أيّ شعور نبيلٍ يراود ويستحوذ على المرء وهو يرى الجلاد أو الجلادين السفاحين بالأمس وقد انقلبت بهم أحوال الزمن والتاريخ والسياسة أن يدخلوا الأمكنة ذاتها التي حشروا فيها ضحاياهم وقد كانوا في ذروة النفوذ والتسلط الوحشي الأقسى على رقاب البلاد والعباد، على رقاب الشعب المنكوب والذي حوّل نكبته وخوفه وسجنه الكبير إلى ثورةٍ عصفت بأركان أولئك المتربعين عنوة وقسرا على عرش السلطة والقمع والمال.
الجلادون والسفاحون الذين كانوا الصناعة الثقيلة الوحيدة التي أتقنت بعض الأنظمة العربية وغير العربية إنجازها الوحيد ليحتل المرتبة الأولى في راهنِ الكوكب البشري وربما في التاريخ؟
أي مشاعر تحتل المرءَ الحالم بالعدالة التي كانت تصوُّرها ضمن تلك الأجواء المكفهرّة الجَهمة المحاصرة أيما حصارٍ محْكم، مستحيلة أو شبه مستحيلة؟
أي مشاعر وأحاسيس وهواجس للضحايا الذين طوّح بهم قدر القمع البربري بين التصفية الجسدية والمعنوية في السجون التي اختزلت البلادَ طولا وعرضا بجوار المقابر الجماعية التي تكشفت لاحقا على نحو مَهول، وبين التشريد والاقتلاع المليوني داخل البلاد وخارجها في أصقاع المحيطات والمدن والعالم؟
إنها البرهة المحتدمة التي بدأت تنتصر فيها طلائع العدالة وأحلامها الإنسانية والقانونية وتلك الوجوه الجريحة شاخصةً نحو الحياة والمستقبل.
هذا ما نشاهد بدايته في سوريا العزيزة.
إنها اللحظة المهيبة التي تذرف فيها العيون دموع عذاباتها المتراكمة والأمل.
"ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب"
وهنيئا للشعب السوري، هنيئا له اللحظة الراهنة فقد بدأ الانتصار حين رحلت تلك الزمرة الإجرامية تحت زلزال الشعب السوري الأبي باتجاه أفق آخر.




