عمرو دياب-المؤسسة: أربعة عقود من لفت الانتباه

أشرف غريبالجمعة 2026/08/14
عمرو دياب في أحدث ظهور له
عمرو دياب في أحدث ظهوراته.. شاب في الخامسة والستين!
حجم الخط
مشاركة عبر

إذا أردت أن تختبر صحة المقولة الشائعة بأن الحفاظ على القمة أصعب من الوصول إليها، ما عليك إلا أن تستعيد تجربة المطرب عمرو دياب عبر ثلاثة وأربعين عاماً قضاها ابن مدينة بور سعيد متصدراً أرقام مبيعات الألبومات الغنائية، ليس في مصر وحدها، وإنما في أرجاء الوطن العربي، ما قاده للفوز بجائزة "ميوزيك أوورد" أكثر من مرة، إلى جانب عديد الجوائز العالمية في دنيا الموسيقى. 

 

وقبل أيام، أصدر دياب ألبومه الجديد الرقم 37 في مسيرته الفنية، ويحمل عنوان "حبيتك" فإذا به أقرب إلى عصا موسى التي التهمت كل الحيات، واضعاً خلفه ألبومات صيف 2026 كلها التي سبقته بما في ذلك ألبوم تامر حسني وغيره من المطربين الشباب، وكأن عمرو (65 عاماً أو يزيد) بمواصفاته الجسمانية والذهنية، ما زال شاباً قادراً على المنافسة مع كل هؤلاء ذراعاً بذراع وألبوماً بألبوم، بل والتقدم عليهم جميعاً.

وهنا يبرز سؤالان كبيران، في الإجابة عليهما تفسير لحالة عمرو دياب الاستثنائية بين مطربي جيله والأجيال اللاحقة عليه. أولهما: هل يملك عمرو دياب حقاً المقومات الفنية التي تؤهله إلى هذا الثبات على القمة طوال كل تلك العقود؟ والإجابة بكل يقين: لا، ليس إلى هذا الحد، فهو ليس أجمل أصوات معاصريه وأكثرها قوة وتمكّناً، هاني شاكر وعلي الحجار ومحمد الحلو ومدحت صالح وحسين الجسمي وعبادي الجوهر وتامر حسني وغيرهم أفضل منه صوتاً وأداء. وهو ليس أكثر معاصريه وسامة وجاذبية، مصطفى قمر وراغب علامة ووائل جسار يفوقونه في هذا، وكل هؤلاء بلا استثناء – بمقياس النقد الموسيقي - يقدمون غناء أنضج من حيث الألحان والكلمات. فما الذي صنع أسطورة عمرو دياب؟ وهذا هو السؤال الثاني والأهم في فهم ما يحدث منذ أربعة عقود. 

 

في يقيني أن ما صنع هذه الحالة الفريدة هو ذكاء عمرو دياب، وقدرته على إدارة هذا القدر من الموهبة واستثماره لصالح اسمه ونجوميته. يظن البعض أن وراء هذا النجاح الاستثنائي مؤسسة كبيرة اسمها مؤسسة عمرو دياب تقوم على خدمة موهبته والإبقاء على اسمه في صدارة المشهد الغنائي، وهذا بالتأكيد صحيح، بل وصحيح جداً. لكن أي مؤسسة هذه التي يظل أفرادها بجوار صاحبها 43 عاماً بلا اهتزاز أو تراجع منذ أصدر ألبومه الأول "يا طريق" العام 1983؟ 

 

لقد تناوب بالتأكيد على عمرو عبد الباسط دياب، الشاب الذي بدا بسيطاً في بداية احترافه الغناء، عشرات الأفراد والجهات. رحلت وجوه، وجاءت أخرى، اختلف مع البعض، وتوافق مع آخرين، وبقى دياب كما هو على قمة الهرم الغنائي ليس في جيله فحسب، وإنما في أجيال سبقته أو لحقت به، وهذا معناه ببساطة، أن كل هؤلاء لم يديروا "الهضبة" وإنما كان هو ولا يزال يديرهم، أو بالأحرى يخطط لهم ويوجههم كي يحافظوا له على عرشه الغنائي، وهذا هو الذكاء الذي جعل تجربته حالة استثنائية وفريدة في عالم "البوب" المصري والعربي على مدى عقود.

كتب اسم ابنه على ذراعه
كتب اسم ابنه على ذراعه

وأول مراتب الذكاء كانت ضبط أسلوبه الغنائي على تلك الموجة التي كانت سائدة عند ظهوره وقت كانت الفرق الموسيقية تعيد صياغة الذائقة الغنائية العربية بعد رحيل الكبار، فلجأ أولاً إلى رموز هذه الموجة، خصوصاً هاني شنودة وحميد الشاعري، ومن ثم اجتذب آذان الشباب عبر أشرطة الكاسيت أولاً، ثم دخول كل بيت عبر غناء مقدمات بعض المسلسلات التلفزيونية، ثم البحث عن النجومية الكبرى بولوج عالم السينما عبر مجموعة من الأفلام مثل: العفاريت، أيس كريم في جليم، ضحك ولعب وجد وحب. وحينما تأكد مع مطلع التسعينيات أن السينما أدت الغرض، منها أقلع عن التعاطي معها تماماً، وكأنه يأخذ منها موقفاً صارماً. 

 

في تلك الأثناء قرر دياب البحث عن غطاء رسمي أو سياسي يؤمّن به دولته الغنائية الناشئة، فبحث عن صداقة وطيدة مع علاء وجمال، نجلَي الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، وهو ما أهّله دون بقية المطربين في الساحة ليكون المطرب الرسمي لدورة الألعاب الأفريقية التي استضافتها مصر العام 1991، ما أثار ضغينة كل زملائه من المطربين الذين كانوا يرون أنه من الأفضل تقديم عمل غنائي جماعي لتلك الدورة. أما دياب فلم يكترث بكل تلك الاعتراضات، وراح يحيط نفسه بمجموعة من رجال الصحافة والإعلام، لا يتعامل إلا معهم ولا يطمئن إلا لما يكتبونه عنه. أنا شخصياً، واجهته في منتصف التسعينيات بأنه لا يطيق النقد، وأنه لذلك ينتقي من يتعامل معهم ضماناً لكلمات المديح والإطراء، ورغم إنكاره لهذا استمر المطرب الذي كان شاباً في السير على النهج نفسه.

وبالتوازي مع ذلك كله استثمر دياب ذكاءه في أن يكون دائما جملة في أحاديث الناس في زمن السوشيال ميديا بل وما قبلها أيضاً، حتى أنه ارتضى لنفسه ما يمكن أن يرفضه غيره كي يبقى حديث الناس. فما زال جيل نهاية الثمانينيات يتذكر الشائعة التي أطلقها عليه منتج ألبوماته في ذلك الوقت بأنه أصيب بالإيدز، وساعتها لم يخرج عمرو ليكذبها، وإنما تركها تكبر وتنتشر حتى تؤدي غرضها. وحينما ربطت الأخبار بينه وبين الممثلة دينا الشربيني، فعل دياب الأمر نفسه، وتركها تؤتي أكلها في التأكيد على أنه ما زال مرغوباً ممن هن في سن ابنته، إشارة إلى استمرار شبابه وبقاء جاذبيته كما هي. وبعدما استفاد هو ودينا من ذلك الربط، ذهب كل منهما إلى حال سبيله، وبعد هذا كله لم يكن صعباً عليه أن يظهر بصدر عار مفتول العضلات، أو أن يرسم وشماً على ذراعه، أو أن يحلق رأسه مرة، ويلون شعره مرات، أو يطلق "سكسوكته" أو يضع في أذنه حلقاً. 

ليس في هذا كله ما يعيبه من وجهة نظره، فالمهم أن يلفت انتباه جمهوره ويشغل أحاديثهم ويُبقي اسمه دائراً على ألسنتهم، ومن ثم اللهاث وراء أحدث أغنياته. وقد عرف أنه ليس مطلوباً من هذا الجمهور أكثر من أن يشترى ألبوماته ويستمع إليها وهو يتمايل على إيقاعاتها الراقصة، ناهيكم عن أفكار أغنياته غير المألوفة ومفرداته غير التقليدية التي تصل أحياناً إلى حد الصدمة. ولكم أن تتخيلوا أن هذا الستيني يقول في أغنية "الألوان" ضمن ألبومه الأخير: "الأحمر شكله عليكي خطير وجنان خالص، يا فراولة أنا نفسي أشربها عصير عطشان خالص"، ثم يقول "حلوة الضحكة وحلو الفستان آخر جمدان وجديد فى جديد، إزاي حلوة في كل الألوان بابا كان فنان يا حبيبتي أكيد". وهذا فضلاً عن أغنية "لولا البنات" في الألبوم الأخير أيضاً التي اقتبس لحنها من الفولكلور الشعبي العربي ولعب فيها على الاشتقاقات اللغوية الغريبة التي تلفت الانتباه.

 

المؤكد أن دياب أسس نجاحه اللافت والمستمر طويلاً، ليس فقط على فنه، وإنما كذلك على قدرته الدائمة على لفت الانتباه، وحماية عرشه الغنائي من أي هجوم مضاد قد ينال من هذه الحالة الفريدة بين نجوم هذا الزمان. 
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث