المذكرات على الطريقة اللبنانية

محمد حجيريالثلاثاء 2026/08/11
الحرب الأهلية بريشة رفيق شرف
الحرب الأهلية بريشة رفيق شرف
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ نهاية الحرب اللبنانية العام 1990، قرأنا عشرات بل مئات كتب المذكرات التي تتناول السياسة والحرب في لبنان، تقع بين أوجه واتجاهات عديدة. فإما أن يكون السياسي متقاعداً، ويدلف ما في جعبته وبطنه على الأوراق والدفاتر قبل أن يمضي أو يغادر إلى العالم الآخر، أو يذهب صامتاً ويدفن سرّه معه ويترك للأقلام محاولة استقراء التخمينات حوله.. أو تكون المذكرات أشبه بالفولكلور، يغلب عليها منحى التكريم بإزاء خلوّها من أي فقرة إشكالية أو حساسة ولا طعم لها ولا رائحة ولا لون.. 

 

أو يحاول السياسي استنباط شيء من الماضي من أجل توظيفه في مستقبله السياسي أو في جمعية يعمل فيها أو يسوق لها، وبالتالي تخضع مذكراته لمجموعة اعتبارات، من التسييس والتوجيه والتشذيب إلى التنميط، خصوصاً أذا كان الأمر يتعلق بفترة الحروب اللبنانية الدقيقة المتناسلة والأسرار الدفينة والغرف السوداء... وتصبح كتابة السردية، مثل جمع الوثائق والمستندات وتصديرها إلى الأرشيف أو المتحف. فهي في أبسط الأحوال تخضع لمنطق السلطة المسيطرة، لا المعرفة، سلطة الذات وسلطة الحزب،  أو تخضع لمنطق البطولة والهيمنة وتقصي كل ما يعكر صفوها السياسي. وبالتالي يتحول كاتب المذكرات إلى بطل، يطعّم سرديته بتوابل "النقد الذاتي"، ويعطي الدروس والعبر للآخرين، ويتلقى من المحيطين به كلمات الإكبار والاعتزاز والفخر. 


لن ندخل في الأسماء، ذلك أن الكثير من التجارب متشابه، ومن يسلك طريقاً مغايرة، تعرّض للمقاطعة أو اللوم. ويصعب رصد نواحي المذكرات في مقال واحد، وهي كثيرة وصارت تأخذ حيزاً كبيراً في السنوات الأخيرة، سواء في الكتب أو البرامج التلفزيونية أو الإنترنت والبودكاسات، وقبلها الصحف المطبوعة والمجلات. وكل محارب أو سياسي يمكن أن يدلي بدلوه، خصوصاً بسبب الانشقاقات الحزبية والانقلابات الكثيرة والاغتيالات والخسائر والإحباطات وإلقاء السلاح وصراع البقاء من جهة، والمواجهة من جهة ثانية. 

 

والانهيارات وتفكك الأيديولوجيات وسقوط الأحلام الكبرى، من القوميات إلى الاشتراكيات، كلها أمور ساهمت في إنتاج أنهار من المذكرات والذكريات الضخمة، والجانب الأبرز منها أنه حين يُحشر كاتب المذكرات في سرد محطات تاريخية أو احترابية لا تتناسب مع حاضره وسياسته الراهنة، ينسبها إلى "مرحلة الأخطاء" و"الدفاع عن الوجود" وعدم الدراية بما كان يحصل في الميدان، وربما يفاخر البعض بإجرامه. وهذا لا يتعلق بسياسي معين ولا بحزب محدد، فغالبية الأحزاب اللبنانية غرقت في مستنقع الحرب وتمويلها والمشاركة فيها، إلى جانب تعاونها مع مخططات إسرائيل وسوريا في لبنان. حتى الذين يدعون العفة والطُّهر في الواقع هم مشاركون في آثام كبيرة. بعضهم، إن لم يشارك في قتل الآخر، شارك في قتل رفاقه وإخوته. كانت سنوات الحرب بلا أي رادع أخلاقي أو قانوني، لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص، هي سنوات البرابرة الذين ما زالوا يحكموننا.


ربما يجدر بنا الآن طرح مجموعة من الأسئلة: هل مَن يجرؤ على الاعتراف باغتيال الشاعر موسى شعيب؟ مَن يجرؤ على الاعتراف باغتيال الشيخ صبحي الصالح، أو الشيخ محمد عساف؟ مَن يجرؤ على الاعتراف باغتيال بلقيس الراوي؟ مَن يجرؤ على الاعتراف باغتيال السياسي داني شمعون أو الكاتب مصطفى جحا أو المنظّر مهدي عامل؟ مَن حاول اغتيال طلال سلمان؟... 

 

عدا الطمس في معظم الجرائم والاغتيالات والحروب في لبنان، هناك أمر ما يتعلق بعدم المحاسبة. لا سلطة مركزية تفرض القوانين وتحاكم مجرمي الحرب. أو تُعتبر الجماعات الحزبية/الطائفية كلها قاتلة، أو مشاركة في الاغتيالات والقتل، فيكون المَخرج-الفضيحة: "تعالوا نطوي صفحة الماضي"، ويكون الحل بإصدار العفو العام، وهذا ما حصل بعد الحرب مباشرة. طبعاً الماضي لا يمضي، بل يوضع في الثلاجة ويستخدمه البعض وقت الحاجة، خصوصاً في موسم الانتخابات وتجديد عمر السلطة. مرة تحت مسمى المصالحة والعيش المشترك وكلنا أخوة، ومرة تحت عنوان الدم الذي لا يصبح ماء. المحنة الأخرى أن أمراء الحرب جميعاً مرتكبون، لكن بعضهم جسمه لبّيس أو هكذا يظنه الجمهور، والبعض الأخر لديهم قدرة فائقة على التملص من أي شيء.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث