَّب لتدعيم موقفٍ سابق. فالفلسفة ليست أداةً في خدمة عقيدةٍ أو مذهبٍ أو إيديولوجيا، بل هي قبل ذلك كلّه نشاطٌ نقديّ مستقلّ يجعل من كلّ ما يبدو ثابتًا موضوعًا للسؤال.
غير أنّ الفلسفة فقدت، في مراحلَ كثيرةٍ من تاريخها، هذا الاستقلال، عندما حُوّلت إلى خادمةٍ لسلطاتٍ خارجها. فعندما تصبح الفلسفة مجرّد وسيلةٍ لتبرير ما نؤمن به مسبقًا، فإنّها تفقد جوهرها؛ لأنّ الفيلسوف لا يبدأ من حقيقةٍ مكتملةٍ يريد الدفاع عنها، بل من سؤالٍ يفتح مجال البحث.
لقد عبّر القديس أنسلم في العصور الوسطى عن هذا الوضع عندما وصف الفلسفة بأنّها "خادمة اللاهوت". ولم تكن هذه العبارة مجرّد وصفٍ لعلاقةٍ تاريخية بين الفلسفة والدين، بل كانت تعبيرًا عن تصوّر يجعل الفلسفة تابعةً لحقيقةٍ مقرَّرةٍ سلفًا، مهمتها أن تبحث عن الأدوات العقلية التي تدعمها.
ثم جاء أوغيست كونت، ومن بعده الوضعيّة المنطقيّة، ليقترحا شكلًا آخر من التبعيّة، حين جُعلت الفلسفة نشاطًا تابعًا للعلم، لا وظيفةَ لها إلا تحليل اللغة العلمية وتنقيتها من الرواسب الميتافيزيقية. هكذا انتقلت الفلسفة، في بعض التصورات، من خادمةٍ للاهوت إلى خادمةٍ للعلم.
أما اليومَ، فإنّ الخطر الذي يهدّد استقلال الفلسفة لا يأتي من اللاهوت أو العلم وحدهما، بل من تحوّلها إلى أداةٍ في خدمة الإيديولوجيا. فهناك من يستدعي الفلسفة لا لكي يسائل مذهبه، بل لكي يمنحه مظهرًا من العقلانية؛ لا لكي يختبر معتقداته، بل لكي يبحث عن حججٍ وأفكارٍ تبرّرها.
لكنّ الفلسفة، في حقيقتها، لا تعرض خدمتها أمام أحد. فهي لا تستمدّ شرعيتها من سلطانٍ سياسيّ، ولا من سلطةٍ دينية، ولا من جماعةٍ تدّعي امتلاك الحقيقة. إنّها تسائل الجميع: تسائل العقيدة والمذهب والإيديولوجيا والدين والعلم والفن، بل تسائل نفسها أيضًا. فالفلسفة لا تكون فلسفةً إلا عندما تحتفظ بحقّ السؤال.
إنّ رسالتها ليست التبرير، بل الامتحان؛ وليست التسليم، بل النقد؛ وليست الخدمة، بل التأسيس.
ليست مجرد أفكار
وإذا كانت الفلسفة لا تقوم على خدمة حقيقةٍ جاهزة، فذلك لأنّها ليست مجموعةً من الأفكار التي تُضاف الواحدة إلى الأخرى. فالفكرة الفلسفية لا تستمدّ قيمتها من غرابتها أو لمعانها وحده، بل من موقعها داخل أنظومةٍ تجعلها ضروريةً ومترابطةً مع غيرها.
الفلسفة نَظْمُ أفكارٍ نظمًا ضروريًّا فريدًا داخل أنظومةٍ متماسكة تنطلق من مسلّمات العقل ومبادئه. وما يميّز فيلسوفًا من آخر ليس الأفكار التي يقولها فقط، بل الطريقة التي تنتظم بها هذه الأفكار، والكيفية التي تُربط بها بعضها ببعض، والمشكلة التي تمنحها معناها.
لهذا لا يوجد فيلسوفٌ كبير إلا وقد ابتدع طريقةً خاصة في التفكير. فديكارت لم يكن عظيمًا لأنه قال إنّ الإنسان يفكر، بل لأنه جعل من الذات نقطة انطلاق جديدة للفلسفة، وبنى حولها حقلًا فلسفيًّا كاملًا. وكنط لم يكن مهمًّا لأنه تحدث عن العقل فحسب، بل لأنه أعاد صياغة سؤال شروط الإمكان: كيف تكون المعرفة ممكنة؟ وكيف يمكن للعقل أن يعرف حدود قدرته؟
أما دولوز، فلم يرَ مهمَّة الفلسفة في اكتشاف حقائقَ ثابتةٍ، بل في إبداع الأفاهيم التي تفتح إمكاناتٍ جديدةً للتفكير. فالفيلسوف لا يكرر الأفكار الموجودة، بل يصنع أدواتٍ فكريةً جديدة تسمح برؤية العالم بطريقة مختلفة.
من هنا، فإنّ الفلسفة ليست ضُمّة أفكار، كما أنّها ليست مستودعًا للمعلومات. إنها أقرب إلى مصنعٍ لإنتاج الأفكار، لكنّ إنتاجها لا يتمّ بالطريقة نفسها التي ينتج بها العلم أو الفن أو الدين. فلكلّ حقلٍ من حقول المعرفة أفاعيلُه الخاصة، وطريقتُه الخاصة في بناء علاقته بالعالم.
يبحث العلم عن القوانين التي تفسّر الظواهر، والفن يبدع أشكالًا حسيةً جديدة، والدين يؤسس علاقةً بالمتعالي، أما الفلسفة فتنشئ حقلها الخاص من خلال إبداع الأفاهيم وطرح المشكلات وصوغ المسائل.
لهذا لا يكفي أن يمتلك الإنسان عددًا كبيرًا من الأفكار حتى يكون مفكرًا، فضلًا عن أن يكون فيلسوفًا. فقد يكون المرء واسع المعرفة، لكنه لا يملك أيّ سؤالٍ حقيقي. وقد يحفظ آلاف الكتب، لكنه لا ينتج فكرةً واحدة؛ لأنّ الفكر لا يقاس بكمية ما نعرف، بل بقدرتنا على تحويل ما نعرفه إلى مشكلة.
متى يبدأ التفكير؟
إنّ التفكير لا يبدأ عندما نمتلك الإجابات، بل عندما نكتشف أنّ إجاباتنا تحتاج إلى مساءلة. فالسؤال هو اللحظة الأولى التي يغادر فيها العقل راحته، والمسألة هي اللحظة التي يبدأ فيها بناء طريقه الخاص.
أن تفكر يعني أن تطرح سؤالًا. وأن تتفلسف يعني أن تصوغ مسألة.
لهذا ليست الحماقة نقصًا في المعلومات، بل عجزٌ عن تحويل المعلومات إلى أسئلة. فالأحمق ليس بالضرورة من يجهل، بل قد يكون من يمتلك أجوبةً كثيرة ونهائيةً ومطمئنةً إلى درجة أنّ السؤال لم يعد يجد منفذًا إلى عقله.
إنّ أخطر ما يصيب الفكر ليس الفراغ، بل الامتلاء المغلق؛ ليس غياب المعرفة، بل المعرفة التي تتحول إلى يقين يمنع التفكير. فالعقل الذي لا يعود قادرًا على الدهشة أو التساؤل يتحول إلى عقلٍ مكتفٍ بذاته، يكرر ما يعرف بدل أن يكتشف ما يجهل.
من هنا، فإنّ الخروج من الحماقة لا يكون بمجرد اكتساب معلوماتٍ إضافية، بل بالدخول في مغامرة التفكير نفسها: مغامرة السؤال، والمشكلة، والإبداع الأفهومي.
فالحماقة ليست فراغًا في العقل، بل عقلٌ ممتلئٌ بالأجوبة لا يسكنه أي سؤال.
البَعْط الفلسفي بالعربي
ضمن هذا السياق يطرح وهبه أحد أكثر أفاهيمه طرافةً وإثارة، وهو أفهوم "البعط الفلسفي". ففي تعليقه على مقالات العدد الثالث والستين من مجلة الفكر العربي يتساءل عمّا إذا كان ما يقرأه في هذا العدد مجرد تمهيدٍ للفلسفة أم مجرد "بعطٍ فلسفي" يمهّد لحاجةٍ أخرى، ثم يشرح اللفظة بالعودة إلى العربية القديمة.
فالـ"بعط" هو الذبح، ويُقال: بَعَط الشاة إذا ذبحها. ويقال أيضًا: تبعُط الدابة، إذا بقيت تتحرك بعد ذبحها في اتجاهاتٍ مضطربة. من هذا المعنى اللغوي يشتق وهبه دلالته الفلسفية؛ فالقول الذي يسمّيه "بعطًا فلسفيًّا" هو القول الذي يذبح الفلسفة ويحرّكها في اتجاهٍ آخر، فيتحول من نظرٍ حرّ إلى خطابٍ يراد منه التأثير أو التعبئة أو التحريض. إنه قولٌ يقلّ عن القول الخطابي، لأن غايته ليست الحقيقة، بل العمل المباشر.
بهذا المعنى يصبح البعط الفلسفي وصفًا دقيقًا لكثيرٍ من الكتابات العربية التي تستعير مفردات الفلسفة ومناهجها، لكنها لا تمارس فعل التفلسف، بل تستعير لغته فحسب. إنّها تجعل من الفلسفة مجرد خادمةٍ للإيديولوجيا أو الدين أو السياسة أو الدعوة الأخلاقية.
ومع ذلك لا يفقد وهبه ثقته بمصير الفلسفة. فما دام العقل البشري محتفظًا بطبيعته التي لا تكف عن طرح الأسئلة المقلِقة، فلن تختفي الفلسفة مهما اشتدت سطوة الإيديولوجيات. فقد تستطيع الإيديولوجيا أن تهيمن زمنًا، لكنها لا تستطيع أن تمنع الفكر من مساءلة يقينيّاتها وتقويض مسلّماتها. لهذا ينبغي أن لا تفرح الإيديولوجيات كثيرًا بانتصاراتها؛ إذ ما يلبث التفكير الفلسفي الهادئ والرَّصين أن يكشف حدودها وعيوبها، وأن يعيد بالتالي فتح الأسئلة التي ظنت أنها أغلقتها.
قد يبدو وهبه بعيدًا من الثورة السياسية، لكنه يمنح الفلاسفة مسؤوليةً ثورية من نوعٍ آخر، وذلك عندما يطلب منهم أن يبدعوا في مجال عملهم. فالثورة، في حقيقتها، تبدأ في الذهن قبل أن تبدأ في الشارع. لذلك يمكن القول إن الفلاسفة مسؤولون عن الثورات، حتى لو لم يقودوها بأيديهم، لأنهم يقودونها بأفكارهم. ولم تكن الثورة الفرنسية استثناءً؛ فقد سبقها روسو وفولتير ومونتسكيو بسنوات طويلة، بل إن هؤلاء جميعًا كانوا قد رحلوا قبل اندلاعها، غير أن أفكارهم وأفاهيمهم بقيت تعمل في العقول حتى تحولت إلى واقع سياسي.
ولعلّ هذا يساهم في تفسير تعثر ما سُمّي بالربيع العربي. فقد اندلعت الانتفاضات مدفوعةً بالغضب والجوع والإذلال، لكنها لم تكن مسبوقةً بثورةٍ فلسفية تنتج أفاهيمَ جديدة وأفكارًا جديدة عن الدولة والحرية والمواطنة والسلطة. لهذا تفاجأ بها المثقفون أنفسُهم، لأنهم لم يكونوا قد أسهموا في صنع أفقها النظري، ولم يمتلكوا تصورًا واضحًا للمجتمع الذي ينبغي أن يولد بعد سقوط الأنظمة. فعندما يغيب العمل الفلسفي المؤسِّس، يغدو التغيير مجرد دورانٍ داخل البنية القديمة، يعيد إنتاجها بأسماء جديدة، بدل أن يفتح أفقًا تاريخيًّا مختلفًا.
فالفيلسوف، بما هو فيلسوف، لا يشتغل بتوظيف الفلسفة، بل بإبداعها. أما توظيفها، فشأن السياسة أو الدين أو الإيديولوجيا أو الثقافة. ولذلك قد يكون المثقف أكثر حضورًا في الحاضر، لكن الفيلسوف هو الذي يهيئ للمستقبل.

