"عقد الستينيات الفريد" لخالد زيادة: طرابلس مدينة العالم

أحمد زين الدينالأربعاء 2026/08/12
133-230252-modernity-arab-cities-khaled-ziadeh-2.jpeg
حجم الخط
مشاركة عبر

يأبى نص خالد زيادة الجديد "عقد الستينيات الفريد"- دار رياض الريس للكتب والنشر- أن يتموضع في خانة، أو يسلك طريق الأعراف والأساليب الكتابية، بل هو يراوغ على حدود الأجناس الأدبية. يحمل من كل جنس طابعاً، أو سمة معروفة عنه، أو وجهاً من وجوهه المألوفة، وتتوزع روافد عديدة تضفي عليه صبغة متعددة الألوان. فكما يمكن مقاربة الكتاب باعتباره سيرة ذاتية، يمكن الوقوف عليه أيضاً كوصف تاريخي واجتماعي لأحوال مدينته طرابلس، وربما يماثل في التراث العربي الإسلامي، ما كان يُطلق عليه "علم تقويم البلدان" حيث صيغت أحوالها وأوضاع قاطنيها بأسلوب أدبي جذاب. 

 

ولما كان العنوان يحدّد فترة زمنية، فإنه يترك انطباعاً بأن المقصود مرحلة حافلة بالأحداث والتحوّلات السياسية والاجتماعية، هي فترة الستينيات التي شهدت نشأة الكاتب. لذا فإننا نلمس في الفصل الواحد، أو في الصفحة الواحدة، تقاطعاً بين نظرة الباحث التاريخي الذي يعاين ما يجري من حوله، بعين المراقب الموضوعي، من جهة، ودهشة الفتى وفضوله المعرفي عهدذاك. أو هو يجمع بين ما تداوله الإعلام الدولي من أخبار حول أزمة الصواريخ الكوبية، وتداعياتها السياسية الخطيرة، وما انتاب جارته من خشية على ابنها الذي التحق بإحدى جامعات الولايات المتحدة الأميركية. 

يعيدنا الكتاب إلى ما طرأ في العالم من أحداث جسام طوال فترة الستينيات، وما تركته من أثر في نفس المؤلف وواقعه، وهو ينتقل من فترة الطفولة إلى فترة البلوغ.

يعيدنا الكتاب إلى ما طرأ في العالم من أحداث جسام طوال فترة الستينيات، وما تركته من أثر في نفس المؤلف وواقعه، وهو ينتقل من فترة الطفولة إلى فترة البلوغ. وإذا كان الكاتب قد وسم هذا العقد في عنوانه بالفرادة، فلأنّه كان حصيلة حقبة تاريخية مفصلية شهد إبّانها العالمُ نهوضَ تيارات فكرية راديكالية، اجتاحته، وغيّرت معالمه. وكانت الستينيات علامة على التغيير، والانتقال من فضاء سياسي واجتماعي إلى فضاء جديد معولم.  


وبقدر ما ينطلق خالد زيادة من ذاته، ومن سيرته، وذاكرته الشخصية، فإنه لا يدّعي أنه يكتب محض سيرة، إنما يقارب العصر ومخاضاته، من خلال عدسته الفردية التي لا تعني بحال من الأحوال طغيانها على المشهد العام. بل الأحرى أنّ نزعته التخصصية في التاريخ، جعلته يوازن بين مكنون الذات وتباريحها، والحدث التاريخي الماثل أمام الملأ بكل امتدادته ومفاعيله. وعليه ينعطف في كتابه إلى المجتمع ليلتقط تموجاته، لا سيما مجتمعه الطرابلسي الذي تمور وتتردّد في أرجائه أصداء الخارج، وخفقان الداخل، وإيقاع عائلته التي يشق أفرادها طريقهم إلى العلم والوظيفة، لينعكس كل ذلك على عقل الفتى الذي ينفتح على الحياة حينذاك. الفتى خالد الصغير بين إخوته وأخواته، ومنهم: طارق البعثي الذي يبث تعليقاته من إذاعة الحزب في طرابلس، ومعن أحد مؤسسي حركة القوميين العرب في المدينة، ومحمود الطفل الذي يحاكي بألعابه صناعة البنادق، والقنابل، والطائرات. 

خان الخياطين
خان الخياطين

ينتقل زيادة، من أجواء طفولته إلى فترة المراهقة، عبر المحطة الأثيرة في حياته وكتاباته، وهي مدينته طرابلس التي كرّس لها من قبل، ثلاثيته الشهيرة (مدينة على المتوسط). وعلى امتداد هذه الثلاثية تعرّفنا عن كثب على أسواقها، ومعاهدها، ومعالمها الأثرية، وبساتينها، ونهرها، وأسوارها، ومنعطفاتها، وحاراتها الشعبية، ومقاهيها، ومهنها، وحِرفها التقليدية. كان زيادة منكبّاً على فهم أكثر دراية وتعمقاً بمسار البنية المعمارية، في مدينته المتوسطية العريقة، وما طرأ عليها من تبدّل، وتطوير، فرضته الحداثة الوافدة التي أفضت إلى زعزعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية القديمة، والانعتاق من الأغلال العائلية الموروثة. وانعكاس هذا التحديث على الدور، أو الأدوار التي كانت تؤديها تلك العلاقات التي وصلت باستمراريتها ورسوخها مع الزمن، إلى التميّز الثقافي والطبقي بين الناس. وتزامنت هذه التحوّلات مع التطورات العالمية المتسارعة في حقول الابتكارات والاختراعات التكنولوجية، وتوسّع وسائل الإعلام، وتمدّد شبكاتها. 

 

وفي طرائق التربية والتعليم، وتقلُص الأعباء المنزلية الملقاة على عاتق المرأة، من دون أن تحررها بالمطلق من سطوة الواجبات المفروضة عليها. بيد أنّ بعضاً من هذه الابتكارات والسياسات التحديثية، تقع في نفس المؤلف موقع الشُبهة والظن. إذ إنّ التحديث يفترض أحياناً في رأيه، عملية عنت لتنفيذه، لا سيما أنّ هذه المستحدثات ذات منشأ دخيل على عالمنا. ورغم ذلك، وبتأثير عدوى الحداثة، وصلت موجةٌ عارمة تريد التخلّص من كل ما هو قديم في السلوك، والعوائد، وطرائق الاستهلاك. 


مع بلوغ المؤلف سن المراهقة بدأت صفحة جديدة من حياته، اتخذت منحى سياسياً يسارياً بحكم المناخ السياسي الذي كان يعيش في ظله هو وأخوته الكبار، وبحكم الأحداث الخطيرة التي شهدها لبنان والمنطقة العربية آنذاك. وكان أن انخرط زيادة في منظمة العمل الشيوعي الذي يقودها أحد أنسباء العائلة محسن ابراهيم الذي ذاع صيته في ما بعد. وكانت العلامة الفارقة، هي ما تركته قبل أعوام قليلة هزيمة حزيران 1967 من تصدّع ومرارة، وتداعيات مؤلمة في الحياة السياسية العربية، وظهور المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان. 

منطقة التل في الستينيات ويظهر أوتيل رويال طرابلس
منطقة التل في الستينيات و يظهر أوتيل رويال طرابلس

يبدو نص خالد زيادة الذي بين أيدينا، فرصة أتاحت له بعد انقضاء سنوات طويلة، مراجعة تجربته الحزبية التي لم تُنجز، ولم تتمظهر بشكل كامل، ما جعله يضع يده على مواطن الضعف في أداء حزبه والأحزاب العربية التي أخفقت في ترجمة أفكارها ومبادئها، إلى مشاريع وخطط عملية. بل، وفي حين تُغفل هذه الأحزاب، أو لا تبالي بوطأة المشكلات الاجتماعية، مثل البطالة، والهجرة، والنزوح، وتفكّك الأسرة، فإنها ترفع في المقابل "الكثير من الشعارات والخطب والقليل من السياسة". كما يقول المؤلف. 

 

وعلى خلاف التيار السائد لعسكرة الأحزاب القومية سليلة الفاشية وعاشقة السلطة، كما ينعتها، لم يتنكّب زيادة المحازب في مطلع شبابه طريق العسكرة هذه، وتخلى عن البندقية، مؤثراً عليها الكتاب، لأنّ البندقية ليست مهنته، محتذياً عنوان قصيدة محمد الماغوط "الفرح ليس مهنتي". واستكمالاً لهذا النهج اللاعنفي، والمثمر ثقافياً اصطفى لنفسه أن يسلك مسلك ما يسميه انطونيو غرامشي: مفهوم المثقف العضوي، الذي يمتلك النشاط الفكري الواعي، والذي يوجّه ويضبط المجتمع، بصرف النظر عن الطبقة والدين. ويتهم زيادة الحزبيين بأنهم لم يكونوا يقرأون. وجلّ ما كانوا يطّلعون عليه هو خطب زعمائهم الرنّانة. وقلما أبِه المؤلف بموجة الشعر الفلسطيني، أو مجّد شعر المقاومة. 

من أسواق طرابلس الستينات
من أسواق طرابلس الستينات

وفي فترة المراهقة وصبواتها التي يتحدث عنها بخفر، يحجب زيادة عن قارئه أو يكاد، وصف الجانب الوجداني العاطفي الخالي من خوض أية مغامرة نسائية، ولعل طغيان الحدث السياسي المنهمك في تشريحه، هو الأصل، والدافع إلى الكتابة. وعليه تبدو "رسالة نوال" التي عنون بها المؤلف الفصل ما قبل الأخير من كتابه، أشبه بوردة في حقل أشواك، ظهرت واختفت بغتة. أما هند التي رمت له برأس خيط خفي، فتركت هي الأخرى وراءها أجوبة مبهمة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث