نزار مرتضى: رحلت..ومعها قرية كاملة

المدن - ثقافةالخميس 2026/08/13
عيتا الشعب
عيتا الشعب المدمرة
حجم الخط
مشاركة عبر

 لم أشعر أن امرأةً في نحو المئة من عمرها قد رحلت فحسب، بل شعرت أن آخر باب كان مفتوحًا على عيتا الشعب التي عرفناها ونحن أطفال قد أُغلق، فالقرية التي عشنا فيها لم تعد موجودة.


الحارات التي كنا نعبرها، والأحياء التي كانت تضج بأصوات أهلها، والبيوت التي كنا نعرف أصحابها من أبوابها قبل أن نراهم، كلها تبددت تحت الحرب. لم يعد هناك المكان نفسه الذي يمكن أن نقف فيه ونقول هنا كان بيت فلان، وهنا كان بيت جيراننا، وهنا كنا نركض أطفالًا من شارع إلى آخر. لقد تهدمت البيوت، ومُحيت معالم الأحياء، وتشتت أهل القرية في المنافي القريبة والبعيدة، ولم يبق من عيتا الشعب التي نعرفها إلا ما حملناه معنا في الذاكرة.


وفي هذا الخراب رحلت أم أحمد.
كانت حرم الراحل الحاج علي رضا، وواحدة من أقدم وجوه الحي وأكثرها حضورًا في ذاكرتنا. وكانت آخر جارة وسيدة من أبناء ذلك الجيل الذي أستطيع أن أسميه جيل المؤسسين والمربين، الجيل الذي سبق طفرة الحداثة والسوق، وقبل أن تتبدل ملامح القرية وإيقاع حياتها وعلاقات أهلها.


كان جيلًا يعرف فيه الناس بعضهم بعضًا. يعرفون البيوت وأهلها، والأبناء والأقارب، ويعرفون متى يحتاج الجار إلى جاره من دون أن ينتظر منه طلبًا. الجيرة يومها كانت أكثر من قرب البيوت من بعضها. كانت مسؤولية، ومروءة، وحضورًا في الأيام الصعبة.


وأنا أستعيد أم أحمد اليوم، لا أستطيع أن أفصلها عن بيت الحاج علي رضا.
كنت صغيرًا، وكنت أدخل بيتهم أكثر من مرة في اليوم. صباحًا ونهارًا ومساءً. لم أكن أشعر أنني أزور بيت جيران، بل كنت أدخل كما يدخل الطفل بيتًا ألفه حتى صار جزءًا من يومه.


كان البيت قريبًا من بيتنا، لكن القرب الحقيقي لم يكن في المسافة. كان في العلاقة.
 

في ذلك الزمن لم تكن أبواب البيوت مغلقة كما هي اليوم، ولم تكن الجيرة مجرد معرفة بالأسماء أو تحية عابرة في الطريق. كانت البيوت متداخلة في حياة بعضها، وكان الجار يعرف أبناء جاره وأحواله، وقد يحمل عنه شيئًا من خوفه وتعبه من غير أن ينتظر شكرًا.
 

وكان بيت الحاج علي رضا بالنسبة إلي وإلى أبي وأمي أكثر من منزل.
في الأزمنة الثقيلة التي مررنا بها، كنا نراه حصنًا وملجأً آمنًا. كان المكان الذي نشعر فيه أن الخوف يمكن أن يبقى خارج الباب، وأن هناك سقفًا آخر يحمي الإنسان حين تضيق به الأيام.


لم نكن ونحن صغار نعرف كيف نصف ذلك الشعور. كنا فقط نشعر بالأمان.
ومن بين الذكريات التي بقيت عالقة في داخلي يوم وفاة والدة الحاج علي رضا.
كان يومًا عاصفًا ومثلجًا. ذهبت برفقة شقيقي يوسف، ومشينا خلف نعشها إلى المقبرة وسط الثلج والبرد. كنت في ذلك العمر الذي يرى الموت ولا يفهمه، ويحفظ المشهد من دون أن يدرك لماذا سيبقى محفورًا في داخله كل هذه السنوات.


وفي طريق عودتنا من المقبرة، مرض يوسف.
كان والدي يومها مسافرًا، وكانت والدتي هي التي ترعانا وتتابع شؤوننا. وحين اشتدت حالة يوسف اضطررنا إلى إدخاله إحدى مستشفيات صيدا.


كنت في السابعة من عمري، وكانت شقيقتاي صغيرتين أيضًا. وطالت إقامة يوسف في المستشفى حتى قاربت أربعين يومًا. كانت والدتي تحمل وحدها عبء تلك الأيام، تتابع يوسف في المستشفى وترعانا في الوقت نفسه.


وفي تلك الفترة كانت منيفة، ابنة الحاج علي رضا وأم أحمد، تأتي إلى بيتنا للمبيت معنا حتى لا نبقى وحدنا، كنت طفلًا يرى منيفة تأتي وتبقى معنا. أما اليوم فأرى امرأة كانت تعرف أن بيتًا قريبًا منها فيه أطفال يحتاجون إلى من يؤنسهم ويحرسهم في غياب أبيهم وانشغال أمهم بمرض أخيهم. ولهذا بقيت عائلة الحاج علي رضا في ذاكرتي مرتبطة بشيء أعمق من الجوار.


كانوا من أولئك الناس الذين لا تحتاج إلى أن تسأل نفسك إن كانوا أهلًا لك. يكفي أن تجدهم إلى جانبك حين تحتاج إليهم.
 

ومن البيت نفسه تخرج أسماء بقيت في ذاكرتنا نموذجًا للعلم والاجتهاد وحسن السيرة.
 

الأستاذ أحمد، والمهندس محسن، وحسين.
 

وكان جدي الراحل أبو حيدر يحثني على الاقتداء بهم. لم يكن يريدني أن أتعلم منهم النجاح بمعناه الظاهر فقط، بل كان يريدني أن أرى كيف يمكن للإنسان أن يطلب العلم ويجتهد وينجح ويبقى متواضعًا حسن السيرة.
 

كانت تلك الأشياء في نظر جدي جزءًا واحدًا لا ينفصل. ولعلني لم أفهم يومها كل ما كان يقصده.
 

واليوم، وأنا أستعيد أم أحمد، أستعيد معها تلك الكلمات، وبيت الحاج علي رضا، ووجوه أبنائه، وطفولتي التي كانت تدخل ذلك البيت صباحًا ونهارًا ومساءً من دون أن تعرف أن ذلك كله سيصبح يومًا ذاكرة.
 

تهدمت البيوت، واختفت الحارات، ومُحيت أحياء كاملة، وتبدلت معالم الطرق والأمكنة التي كانت مألوفة لنا كما هي ملامح وجوه أهلنا. المكان الذي كنا نعرفه خطوة خطوة لم يعد هو نفسه. كثير من البيوت التي كنا ندخلها ونخرج منها لم يعد لها باب. وكثير من الحارات التي كانت تحفظ أصوات أهلها لم يعد لها أثر.
صار علينا أن نتذكر القرية بدل أن نراها.
 

وفي وسط هذا الغياب رحلت أم أحمد.
وهنا يصبح رحيلها مختلفًا.
 

كانت واحدة من آخر الذين يحملون عيتا الشعب القديمة في ذاكرتهم. لم تكن تعرف القرية من خلال الصور، بل عاشت تفاصيلها. تعرف البيوت وأهلها، وتعرف الحارات والوجوه والأيام التي سبقت كل هذا الخراب.
 

رحلت من كانت آخر نافذة على عالم كامل.
عالم كان فيه بيت الحاج علي رضا حصنًا لطفل صغير في زمن ثقيل، وعالم كانت فيه الجيرة فعلًا، والبيت مأوى، والكبير مرجعًا، والعلم قيمة، والتواضع فضيلة، والقرية عائلة واسعة 
أكتب عن أم أحمد. لا لأرثي امرأة بلغت نحو المئة ثم غادرت، فحسب. بل لأن رحيلها عنى رحيل قرية كاملة معها، ووراء اسمها بيت، ووراء البيت عائلة، ووراء العائلة زمن كامل.
 

لقد هُدمت عيتا الشعب، وسقطت بيوتها وحاراتها وأحياؤها، وتفرق أهلها، ولم يبق من صورتها القديمة شيء يمكن أن نلمسه بأيدينا.
لكني كلما أغمضت عينيظن أجدني ما زلت طفلًا، أعبر الطريق إلى بيت الحاج علي رضا، وأدخل من بابه كما كنت أفعل كل يوم.
المكان قد يُمحى من الأرض، لكنه حين يسكن طويلًا في ذاكرة أهله، يصبح هدمه كاملًا أمرًا مستحيلًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث