ثمة لحظات يصبح فيها العالم أكبر من قدرتنا على روايته، لا لأننا لا نعرف ما يحدث، بل ربما لأننا نعرف أكثر مما ينبغي. تصل الوقائع تباعاً: تصريح، تهديد، صفقة، حرب، هدنة، صاروخ، نموذج جديد للذكاء الاصطناعي، وعد بالمريخ، وعد بإنهاء حرب، وعد باستعادة أمة. لا شيء بعيداً من عيوننا، ومع ذلك كلما رأينا أكثر صرنا أقل قدرة على الإحاطة بما نراه. نعرف الوقائع، لكن الصورة الكلية تعاند أن تتجمع أمامنا.
لعل مفهوم the sublime، كما يعود إليه جان فرانسوا ليوتار في قراءته لكانط، يمنح اسماً فلسفياً لهذه الحيرة. تُرجم المصطلح بـ"الجليل" و"المتسامي"، لكني سأختار هنا "المهيب". وهذا الاختيار نفسه يستدعي تحفظاً: المهيب عند كانط مرتبط بمواجهة الفرد للامتناهي في الطبيعة أو في الأخلاق، لا بفوضى السياسة والإعلام. حين أستعمله هنا لأصف اضطراب الحاضر التاريخي، فأنا أوسّع المفهوم متعمداً أكثر مما أطبّقه، مستبقياً من أصله ذلك المزيج بين الانجذاب والرهبة، بين اقتراب الفكر من شيء يكتشف في اللحظة نفسها أنه لا يستطيع الإحاطة به.
المهيب، بهذا المعنى الموسّع، ليس صفة في الشيء الذي أمامنا، بل هو شيء يحدث لنا: الفكر يطلب الصورة الكلية فيما تعجز المخيلة عن احتوائها. ليس العجز في الرؤية، بل في الإحاطة. وليس المهيب ما لا نستطيع التفكير فيه، بل ما نستطيع التفكير فيه فيما تعجز المخيلة عن جمعه.
نحن لا نقف خارج عصرنا لنراه، بل في داخله. نرى حدثاً ثم آخر، ونفهم بعضها ونسيء فهم بعضها، ولا نعرف أي الوقائع سيصبح بعد عقود علامة فاصلة وأيها سيبتلعه النسيان. بخلاف المؤرخ الآتي بعدنا، لا نملك الصفحة الأخيرة؛ نعيش الجملة وهي تُكتب.
هنا يبدأ المهيب السياسي: لا لأن الزعيم أو الدولة أو الصاروخ أشياء مهيبة في ذاتها، بل لأن توالي الأحداث يدفع المخيلة إلى محاولة جمعها في كلّ لا تستطيع امتلاكه. وبين قدرتنا على رؤية الأشياء وعجزنا عن رؤيتها معاً، ينفتح فراغ تعرفه السياسة جيداً. في اللحظة التي نقول فيها "لا أعرف ما يعنيه هذا"، يظهر من يقول "أنا أعرف". ربما لا يأتي المخلّص أولاً لينقذنا من الفوضى، بل لينقذنا من الحيرة.
الجمهورية الإسلامية في إيران تملأ هذا الفراغ من زمن يكاد يكون أقدم من الدولة نفسها: نظام ثيوقراطي يحمل الثورة داخل سردية أقدم وأطول، حيث تتراكم المظلومية والشهادة وكربلاء والانتظار حتى يتداخل المقدس بالسياسي. الواقعة لا تبقى ما وقع هنا والآن، إذ سرعان ما تجد مكانها في قصة سبقتها. يمكن للألم أن يصير تضحية، وللهزيمة أن تصبح امتحاناً لم يبلغ نهايته. قوة السردية الكبرى ليست في تفسيرها لما وقع، بل في إيحائها بأنها كانت تعرف معناه قبل وقوعه.
ترامب يأتي من زمن آخر: ليس الماضي هنا مقدساً، بل مفقوداً. كانت هناك عَظَمة، ثم وقع انحطاط، والآن يمكن استعادة ما ضاع على يد الرجل الاستثنائي القادر على ما عجزت عنه المؤسسات. الحرب تُنهى، والاقتصاد يُصلح، ولكل استعصاء صفقة لم يعرف الآخرون كيف يعقدونها. الصفقة هنا تتجاوز معناها السياسي لتصبح رؤية للعالم: كل شيء يمكن أن يصبح عظيماً من جديد.
لكن غزة ليست مثالاً ثالثاً من جنس المثالين السابقين، وتستحق أن تُعزل عنهما بوضوح. إيران وترامب سرديتان تُقبلان على الحاضر من زمن آخر لتمنحاه معنى جاهزاً، أما غزة فليست سردية تملأ فراغاً، بل صدع يظهر داخل سردية قائمة أصلاً — سردية الغرب عن نفسه. من أنقاض الحرب العالمية الثانية، خرج الغرب بلغة أراد لها أن تكون كونية: حقوق الإنسان، القانون الدولي، حرمة الإبادة، "لن يتكرر أبداً". لم تكن هذه مجرد قواعد قانونية، بل جزءاً من الصورة الأخلاقية التي صنعها الغرب عن نفسه.
ثم جاءت غزة. أمام الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل، وما صاحبها من قتل وتدمير وتجويع وتهجير، فلم يعد التناقض بين القول والفعل تفصيلاً يمكن للسردية استيعابه. خلف إسرائيل ظهرت دول غربية كبرى تواصل الدعم والتسليح، فيما بقيت لغة القانون وحقوق الإنسان حاضرة في الخطاب نفسه. الكلمات لم تختفِ، لكنها فقدت قدرتها على حمل ما يحدث. "حقوق الإنسان" ما زالت موجودة، لكن الإنسان الذي يُقتل أمامنا يسأل عن موقعه داخلها. و"لن يتكرر أبداً"، تلك العبارة التي خرجت من قلب الكارثة الأوروبية، وجدت أمامها سؤالاً كان مختبئاً فيها منذ البداية: لن يتكرر لمَن؟
لا يلزم أن نقول إن العدالة أو القانون، قيم زائفة. ربما يكون ما انهار شيئاً آخر: سُلّم القيم الغربي بوصفه سردية عن الذات. القيمة لا تصبح باطلة لأن من يتحدث باسمها يخونها، لكن ادعاء الكونية يصاب بشرخ حين يكتشف الإنسان أن الكوني يستطيع، عند اقترابه من حدود القوة، أن يصنع لنفسه استثناء. هنا يظهر وجه آخر للمهيب: ليست المخيلة وحدها التي تتعثر أمام ما يحدث؛ بل تتعثر أيضاً اللغة التي كانت تمنح المعاني.
وفي الجهة الأخرى من الزمن، تقف الخلاصية التقنية، التي تستمد معناها لا من ماضٍ، بل من مستقبل موعود: الذكاء الاصطناعي سيضاعف المعرفة، والأتمتة ستقربنا من الوفرة، والتكنولوجيا الحيوية ستقاوم الشيخوخة. المسألة ليست في إنكار قدرة التكنولوجيا المذهلة، بل في ما يحدث حين تتوقف عن كونها أداة لحل مشكلات بعينها، وتصبح قصة عن مصير الإنسان نفسه. عندها يكتسب اضطراب الحاضر معناه من مستقبل لم يصل بعد؛ وما ينكسر الآن يصبح ثمناً للعبور.
إيران وترامب والخلاصية التقنية... سرديات تمنح الحاضر معنى من زمن آخر يقترب منه: ماضٍ مقدس، ماضٍ مفقود، مستقبل موعود. غزة مختلفة: فيها يصطدم حاضرٌ بسردية أخلاقية بناها الغرب من ذاكرته، فإذا بالحاضر أثقل من اللغة التي أُعدت لاحتوائه. ليس لدينا الماضي الذي تتحدث السردية باسمه، ولا المستقبل الذي تعدنا به. لدينا هذا الحاضر، مزدحماً بالأحداث، وهذه المخيلة التي تحاول جمعها.
هنا يعود المهيب عند ليوتار، لكن بصورة مقلوبة تقريباً: المهيب يكشف أن الكل يفلت من قدرتنا على الإحاطة. أما السردية الكبرى، فتظهر لتقول إن الكل قد أُحيط به بالفعل. إنها لا تمنحنا تفسيراً فحسب، بل راحة من العجز عن الجمع. تأخذ الوقائع المبعثرة وتردها إلى حبكة، فيصبح لكل موت معنى، ولكل خسارة موقع.
وأكثر ما يثير القلق في السردية الكبرى ليس أن تكون كاذبة — فالكذبة يمكن فضحها — بل أن تحمل حقيقة جزئية، ثم تتمدد حتى تصبح أفقاً لا نرى شيئاً خارجه. المظلومية حقيقية، والخوف حقيقي، وذاكرة الكارثة حقيقية، وقدرة التكنولوجيا على تغيير حياة البشر حقيقية أيضاً. خطورة السردية الكبرى تبدأ في اللحظة التي تقول فيها الحقيقة الجزئية: أنا الكل. عندها لا تختفي الأشياء التي لا تناسب القصة، لكن أسماءها تتغير: يصبح الألم تضحية، والقتل دفاعاً، والقسوة ثمناً للمستقبل.
وهنا يظهر مفهوم آخر لدى ليوتار: le différend، الذي سأسمّيه، بالحذر نفسه، "التنازع المستعصي". ليس خلافاً عادياً بين صوتين يمتلكان لغة مشتركة، بل هو شيء أقسى: أن يقع الضرر، ويتكلم المتضرر، لكن اللغة التي يُفترض أن تحمله لا تمنحه مكاناً داخلها. الفلسطيني يقول: المدنيون، القانون، حقوق الإنسان، الإبادة. لا يخترع لغة غريبة عن النظام الذي يخاطبه؛ يستعمل الكلمات نفسها التي أعلن ذلك النظام أنها كونية. ومع ذلك تصل الكلمات ولا يصل معها صاحبها. يلتقي المهيب والتنازع المستعصي هنا: الأول يفتح الشق الذي يظهر حين تعجز المخيلة عن احتواء الكل؛ والثاني يسكن ذلك الشق، صوتاً لا يجد مكاناً في الصورة.
ولعل هذا ما يجعل لحظتنا مربكة: ليست المشكلة أننا نفتقر إلى القصص، بل أننا محاصرون بها. كل شيء يريد أن يصبح قصة قبل أن تتاح له فرصة أن يكون حدثاً. العقيدة تعرفه، والأمة تعرفه، والزعيم يعرفه، والسوق والخوارزمية تعرفه. لكن التاريخ لا يصل إلينا بهذه الطاعة؛ يصل مبعثراً: واقعة، موت، اختراع، حرب، حب، صفقة، خيانة، وشخص يرفض أن يكون ما سمّته القصة.
وهذه السطور نفسها ليست استثناء من هذا الخطر. مقالة تحاول أن تقرأ إيران وترامب وغزة والخلاصية التقنية عبر إطار واحد — المهيب والسردية الكبرى — تجازف بأن تصبح هي نفسها سردية كبرى أخرى، تدّعي أنها أحاطت بما لا يُحاط به. أفضل ما يمكن أن تقوله هذه المقالة عن نفسها إذن، ليس إنها فسّرت اللحظة، بل إنها حاولت تسمية العجز عن تفسيرها من دون أن تدّعي شفاءه.
ربما يكون حدثاً صغيراً، أو إنساناً، أو جملة لم تجد لغتها بعد. وفي المسافة بين ما يحدث والقصة التي تسرع لاحتوائه، يبقى ذلك الشعور الذي سميناه، على نحو مؤقت، المهيب: أن نرى، وأن تستمر الأشياء في الحدوث، وأن تمتد المخيلة وراءها محاولة جمعها، ثم تكتشف في كل مرة أن شيئاً ما أفلت منها. هناك يصبح المخلّص مغرياً، لا لأنه يحمل القوة، أو العقيدة، أو الصفقة، أو التكنولوجيا فحسب، بل لأنه يحمل شيئاً أكثر حميمية: نهاية للحيرة.
لكننا لا نعيش غداً. نحن هنا، داخل الصورة قبل اكتمالها، ولا نملك مكاناً خارج التاريخ نقف فيه لنرى الكل. ربما لهذا لا ينتهي المهيب حين تفشل المخيلة في الإحاطة، بل يبدأ هناك: حين يبقى شيء خارج الصورة، ثم شيء آخر، من دون أن تكون لنا حتى رفاهية أن نشيح النظر. فنحن لا نستطيع الإحاطة بما يحدث، ولا نستطيع ألا نراه.




