- "ليست الحياة إلا حكاية يرويها معتوه، ملؤها الصخب والعنف ولا تعني أي شيء" (مكبث)
"كلّو مكئّب يا معلّم"، بهذا توجّه شاب ثلاثيني إلى صديقه، عطفاً على ما تداولته العيون والآذان من مشهد مكفهر عند تقاطع شارعي الحمرا-عبد العزيز في بيروت.
ما ينطبق على شارع الحمرا في هذا الصدد ينطبق على شوارع العالم كله، بالنسبة إلى جوناثان سادوفسكي مؤلف كتاب "إمبراطورية الإكتئاب"، حيث القراءة التي تقارب في بعض متونها السرد الروائي المتشعب والممتع إلى حدّ كبير. (جوناثان سادوفسكي – إمبراطورية الإكتئاب / تاريخ جديد – منشورات صفحة سبعة – ترجمة نور محمد العربي).
لا يقارب سادوفسكي الإكتئاب كواقعة مرَضية فردية، إلا حيث تقتضي حاجات المتابعة والتحليل، فمقاربة الإكتئاب من وجهة نظر أنثروبولوجية تحتلّ الحيّز الأوسع في هذا العمل التاريخي والإجتماعي بالدرجة الأولى. حتى البيولوجيا في هذا السياق هي أقرب إلى معطى ثقافي تحتّمها هذه البيئة الاجتماعية أو تلك، وليس ذلك الخراب الكيميائي الذي قد يعتري الذهن أو الجسد إلا انعكاساً في بعده الأعمق لخراب المجتمعات. وبالنسبة إلى "إمبراطورية الإكتئاب"، ليس الخراب الكيميائي هذا إلا انعكاساً لخراب العالم عن بكرة أبيه وهو ما يضفي سمة الإمبراطورية على الإكتئاب في العالم الحديث.
على الرغم من إيلاء سبل تشخيص الإكتئاب أهمية قصوى في الكتاب، إلا أن تعقّب الإكتئاب، كما مارسه المؤلف في كتابه هذا، ينتهي إلى أن كل هذه التشخيصات هي مجرد حقائق مؤقتة لا تعرف الثبات، حقائق غالباً ما يعتورها الكثير من النقصان. ذلك أن الإكتئاب تاريخياً تراه يمتلك تلك القدرة الهائلة على تغيير ملامحه بحيث يجيد بخبث لا حدود له، تلبّس البيئات التي يحلّ بها كضيف غير مرحّب فيه، ومع هذا تراه يتشبّث بكل وقاحة كأنه هو سيد الديار.
تشكّل عبارة مكبث أعلاه الخلفية البارزة لمقاربة العالم في كتاب "إمبراطورية الإكتئاب"، فتجذّر الإكتئاب في مجمل حقب التاريخ يؤكّد هذه العبارة بدقة، بل وتراه يردفها بكل أسباب الصحة واليقين، بصرف النظر عن المسميات التي أُطلقتْ على هذه الحالة النفسية طيلة حقب التاريخ... إلى أن وُسمتْ بكلمة إكتئاب في منتصف القرن الثامن عشر كما يخبرنا سادوفسكي عبر ملاحقة بوليسية الطابع لكل أشكال الإكتئاب ومسمياته منذ اليونان وصولاً إلى قرننا الحالي.
على الرغم من شيوعها فإن كلمة "إكتئاب"، كما يرى إلى الأمر جملة من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيين، لا تفي تلك المشاعر التي تداخل الإنسان المكتئب حقها، فـ"مرض الحزن العظيم" هذا كما جاء في كتاب سادوفسكي، هو دعوة إلى الغوص في غموض لا يمكن إدراك كنهه بالحد الأدنى من الإدراك، وليس من باب العبث في هذا الصدد أن يصار إلى اعتبار كل حالة إكتئاب، حالة محض فردية، بحيث لا يمكن موضعتها في سياق تشخيصي عام. فنحن في هذا العالم إزاء إكتئابات لا حصر لتنوعها، ولسنا بصدد إكتئاب معمم. إنه العالم، العالم الحديث بشكل خاص، والذي يستوجب كبش فداء لا حدود جغرافية له فوق هذه الأرض.
وبناءً عليه، لم يتوان جلّ هؤلاء الذين تعقّبوا آثار الإكتئاب في العالم، عن الإجماع على أن التشخيص الأجدى للإكتئاب هو ذلك الذي يحصل فوق أرصفة المدن وطرقها وفي قاعات الإنتظارات في مطارات العالم وفي محطات انتظار القطارات، وصولاً إلى أمكنة التسوّق والساحات العامة ومجمل تجمعات البشر. فتلك "العشوائية المنضبطة" التي ينطوي عليها الإكتئاب كواقعة كوكبية تسوق تشخيصات الغرف المغلقة والمصحات العقلية إلى غموض يلفّه غموض من كل حدب وصوب. ففي حضرة الإكتئاب، العالم كله هو بمثابة غرفة واحدة تغرق في عتمة لا تعرف قراراً، وليس من الغرابة في هذا الصدد أن يتحوّل البروزاك (العلاج الأشهر للإكتئاب) نجماً عالمياً منذ ثمانينات القرن العشرين، وهو ما يشي بأن البشر في مواجهة يومية مع العالم، وليست كل تلك الوعود التي تقطعها العلاجات إلا السبل التي يراد عبرها معايشة ذلك الوحش الكاسر والذي يسمى الإكتئاب. وهو الباب الذي من خلاله أولى مؤلف "إمبراطورية الإكتئاب" أهمية فائقة لمذكرات الإكتئاب، كإشارة منه إلى توغّل هذا الوحش بما يفوق التوقعات، حيث إحدى عبارات بودلير تشكّل لدى عديد مكتئبي العالم بوصلة الوصول إلى ميناء الخلاص..."أيها الموت، أيها القبطان العتيق، حان الوقت فلنبحر، هذه البلاد تضجرنا، أيها الموت فلنقلع". إنها عبارة، وإن لم تذكر صراحة في كتاب سادوفسكي، لكنها لا تني تتوثّب في كل فصول الكتاب وصولاً إلى الفصل المخصص في الغوص عميقاً في انتحار الكثيرين مثل فرجينيا وولف وسيلفيا بلاث، فضلاً عن انتحار غيرهما ممن قد فشلوا في تبني تلك المراوحة القاتلة بين مزاجهم الشخصي ومزاج العالم شديد المقت والمنحاز أبداً إلى كل سبل السوداوية والأقبية المجهولة. وفي الذهن في هذا السياق بطل رواية "في قبوي" لدوستويفسكي، حيث تعقّب ذلك الوحش غير المنضبط الذي يسود العالم والذي يدعى الإكتئاب من تحت الأرض، من داخل قبو سري يحفل بكل ضروب الخوف والحزن واللامبالاة والإضطراب.
فعلى الرغم من أن الإكتئاب يعجّ بالعناصر غير الملموسة، فإنه يشكّل وثيقة واضحة للإنتساب إلى هذا العالم، حيث الإنسان هو مجرد حقل تجارب لجملة من المشاعر المرهقة والآمال المنتظرة بلا طائل، وحيث ذلك التداخل الفج بين التاريخ العام للعالم والتاريخ الشخصي المتربّص عند كل زاوية من زوايا الدماغ. غالباً ما يسوق الإكتئاب ناسه إلى صمت لا قعر له، إلا أنه صمت مدوٍّ تراه يستجدي العالم بالقول: أرجوك ألا تقسو علي. ومذكرات الكاتب الأميركي وليم ستايرون، حول معاناته مع الإكتئاب تحت عنوان "الظلام المرئي"، هي تجلّ لذلك الإستجداء الذي يتوسّل الحد الأدنى من الخلاص.
عبر ملاحقته مسارات العلاج من الإكتئاب، يؤكد كتاب "إمبراطورية الإكتئاب" أن غالبية مسارات هذا العلاج تستبطن دعوة المكتئبين للتوافق مع يوميات العالم. بيد أن ثمة سؤال لا يني هذا الكتاب يطرحه وهو: ماذا لما تكون يوميات العالم برمته عرضة دائمة للإكتئاب؟ قد يكون العلاج من الإكتئاب بمثابة قطعة الحلوى التي يجب على إنسان العالم الحديث تناولها بغية التخفيف من طعم عفونة العالم، لكن هذا العلاج أو ذاك هو في المآل الأخير أقرب إلى تلك الطبطبة فوق جسد اليأس والملل والحزن والتوتر، وصولاً إلى الطبطبة على جسد الموت الذي تراه يلوّح عبر دعواته الواضحة تارة، والمترددة تارة أخرى، إلى الإنتحار.
بعد تلك الرحلة الشاقة في متون إمبراطورية الإكتئاب وملاحقته له عبر التاريخ الاجتماعي والأدبي والسياسي للبشر، ينهي سادوفسكي كتابه بعبارة لعالمة الاجتماع الأميركية جوديث شكلر صاحبة مفهوم "ليبيرالية الحزن"، والتي تقول: لن نتوقف على الأرجح عن الكتابة عن الإكتئاب.




