عبده وازن: أنتم شعراء الخيام

المدن - ثقافةالخميس 2026/08/13
شعراء الخيام
حسن وعصام ومحمد العبدالله
حجم الخط
مشاركة عبر

(إلى محمد وحسن وعصام عبدالله)

 

كنتم هناك 
كأن لم تكونوا هناك
عندما سقطت على بقايا أجسادكم
قذائف لا تحمل وروداً ولا رسائل.
عندما اهتزت بكم أرض الخيام
لم تخرجوا من مقابركم
أنتم جيران النوم الأبدي
ربما سمتعم دوي الطائرات 
ولكن لم تخشوا سقوط أثقالها عليكم
أنتم الأحياء بأرواح حية
تنبض حنيناً وأسى.


الأحياء أنتم بعيون ترنو إلى ما فوق
قصائدكم تنصب لكم خيمة
لتردّ عنكم نار التلمود
لتجلسوا وتدخّنوا أو تشربوا
لتتحادثوا وتسخروا وتضحكوا
الشمس فوقكم تحنو على ظلالكم
وفي الليل مهما طالت أسماركم
قمر الدردارة يرسل اليكم نجمة
وإذا عطشتم تنبثق بالقرب منكم عين ماء.


محمد كان الواصل الأول 
ثم طرق عصام بابه
ثم دخل حسن من النافذة بخفته.
جميعاً عبرتم خط الإستواء الشعري
ثم توجهتم إلى منحنى الضوء 
في كوكب صار لكم
هناك تبصرون وجوهكم في مرآة 
الثلاثة أنتم معاً
محمد عصام حسن 
أنتم جيران سماء الخيام
السماء التي وحدها بقيت هناك
بزرقتها الناصعة 
كي تطوفوا وسع غيومها
مثل طيورهزمت بنادق الجنود. 


الجبّانة لم تبق فيها زهرة ولا كوب ماء
نهبتها قذائف الحقد العنصري 
كلّ الورود التي سيجتها تناثرت
شواهد القبور انكسرت 
لكنّ قصائدكم المحفورة على السرو لم تُمح
بضع دمعات ما برحت تسقط هناك
أنتم تلقفونها بشفاهكم التي لم تيبس.
أنتم الحائرون كأنكم هناك ولستم
كأنكم هنا أو أبعد
خارج الزمن وفي قلبه
كأنكم لم تغادروا شارع الحمراء
ولا المقاهي التي كبرتم فيها
كأنكم لم تهجروا أوراقكم ولا فناجين القهوة
ولا ضحكات الصباح والظهيرة
ولا كلامكم الذي ينفض رتابة الأمس
كل صباح.

GettyImages-1908147799.jpg

نسي حسن آلة الأوكسجين وعلبة سجائره 
في مقهى الدارة 
محمد لم يأخذ قنينة الويسكي 
أغمض عينيه عليها في المستشفى
عصام ترك قصيدة ناقصة عن الحياة 
لعلّه أكملها هناك.


يهب عليكم نسيم قرى 
هي جارة طفولتكم
حاملاً إليكم روائح الزعتر والتبغ 
حولكم تطوف أصوات مجروحة 
أنتم تسمعونها ولو مبهمة
صرخات وبكاء.
 

حزينات هنّ الأمهات  يا حسن 
اللواتي فقدن ابتساماتهن عند الفجر
يندبن بصمت أطفالاً سقطوا 
لم تبق لهنّ حنجرة ولا مقلة.
إنهن أجمل الأمهات يا حسن 
بملابس الحداد التي بليت 
الباكيات مثل مريم حاضنةً جسد ابنها المجروح
من حولهن ترتفع جدران دمار عظيم
ينتظرنك أن تكتب لهن قصيدة أسى
تفيض بصوتك الأثير
يا حسن.
 

إنها أرضنا يا محمد
مثلما صرخت مرة بجنود غرباء
الأرض التي  تكاد تفقد ذاكرة أبنائها. 
إنها قرى جبل عامل 
تنفرط مثل عنقود يا عصام
لا عرائش ولا عنب ولا خمرة تنتظرها دنان
الدخان يتصاعد من السقوف الحمر
والسهوب تتموج تحت ألسنة اللهب 
التراب لم يعد يتسع لزوار الغفلة
المتساقطين مثل سنابل شمس عند صحوتها.
 

مائدتكم واحدة في آخر الليل
خبزكم واحد
كأسكم واحدة
وفي الفجر معاً تستيقظون
على أذان فجر صنوبر الخيام
تشربون كوب حليب الضوء.
في النهار يقودكم شعاع لا خط له
وإليكم  تتناهى ضوضاء صمت 
وإذا ما أصابكم سأم إلهي
إذا ما حل بكم حنين أصم
إذا ما مر بكم هواء الصنوبر
تكتبون قصائد 
بلا ورق ولا حبر
تكتبون إشراقات روحكم 
التماعات أسرار ما وراء الليل 
تجليات الشوق المضني
إلى ماض كأن لم يكن
تأسرون غبطة العودة
حبور الإنتظار تحت شجر السرو
نداوة النبع المتلالئ في الظهيرة
قرب بقايا الدردارة.
 

ستكتبون قصائد 
يحملنا إلينا هواء حامض
نقرأها بحرقتها
نشم فيها أديم أجسادكم
نلمح بريق عيونكم في ليل أزل
نلمس حيرة الوجود في رفيف أنفاسكم.
 

أنتم هناك
أبعد قليلاً أقرب قليلاً
النار التي أحرقت أجداثكم
لم تحرق أطيافاً لكم تهب كل ليلة
إننا نسمع وقع خطاكم في هواء بيروت
عندما تأتون في زيارة خاطفة
لا تطرقون باب أحد
لا تفوهون بكلمة
وحده الشوق يقطر من عيونكم.
إننا نراكم بعيوننا
بعيونكم نراكم
بعيونكم المسورة بملح بحر بيروت.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث