كتب الباحث محمد السعدون في فايسبوكه: من نادي الضباط إلى مزاد كريستيز: أين اختفت لوحة فائق حسن بعدما سحبت من المزاد؟ وقال: أكتبُ مجدداً بشأن سحب لوحة للفنان فائق حسن من مزادٍ أقيم العام 2017، إذ لم تُعَد اللوحة إلى العراق قط بعد استبعادها من البيع. وليست هذه اللوحة الوحيدة لفائق حسن التي تعرضت للسرقة، بل ثمة أعمال أخرى؛ فقد طاولت عمليات السرقة هذه أيضاً أعمالاً مهمة لفنانين رواد، وهي أعمالٌ ظهرت -ولا تزال تظهر- معروضةً للبيع في المزادات.
في مارس/آذار 2017، سحبت دار كريستيز لوحة زيتية للفنان العراقي الكبير فائق حسن (1914–1992) من مزادها في دبي. كانت اللوحة، المؤرخة عام 1968 والمسجلة بعنوان Untitled، مقدّرة بما بين 400 و500 ألف دولار، وتصور القائد صلاح الدين، ولعل موضوعها ارتبط بمعركة حطين، فيما رأى آخرون أنها ربما تصور معركة ذات الصواري. لم يكن سحب اللوحة إجراءً عادياً؛ فقد جاء بعد اعتراضات من الجانب العراقي أكدت أن العمل من ممتلكات الدولة العراقية وأنه سُرق من من نادي الضباط في بغداد وهُرّب إلى خارج العراق.
لكن السؤال الأخطر ليس: لماذا سحبت كريستيز اللوحة؟
بل: ماذا حدث لها بعد سحبها؟ وأين هي الان؟
أنا شخصياً شاهدت هذه اللوحة في نادي الضباط بمنطقة الكسرة في بغداد عندما كنت طالباً في معهد الفنون الجميلة، كما شاهدها آخرون في النادي خلال فترات مختلفة. وهذه الشهادة المباشرة تكتسب أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بإثبات وجود العمل ومكانه السابق، خصوصاً أن عدداً من الفنانين والمهتمين بالفن العراقي أكدوا أيضاً أنهم شاهدوا اللوحة في نادي الضباط.
ويؤكد قاسم سبتي أن جمعية التشكيليين العراقيين تدخلت في العام 2017، وقدمت توضيحاً لدار كريستيز حول ظروف اللوحة، وهددت بإحالة القضية إلى القضاء إذا لم تُسحب من المزاد، باعتبارها عملاً مسروقاً من نادي الضباط. وبالفعل سُحبت اللوحة.
هنا تبدأ القضية الحقيقية الغامضة!
إذا كانت جمعية فنية عراقية استطاعت تقديم ما يكفي لإقناع دار مزادات دولية بسحب لوحة تقدر قيمتها بنحو نصف مليون دولار، وإذا كانت الجهات العراقية قد اعتبرت العمل من ممتلكات الدولة، فلماذا لم تتحول عملية السحب إلى مطالبة رسمية باسترداد اللوحة؟
من أين خرجت اللوحة؟
شهادات عدد من العراقيين تشير إلى أن اللوحة كانت ضمن مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية المعروضة في نادي الضباط القديم، ثم في نادي الضباط الكبير أو نادي القادة في منطقة الكسرة. ويذكر محمد زناد، وهو صاحب غاليري سابق في بغداد ومقتنٍ للأعمال الفنية، أنه شاهد اللوحة في نادي الضباط القديم في مطلع الثمانينيات، ثم شاهدها لاحقاً في نادي القادة بالكسرة، وأن آخر مكان عُرضت فيه كان ذلك النادي. كما تشير شهادات أخرى إلى أن مجموعة من الأعمال الموجودة في النادي تعرضت للاستيلاء بعد العام 2003، وأن اللوحة كانت من ضمنها.
إذا صح ذلك، فإن القضية ليست مجرد نزاع على ملكية لوحة، بل جزءاً من ملف أكبر يتعلق بمصير الأعمال الفنية العراقية التي اختفت من المؤسسات الحكومية والعسكرية والثقافية بعد عام 2003.
وهنا يجب طرح أسئلة واضحة:
متى اختفت اللوحة تحديداً؟
من كان مسؤولاً عن حفظها؟
كيف خرجت من نادي الضباط؟
من نقلها خارج العراق؟
من كان أول مالك خاص لها بعد اختفائها؟
وما الوثائق التي استُخدمت لإثبات شرعية ملكيتها؟
ما دور تجار الفن والخبراء؟
هذه القضية تفتح أيضاً ملفاً حساساً يتعلق بدور بعض تجار الفن والوسطاء والخبراء العراقيين في سوق الفن العراقي بعد العام 2003. هؤلاء لعبوا دوراً جوهرياً في الاتجار غير القانوني بالفن العراقي. لقد جنوا ثروات هائلة، مستغلين صمت الجهات العراقية وتجنبها فتح تحقيق ومحاسبة المتورطين في الاتجار بالموروث الثقافي العراقي.
السؤال الذي يطرح نفسه: كيف وصلت لوحة بهذه الأهمية إلى سوق دولي من دون أن يثير تاريخها المؤسسي أي علامات استفهام؟
من قام بإعداد ملف الـProvenance الخاص بها؟
من قدم المعلومات إلى دار المزاد؟
هل كان هناك تاجر عراقي أو وسيط أو مقتنٍ وراء عملية بيعها؟
والأهم: هل كان هناك من يعرف حقيقة مصدر اللوحة، لكنه التزم الصمت؟
لا يجوز اتهام شخص بعينه من دون أدلة ووثائق، لكن غياب التحقيق لا يعني أن الأسئلة يجب أن تختفي. على العكس، كلما ازدادت قيمة العمل، ازدادت مسؤولية المؤسسات والأفراد المشاركين في تداوله عن تقديم تاريخ ملكية واضح وقابل للتحقق.
شهادة تكشف جانباً أكثر إثارة للقلق
وردت شهادة من صاحبة غاليري، حنان نعومي، تعترض فيها على ما ورد في إصدار مطبوع "MAKO " ماكو العام 2023 بشأن مكان وجود اللوحة، وتذكر أن شخصاً عربياً ادعى ملكيتها وزارها بعد سحبها من المزاد، وقال إنه اشتراها. وعندما وُوجه بأن اللوحة كانت مرتبطة بنادي الضباط العراقيين، لم يتمكن، بحسب روايتها، من تقديم ما يحسم المسألة. إذا صحت هذه الشهادة، فإنها تطرح سؤالاً بالغ الخطورة.
كيف يمكن لشخص أن يصبح مالكاً لعمل سُحب من مزاد دولي بسبب ادعاء قوي بأنه من ممتلكات الدولة العراقية؟
وإذا كانت اللوحة قد بيعت لاحقاً مرة أخرى، كما ورد في هذه الشهادة، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحاً:
من سمح بإعادة طرحها؟ وعلى أي أساس قانوني؟ ومن قام بفحص provenance الجديد؟
أين الجهات العراقية؟
ربما يكون السؤال الأكثر إيلاماً في هذه القضية هو موقف المؤسسات العراقية.
الكاتب فاروق يوسف ذكر أن اللوحة عادت إلى الشخص الذي عرضها في المزاد، وأن الجهات الرسمية العراقية لم تطالب بها لأنها، بحسب رأيه، لم تكن تعلم بالموضوع ولم تكن مهتمة به.
لكن إذا كانت جمعية التشكيليين قد تدخلت ونجحت في سحب العمل، وإذا كان هناك اعتقاد بأن اللوحة من ممتلكات الدولة، فكيف يمكن أن تتوقف القضية عند باب المزاد؟
هل أُرسل ملف الملكية إلى السلطات الأردنية أو الجهات الدولية المختصة؟
وإذا لم يحدث شيء من ذلك، فلماذا؟
إن سحب العمل من المزاد لا يعني استرداده. السحب مجرد إجراء مؤقت يمنع البيع، أما الاسترداد فيحتاج إلى متابعة قانونية ومؤسسية ووثائق تثبت الملكية.
هل توجد اللوحة اليوم في عمّان؟
تداولت مصادر لاحقة معلومات تفيد بأن اللوحة قد تكون موجودة في عمّان لدى عائلة فلسطينية، كما وردت الإشارة إلى ذلك في إصدار العام 2023 لمطبوع ماكو "MAKO" بإشراف ضياء العزاوي. لكن هذه المعلومة نفسها تحتاج إلى التحقق، خصوصاً مع وجود اعتراضات وشهادات أخرى متناقضة حول هوية المالك ومكان اللوحة.
وهنا يجب التفريق بين المعلومة الموثقة والرواية المتداولة.
إذا كانت اللوحة في عمّان، فمن يملكها؟
وإذا لم تكن في عمّان، فأين هي؟
وإذا بيعت بعد سحبها، فمن اشتراها؟
ومن باعها؟
وبأي مستندات؟
وهل يعرف المالك الحالي تاريخها؟
تكمن أهمية هذه القضية في أنها تكشف مشكلة أوسع في تاريخ الفن العراقي بعد العام 2003. فقد اختفت أعمال كثيرة من المؤسسات والمتاحف والقصور والمباني الحكومية والمجموعات العامة، وانتقل بعضها إلى أسواق خارج العراق.
وبذلك أصبحت البروفينانس provenance-، أي تاريخ ملكية العمل وانتقاله من يد إلى أخرى، مسألة مركزية في حماية الفن العراقي.
ولا يكفي أن يكون العمل أصلياً من الناحية الفنية؛ يجب أن يكون مشروعاً من الناحية القانونية أيضاً.
كما أن المقتني الذي يدفع مئات الآلاف من الدولارات في عمل فني عراقي لا يستطيع ببساطة أن يقول: اشتريته من شخص ما. عليه أن يعرف من أين جاء العمل، ومن كان يملكه، وهل كان من مجموعة عامة أو مؤسسة حكومية أو متحف أو نادٍ تابع للدولة.
لماذا صمتت القضية بعد 2017؟
ربما يكون هذا هو السؤال المركزي الذي يجب أن يظل مفتوحاً:
لماذا تمكنت الجهات أو جمعية التشكيليين العراقيين من إيقاف بيع لوحة فائق حسن في كريستيز العام 2017، لكنها لم تتمكن أو لم تسعَ إلى استعادتها؟
هل كانت المشكلة في ضعف الوثائق؟
أم غياب جهة عراقية تتبنى الملف؟
أم ضعف المتابعة القانونية؟
أم تضارب المصالح؟
أم أن بعض الأشخاص الذين يعرفون تاريخ اللوحة فضلوا الصمت؟
ومن المهم أيضاً معرفة ما إذا كانت هناك مراسلات رسمية بين كريستيز والجهات العراقية، وما الذي طلبته الدار تحديداً قبل سحب اللوحة، وما الوثائق التي قُدمت إليها.
أما إذا ثبت أنها لم تكن ملكاً للدولة، فيجب نشر الوثائق التي تثبت ذلك بوضوح. إن لوحة فائق حسن ليست مجرد قطعة فنية تقدر قيمتها بنصف مليون دولار. إنها جزء من ذاكرة الفن العراقي، وشاهد على تاريخ المؤسسات الثقافية والعسكرية العراقية، واختفاؤها ثم ظهورها في سوق الفن الدولي يطرح سؤالاً أكبر عن مصير التراث الفني العراقي الذي خرج من العراق بعد 2003.
انضم إلى النقاش وشاركنا آراءك حول هذه القضية المهمة؛ فالمعلومات قد تساعد في استعادة هذا العمل الفني — أو غيره من الأعمال — للفنان العراقي الرائد فائق حسن وغيره من رواد الفن العراقي. إن الصمت وتجنب مناقشة هذه الأمور لا يؤديان إلا إلى تشجيع اللصوص على مواصلة الاتجار بالأعمال الفنية العراقية.




