عن حبيبة...وحياة تُسرق أمام عيوننا

بثينة سليمانالخميس 2026/08/13
لوحة لسكينة حويلا
لوحة لسكينة حويلا
حجم الخط
مشاركة عبر

كنا نسير مسافة لا نحتاج قياسها، نملك الوقت ونملك أجساداً فتية تحملنا حيث نريد بلا عناء أو تعب. نعرف أن هواء ذلك الزمن كان مختلفاً، كان عفياً نقياً، وكان مطر الشتاء يحدث سواقيَ تظل شهوراً كأنهار لم تكتمل وينابيع تنبلج من مكامن الأرض. كان ذلك قبل أن تحتل الأبنية أماكن الأشجار وتقتلع البساتين وتختفي معها النزهات.

 

وكنا في مقتبل الحياة، تشغلنا الأيام بتبدل فصولها وتغيّر موقع الشمس في رحلة غيابها خلف البحر الأبيض. كنا ملائكة تضحك عالياً بالسعادة، مجبولين برائحة زهر الليمون والزعتر البري وبقصص الجدات وأشكال النجوم. لم نكن بشراً كما كان البشر، كنا أنصاف آلهة، نتكئ على الغيم في نزهاتنا ونسمع أصوات من سبقونا وعبروا هذا القسم من الأرض، أرض ما تُركت بحالها يوماً، فكانت مسرحاً للغزاة، تركوا أساطيرهم وأقواس نصرهم، تركوا أواني فخارية ورفات من مات منهم. 


كانت نزهاتنا سيراً طويلاً على الأقدام، نخترق البساتين في طرق متعرجة ترابية، نصل نهايتها ثم نستدير عائدين، تكون أزهار النّوار قد نعست والعصافير عادت إلى أعشاشها في أعالي الأشجار. نسير مبطئين علّ الشمس تنتظر وعلّ الطيور تعاود التحليق، لكن الشمس تغيب والطيور تؤوب إلى أعشاشها، ويعمّ سكون تقطعه جلبة أقدامنا وهي تعافِر حشائش الطريق.

 

في تلك النزهات تعلمنا كيف نتنشق الهواء، نملأ به رئاتنا النظيفة، وكيف نمرن سيقاننا على سير آخر في مقبل الأيام.

سبقتنا حبيبة إلى العالم الآخر. لم تكن لتحسب انها أولانا. ماتت بخبيث المرض، ظلت تتمسك بالحياة، وتنتظر اليوم الذي تخرج فيه من سرير الوجع، سبع سنوات من الألم ولم تتطهر منه. ثم استسلمت للغياب. بعد أكثر من 40 عاماً على تلك النزهات، نجلس حول طاولة مستديرة نأكل فاكهة الصيف ونشرب الشاي، بهيئات غير تلك التي كنا عليها، نعدّ سنوات غياب حبيبة، سنة سنتان، ثلاث سنوات، أربع سنوات، صار العدّ مؤلماً والذكرى بعيدة خلف كمٍّ من أحداث وحروب. وحدها ابتسامة حبيبة ظلت تطوف حولنا مثل نسمة تخفف من جوّ الصيف الخانق.

 

أصابنا الحنين إلى تلك الأيام، حين كانت البيوت أقل والطبيعة تحوينا، بيوت كانت مستقلة وكان سكانها يملكونها ليس ترفاً، بل أصالة منهم. فليس من عادة الناس في ذلك الوقت وفي تلك النواحي استئجار البيوت، تماماً كما هي أحوال معظم أهل القرى، يبنون بيوتهم على أجزاء من أراض امتلكوها أباً عن جد. بيوت وادعة، تظل مفتوحة على أرض بكر لا يخترقها الأسفلت، كانت للأيام متعتها بتفاصيل قليلة وأحداث أقل.

 

لم نعد نلهو، ولم تعد الضحكات ما يُسمع. حلّ مكانها نواح أليم. لا حياة أصعب مما يُبنى على ذكريات راحت، فيما نعجز عن الإمساك بلحظتنا الراهنة.

 

نستحضر حبيبة التي بغيابها لا أحد نلجأ اليه، ولا أحد يخرجنا من هذا العالم الموغل في الشرور. في سنواتها الأخيرة قبل ان يأكلها المرض كانت تهتم بجمالها الفطري، شعرها الطويل المموج كان مسرحاً للفراشات ولزهور الربيع، نشتري لها الأمشاط الملونة كي تدسّها بين خصلاته، ما يزيد من رونق وملائكية مظهرها.

 

حبيبة كانت لنا ذلك العالم البديع من الألفة والجمال، الحديث عنها ليس مجرد فقيدة تركتنا، بل هو حديث عن حي كان يشبهنا فوق أرض بكر كما خلقت أول الحياة.

 

مر وقاس أن نجلس في ظل شجرة الجميلة، أو كما يحلو للبعض تسميتها بالمجنونةن نجمع ما يمكننا من صور ومشاهد عن قرى نعدد أسماءها ونعرفأنها سوّيت بالأرض. نتساءل بغصة وقهر كبيرين، هل ستسرق بيوتنا وأحياؤنا أيضاً، أم سيكون مصيرها مثل تلك التي نامت على كف جبال عامل ولم تنهض بفعل التفجيرات؟ ستظل حبيبةُ حبيبةَ الجميع، مثل بيوتنا وأحيائنا وقرانا، مثل جنوبنا المكلوم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث