حين تتحوّل الذاكرة إلى عقيدة: الأرشيف ليس مقبرة الماضي

محمد حجيريالجمعة 2026/08/14
من كتاب ايمن نحلة
من كتاب أيمن نحلة
حجم الخط
مشاركة عبر

أصدرت "أمم للتوثيق والأبحاث" كتاباً جديدًا للفنان والسينمائي والأرشيفي أيمن نحلة بعنوان "حين تتحوّل الذاكرة إلى عقيدة/ في مأزق الأرشيف والمتحفة والذاكرة الجنوبية لأهل جبل عامل"، يتناول فيه العلاقة المعقّدة بين الأرشيف والذاكرة والسلطة في جنوب لبنان، أو جبل عامل.

 

ينطلق نص أيمن نحلة من فكرة أن الأرشيف ليس مجرّد "مستودع لوثائق الماضي"، و"ليس مقبرة الأشياء التي انتهت"، بل مكاناً تتجاور فيه بقايا الحياة مع ما عجز الناس عـن قوله. في الصورة ظلٌ لمن وقف خارج الإطار، وفي الرسالة صوت لمن لم يجد من يسمعه. و"المتحفة" ليست عملية محايدة لحفظ الأشياء وعرضها. فكلّ عملية جمع وتصنيف وترميم وعرض تتضمّن سلسلة من القرارات: ما الذي يستحق أن يُحفَظ؟ من يملك حقّ الاختيار والتسمية؟ وأيّ رواية تتحوّل، في النهاية، إلى ذاكرة عامة؟ وفي ما يخص الجنوب اللبناني، أو "جبل عامل" في تسميته التاريخية، وهو فضاء جغرافي واجتماعي تشكّل في القرى الزراعية، والمدن الساحلية، وشبكات العلم والهجرة والتجارة... أصبحت الأمور أكثر تعقيداً وتشابكاً، فمنذ دخول جبل عامل في إطار الدولة اللبنانية الحديثة، عاش تهميشاً اقتصادياً وتحولات اجتماعية وسياسية عميقة، ثم احتلالاً إسرائيلياً ومقاومات متنوعة، فلسطينية وعلمانية يسارية وإسلامية، مــا يجعل ذاكرته فيه جزءاً من الصراع على البيت والأرض والهوية. لكن المأزق ليس جنوبيا فقط، "بل هو امتداد لطريقة لبنانية أوسع فــي التعامل مع الماضي". 

 

فمنذ نهاية الحروب الأهلية، قام النظام السياسي على تسوية تسمح باستمرار الجماعات ومؤسساتها أكثر مما تسمح ببناء قراءة مشتركة للتاريخ. فحلّ "النسيان الرسمي محل المحاسبة"، وتُرك الفراغ لـ"روايات حزبية وطائفية وعائلية متنافسة"، لكل منها ضحاياها وأبطالها وتواريخها المحرّمة. وفي غياب سياسة عامة جدية للأرشيف، تبرز مشكلة بنيوية بدأت تتراكم في كل ما يتصل بالأرشيف والذّاكرة في جنوب لبنان، وهي مشكلة ستصبح أخطر كلما انتقل العمل من جمع الشهادات والوثائق والصـور والأفلام إلى فكرة "المتحفة". فـ"المتحفة" ليست مستودعاً أكبر للأرشيف، ولا مبنى تُنقل إليه الأشياء القديمة وتُعلّق فيه الصور على الجدران، ولا شاشة تعرض شهادات شفوية ثم تعلن المؤسسة أنها "حفظت الذّاكرة". "المتحفة"، في جوهرها، عملية مؤسسية تُنتج سردية عن الماضي. إنها تحدّد ما يستحق أن يُرى.

ذاكرة

في الجنوب تصبح الذاكرة أكثر تعقيدا لأن المواد التي يراد جمعها وعرضها لم تنتج داخل تاريخ واحد أو تجربة متجانسة، بحسب المؤلف، فقد مر الجنوب بتجارب من التهميش والهجرة والتحولات الزراعية والاجتماعية والحضور الفلسطيني والحرب الأهلية والاجتياحات والاحتلال والمقاومات المتعدّدة والنزوح والدمار. من هنا، يصبح مفهوم المتحف أوسع من المؤسسة والمبنى، وما الذي يستحق الجمع. والسؤال عن المتحفة في الجنوب، منذ البداية، هو سؤال لبناني أيضاً عن المعرفة والسلطة ومن يملك حق الاختيار؟ ومن يضع معايير القيمة؟ والمشكلة التي تلوح اليوم هي أن الذاكرة الجنوبية مهددة بالوقوع بين نموذجين مغلقين: الأول ذاكرة شعبية تتداول حكايتها داخل حدودها وتعيد إنتاجها لنفسها، من دون أن تستطيع تحويلها الى مغرفة تاريخية عامة. والثاني، ذاكرة عقائدية سياسية تبنيها مؤسسات مرتبطة بذاكرة قوة ونفوذ، فتتحول من مساحة للأسئلة إلى جهاز لإنتاج الشرعية، وبين الانغلاق الداخلي والسيطرة الأيديولوجية.

كم كتاب ايمن نحلة

كان والتر بنجامين في أطروحته حول مفهوم التاريخ-الأطروحة السابعة، يرفض التاريخ الذي يُنظر اليه بصفته مساراً مستقيماً للتقدم. يذكر ما يصلنا بوصفه تراثاً لا يصل بريئاً من علامات القوّة. عبارته الشهيرة "ليست هنا وثيقة حضارة، ليست، في الوقت نفسه، وثيقة بربرية". لا يعني ذلك مساواة كل أثر ثقافي فني بالعنف، بل يدعونا الى النظر في شروط إنتاج التراث وانتقاله، وفي العمل والظلم والإقصاء الذين قد يختفون خلف ما نعرضة بوصفها إنجازاً. ويعتبر نحلة أن هذه الفكرة تكتسب أهمية كبرى عند النظرة إلى أرشيف عاملي جنوبي، "فالصورة لا تأتي إليها بريئة، صورة الاحتفال قد تخفي مَن لم يكن مسموحاً له بالحضور. صورة البطل قد تخفي ضحيته أو خصمه أو من دفع ثمن بطولته. صور القرية المتجانسة قد تخفي صراعاتها الداخلية". وقراءة التاريخ تعني "ألا نكتفي بآثار من انتصروا أو أصبحوا أصحاب مؤسسات. تعني أن نبحث أيضاً عن الاحتمالات التي هزمت. وعن الأصوات التي لم تُنتج أرشيفاً قوياً".

كتاب ايمن نحلة

المشكلة، بحسب نحلة، تبدأ في بعض مشاريع الذاكرة والتي تبدأ العمل من النهاية، تقرر أولاً من هو البطل، ومن هو الضحية، ومن هو العدو، ثم تذهب إلى الأرشيف بحثاً عن المواد التي تؤكد ذلك. وهكذا يتحول الأرشيف من مكان للاكتشاف إلى مستودع للأدلة الأيديولوجية.


في ما يخص الأرشيف الجنوبي، ليس السؤال ماذا حفظنا؟ بل أيضاً، لماذا حفظ هذا ولم يحفظ ذاك؟ ولماذا أجريت مئة مقابلة عن الحرب، ولم تُجرَ عشر مقابلات عن العمل الزراعي؟ لماذا تُحفظ الخطب السياسية بجودة عالية، بينما تضيع الأغاني المنزلية، وتسجيلات الأعراس، وصور الهجرة؟ من هذا المنظور، لا تعمل السلطة فقط عبر تزوير الوثيقة أو حذفها بعد وجودها. يمكن أن تعمل قبل ذلك بكثير: عبر تحديد ما الذي يستحق أن يصبح وثيقة أصلاً.


أما النموذج الثاني، وهو في رأي نحلة، أخطر في الحالة الجنوبية الراهنة، فهو تحويل الأرشيف و"المتحفة" إلى مشروع عقائدي سياسي. عندها "لا تعـود الوثيقة مهمة بسبب ما تكشفه، بل بسبب قدرتها على خدمة رواية محددة سلفًا". وتقدّم "المتحفة" العسكرية في مليتا، التابعة لـ"حزب الله" والتي يعرفها القائمون عليهــا باسم "المعلم السياحي للمقاومة"، مثلاً مكثفاً على هذا التحول. فهي لا تحفظ موقعاً عسكرياً أو تعرض آثار مواجهة فحسب، بل تنظّم للزائر مساراً عقائدياً كاملاً: "غنائم" إسرائيلية، و"هــوة" ترمز إلى هزيمة العدو، ودبابة مدفونة، وأنفاقاً ومواقع للمقاتلين، وفضاءات للشهداء، ومقاطع من خطابات قيادة الحزب. بل إن الخطاب الرسمي للموقع يعلن أن الغاية هي التعريف بـ"التجربة الفريدة للمقاومة الإسلامية". والمشكلة هنا ليست في توثيق مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ولا في حفـظ أثر جزء من المقاتلين الذين واجهـوه، فذلك أساسي في تاريخ الجنوب. المشكلة تبدأ حين تحتكر ميليشيا "المقاومة" الاسم كله، وتحول تجربتها الخاصة إلى التعريف الوحيد للمقاومة، ثم تستخدم "المتحفة" لتثبيت هذا الاحتكار في المكان والذّاكرة. أو تُهمش مقاومات أخرى.

مليتا نننننن.jpg

 يدعو نص أيمن نحلة إلى بناء مؤسسات للذاكرة لا تخشى التناقض والاختلاف، ولا تبدأ من رواية مقرّرة سلفًا، بل تترك الوثيقة مفتوحة على البحث والمساءلة وإعادة القراءة. إن الأرشيف الحقيقي لا يكتفي بتأكيد ما نعرفه أو ما نرغب في سماعه؛ بل ينبغي أن يكون قادراً على إرباكنا، وعلى كشف ما أخفته الروايات المنتصرة أو تركته خارج الصورة. 

بالتزامن مع إصدار كتاب أيمن نحلة، كنا شاهدنا في صفحات فايسبوك ظاهرة العبث بالصور القديمة التي قد تذهب إلى الأرشيف، من خلال تزييف ملامح الأشخاص عبر برامج الذكاء الاصطناعي، لا سيما النساء، خوفاً من أن تتحرك رقابة المجتمع ضد ناشر الصور.


ولا ضرر في القول إن التبدل في بعض المناطق اللبنانية طاول كل شيء، من إبراز أرشيف عقائدي بطولي، إلى الثياب العقائدية واللغة العقائدية حتى الطعام تبدل وأنماط الحياة والمباني والمنتزهات... وشهيدة شيوعية بعد عقود على مقتلها، لجأ أقاربها إلى تحجيبها باستخدام الفوتشوب، تماشياً مع التحولات الأيديولوجية، وطُمست سردية الشهيدة الحياتية أيضاً قبل تحجيبها. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث