"شديد" لـبو كلثوم... أن تملك نفسك عند الغضب

بدر العقبانيالأحد 2026/08/09
بو كلثوم
الغضب في الراب، من ديترويت إلى دمشق، ابن العار قبل الفقر
حجم الخط
مشاركة عبر

تحكي الخرافة القديمة أن عقرباً رجا ضفدعة أن تحمله فوق ظهرها لتعبر به النهر، فلما توسطت الماء لدغها، وغرقا معاً وهو يهمس معتذراً: "سامحيني، هذه طبيعتي". تسأل الحكاية سؤالها الأبدي: هل العنف طبيعة لا سبيل إلى تغييرها؟ يصدر مغني الراب السوري بو كلثوم ألبومه الجديد "شديد" (2026) وكأنه يجيب عن السؤال بأغانٍ سبع هي: "مليون بني آدم"، "ما أخاف"، "نوبودي"، "أكره"، "غادر"، "30.01"، و"إبن الزانية". استلّ العنوان من حديث نبوي متفق عليه: "ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"؛ وفي هذا الاختيار وحده تختصر سيرة كاملة، فتى دمشقي كاد الغضب يأكله، فأمضى ثلاثة عشر عاماً من المنافي يتعلم كيف يملكه.

 

طفل الحضرة وصبي التوصيل

وُلد منير بو كلثوم في دمشق، ونشأ في بيئة محافظة تعدّ الاستماع إلى الموسيقى ممنوعاً، فما بالك بامتهانها. غير أن البيت الذي حرّم الموسيقى أجاز الإنشاد؛ فالأم تحيي الحضرات والموالد بصوت يصفه ابنها بالجميل وتصطحبه إليها صغيراً، والأب يدير في سيارته أشرطة الراي (Raï) الجزائري وأغاني الشاب حسني. من هذين البابين الخلفيين تسللت الموسيقى إلى رأس الطفل، وكان دخوله الأول غرفة التسجيل عبر إعلان مدرسي اختير له مع رفاق الابتدائية؛ ظنّ يومها غرفة التحكم مقصورة طيار من كثرة أزرارها المضيئة، وقال لاحقاً إن شرارة تلك اللحظة ما زالت تعمل في داخله حتى اليوم.

أما ما بين الشرارة والاحتراف، فطفولة قاسية يختصرها في "دلوني": "ولاد حارتي كانوا يشمّوا غاز بين بعض / كنت مدمن ريتالين كان عمري 13 / على شفا الانتحار كان عمري 16 / كنت اشتغل صبي توصيل لحد ما رجليي يبسوا / لأصرف كل قرش تحت فراشي عوقت باستوديو". هكذا دخل الراب من باب الضرورة قبل الموهبة، لغةً تنجّي صاحبها من الجنون أو الجريمة، على حد تعبيره في أكثر من مقابلة.

 

لتلتة والرصاصات الأولى

مع اندلاع الثورة السورية أسس بو كلثوم مع وتر وهاني السواح (السيد درويش) ثلاثي "لتلتة" في دمشق، وسرت أغنيته "قوم وصلنا" بين السوريين سريان النار في هشيم الحنين، "ليك دمشق دانها سادة لغير ولادها ما بتسمع / هادا مو تراك موسيقي هادا طلب عفو من الوالدة". لم يسلم الصعود من النقد حيث لغته هي -حسب أحد المقالات- رصاصات ثقيلة لا تصيب دائماً وجرأة تروّض المحكية الشامية مما علق بها من رثاثة لغة الدراما التلفزيونية، تقابلها علاقة نوستالجية غير نقدية بالمدينة، وغياب هوية صوتية توازي فرادة اللغة. بدا الحكم قاسياً يومها، لكنه رسم من حيث لا يدري خريطة اشتغال الرجل للعقد التالي بأكمله، صار بناء الهوية الصوتية مشروع عمره.

 

المنفى مرتين

كان طالباً جامعياً في درعا حين انهار أمام مشاهد الموت الأولى، فنصحه طبيب بالرحيل بعيداً عن الحرب. غادر إلى الأردن عام 2013 وأقام فيها ثلاث سنوات، بدّل خلالها لهجته اتقاءً لعنصرية تجعل من السوري هدفاً مكشوفاً؛ يروي أن سائق تاكسي أنزله في منتصف الطريق رافضاً حتى الأجرة، لحظةَ انكشف أصله بمكالمة هاتفية من أخته، ويطوي التجربة في عبارة موجعة "نعيش الغربة أقصى في أراضٍ قريبة من أراضينا". بعدها كانت أوروبا عام 2016: شهر واحد في باريس، فمخيم لجوء هولندي وصفه بالمصفاة التي يمر فيها المرء فإما ينجو وإما لا: خمس نوبات هلع في اليوم، وأصوات في الرأس، وسنة وشهران أمام المحاكم قبل نيل الإقامة، وعرض عمل وحيد في متجر أحذية لرجل يحمل خلفه أحد عشر عاماً من العمل بالصوت. يقولها في وثائقي "جدار صوت" كما هي: "أنا هنا لست بو كلثوم، أنا مجرد رقم ولاجئ".

 

الألبومات الغاضبة

من قلب هذا العطب خرجت ألبومات بو كلثوم الغاضبة. أصدر من عمّان ألبومه الأول "أنديرال" (2015)، وأتبعه بـ"البعبع" (2017) منجَزاً بين الأردن وهولندا، مستأجراً غرفة بعيدة عن المخيم يسجّل فيها لياليَ متتابعة ليعود بعدها إلى سريره الجماعي. في "آلفا" قوانين الحارة وحراسة الشلة، وفي "قصة قبل النوم" أطفال سورية الذين "عاشوا سوا بعد الموت"، وفي "السود الجدد" يقلب وصمة اللجوء فيجعل من السوريين زنوج العالم الجدد. وتبلغ المرحلة ذروتها في "النيزك" الموسومة بلافتة Anger Issues (مشكلات غضب)، والمنفجرة في وجه الكوكب كله: "أنا كل التروما بتحكي بصوتي... هاتوا النيزك يمسحنا عن ضهر الكوكب".

 

يستحضر بو كلثوم هذا الغضبُ ما كتبه الطبيب النفسي الأميركي جيمس غيليغان (James Gilligan) بعد عقود من العمل مع أعنف السجناء، حيث العنف ليس رغبة في الأذى بقدر ما هو محاولة يائسة للهرب من إحساس قاتل بالدونية. تلك الخلاصة نفسها تشرح غضب إيمينيم (Eminem)، ابن ديترويت الذي ظل يصحو كل صباح، رغم المجد والملايين، على صورة الطفل المحشور في زاوية حمّام المدرسة؛ فالغضب في الراب، من ديترويت إلى دمشق، ابن العار قبل الفقر. على أن الفارق بين الرجلين أن بو كلثوم قرر مبكراً كسر السلسلة عوض توريثها: "عم حاول أكسر سايكل جيل"، يغني في "تغيرت"، مقتبساً من صديقه الراس جملة يقول إنها علقت في رأسه: "يا رب ألهمني أتغير قبل ما أخلق تغيير".

 

من الصراخ إلى الحضرة

بدأ التغيير من الصوت نفسه. بعد "البعبع" مباشرة أطلق "ترحال" مغنّاة بالكامل، وخاف يومها من محاكم الهيب هوب وحرّاس نقائه، إلى أن حسم الأمر بجملة واحدة هي مشروعه كله: "أنا مش رابر بهيب هوب سين، أنا فنان بعبّر عن تجربتي". توالت الأغنيات اللحنية ("زملوا" و"ليل" عام 2018)، وعاد إرث الأم المنشدة في سلسلة "حضرة" بمقاطعها الأربعة، حيث يعلن بلا مواربة: "رأيت الرب بعين عقلي أنا صوفي"، ويرثي زمناً "قتل الخير فينا يوم صلب الحلاج". وعندما أصدر "طالب" (2021) كان يخوض منذ سنوات علاجاً نفسياً بتقنية إزالة حساسية حركة العين وإعادة المعالجة (EMDR)، يستخرج به أصوات رأسه واحداً واحداً؛ فجاء الألبوم بيانَ مرحلةٍ قوامها تلقّي "كفوف الحياة" بلا شخصنة، وخلاصتها أن "كل نفس مسؤولة عن حالها". وبين الألبومين وسّع جمهوره بشارة مسلسل "بارانويا" ("عالي"، مطلع 2022) محتفظاً بشرعيته لدى جمهور الراب، وهي معادلة قلّما نجا بها أحد في هذا الفن.

 

بلغ هذا المسار ذروته الأولى في "دمية بلا خيطان" (أيلول/سبتمبر 2024)، الذي يعتبر أفضل إصداراته الطويلة إلى جانب "البعبع". يشرح العنوان بنفسه: "إذا بتركض للحرية كفاية، بتبلّش تشلح حالك"؛ فالمهاجر الذي قطع خيوطه كلها اكتشف في قلب الانعتاق ضياعاً مطلقاً، وأوروبا التي فتحت له بابها ظلت تدفعه بأسئلتها إلى زاويته: من أنت؟ من أين جئت؟ لذلك أمسك في خاتمة الألبوم ("صلّي") بالخيط الوحيد الذي أبى قطعه: الحبل الإلهي. وفي "وئدلي" يفتح الجرح العربي على اتساعه: "غزة دفعت الفاتورة". علاقته بالدين هنا ليست وعظاً ولا راية مرفوعة؛ إنها فيزياء شخصية خالصة: يستهل الألبوم بأبيات للفقيه ابن علوي الحداد، ويرى اللغة نفسها خلقاً إلهياً على مثال "كن فيكون": "لولا اللغة ما نجوت، ولولا اللغة ما كان لي علاقة مع ربنا". حتى نجاته من الجنون في المخيم عدّها عنايةً لا مصادفة: "كأنه الله عم يقلي: أنت عم تسعى، أنا حأسعى معك". وليس هذا التداخل بدعاً في جنسه؛ فقد سبق أن قرأ الراس العلاقة بين نص الراب العربي والنص القرآني بوصفهما انقلابية لغوية على السائد، تنهل من قدسية اللغة ذاتها.

 

يومك

في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 كان جالساً أمام شاشة الأخبار ساعةَ سقط النظام. اتصل بأخته الصغيرة وبكى طويلاً، وبعد ثلاثة أيام كتب "يومك" في أربع ساعات، عازفاً بنفسه الترمبيت (Trumpet) فوق تسجيلها: "إلي طول نهار بنكش صناديقك... كيف كنت أناديلك". والأهم مما قالته الأغنية ما قاله هو عن تلك اللحظة: سقط مع النظام اللومُ المتبادل الذي مزّق السوريين "فريقين وثلاثة وعشرة"، وصار ممكناً للمرة الأولى أن يواجهوا أنفسهم في مرآة غير مشروخة. ومن هنا تحديداً ينبغي أن يُسمع "شديد".

 

سبع مرايا للغضب الأخير

يفتتح الألبومَ "مليون بني آدم"، فاتحة عاشقة تبحث عن وجه واحد بين ملايين الوجوه وتسلّم القلب "لرب البشر"؛ تليها "ما أخاف" مع الأردنية الفلسطينية زين (Zeyne)، حوار حبيبين منهكين يعترف فيه بعطبه اعترافاً نادراً في فن قام على استعراض الصلابة: "عارف مو عدل، باين سهل أودعك، والحق معك". في "نوبودي" تبدأ المواجهة مع من يجرح ثم ينكر: "تجرحني وتقول إنك ما آذيت أحداً؟ حسناً، أنا لا أحد، ألم تكن تعلم؟" كما يقول مطلعها الإنكليزي. وتتصاعد القطيعة في "أكره" التي يستدعي فيها من التراث أبياتاً في الخذلان: "لا تبكِ قوماً ما لهم ميثاق... لا يخدعنّك في المعادن حسنُها، كم في المعادن زائفٌ برّاق"، لتنتهي إلى قرارها الفاصل: "سجّان، وهالحب أكره". وفي "غادر" يقلب التهمة على صاحبها: "يوم يعلاك التبرير، وبقصتك أنا الغادر"، حامداً ربه أنه "بلا لمبة يضيء". وتصل النوبة إلى "30.01"، التاريخ الذي قال في مقابلة إن حياته تغيّرت فيه للأبد من دون أن يسمّي الحدث؛ يبتدئها بحمد طويل صافٍ: "اللهم الحمد لك حمداً طيباً مباركاً يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك”، ويقفلها بشرط التنازل الوحيد: "عيني بعطيها، بس لو بتقدّر". وتأتي "ابن الزانية" آخرَ المطاف: شتيمة تُلفظ بلا صراخ، أقرب إلى حكم قضائي منها إلى نوبة غضب، يودّع بها من كذب وخان: "فيك تخسرني، ولا في عمره يجي يوم وأخسرني".

 

المفارقة الفنية أن هذا كله يصدح فوق موسيقى حالمة دافئة تكاد تبتسم، سول (Soul) رقيق وأوتار وبيانو ونفخيات، فيما الكلمات تقطر مرارة. وهو تناقض مقصود تماماً؛ يشرحه بقوله إنه اكتشف نسخة من نفسه "ما تحتاج تعيّط ولا تصرخ بالموسيقى"، نسخة تقول أقسى الكلام بكل هدوء "ومع ابتسامة عريضة". بهذا ينتقل الغضب من الجغرافيا والتاريخ، من جامعة الدول وتجار الميديا والنيزك المنتظَر، إلى الغدر الشخصي والخذلان الحميم؛ ويسري في الأغاني السبع خيطُ "الملامة" الذي طالما سرى في قاموسه ("قبل رمي الملامة إيدك عجروحي" في "ترحال"، و"عمين ترمي الملامة، ارميها عليّا" في "وليدي")، فكأنما الألبوم توزيع أخير للّوم قبل إقفال الدفاتر. قد يقرأ بعضهم هذا الانعطاف نحو الذات انسحاباً من الشأن العام في لحظة تحتاج فيها سورية إلى كل صوت، وللاعتراض وجاهته؛ إلا أن جوابه الحاضر يصعب ردّه: "أنا جاي من سوريا؛ إذا بتدوّر عليها، بتلاقيها بأي زاوية".

 

دكتور دري هذه المنطقة

ولا تكتمل الصورة بمعزل عن مرجعياته الأجنبية. عمل مع رابر بروكلين شون برايس (Sean Price) وعدّ التجربة حلماً تحقق، وجال أوروبا مطلع غربته مع دامون ألبارن (Damon Albarn) مؤسس فرقة غوريلاز، ويلخّص طموحه الإنتاجي بعبارة "دكتور دري (Dr. Dre) هذه المنطقة”؛ فولاؤه، كما يكرر، للموسيقى: منتجاً أولاً، ومؤدياً ثانياً. ومع ذلك لم يستنسخ أحداً من هؤلاء؛ خلطته التي تجمع الطرب والإنشاد والسول والفانك (Funk) فوق إيقاعات البوم باب (Boom Bap) العتيقة لا تشبه سواه، وقد قطع بها الطريق كاملة حتى وصل إلى توقيع إنتاجي يُعرف من أول جملة موسيقية.

 

وبفضل هذا التراكم استحق لقبه في المشهد: "أو جي" (OG)، صاحب الأقدمية والتأثير. فتح للراب المشرقي باب الغناء واللحن يوم كان الغناء تهمة تستوجب المحاكمة، وطبّع الحديث عن العلاج النفسي والهشاشة في فن قام على العضلات، ومدّ جسور التعاون في الاتجاهات كلها: مع الراس والفرعي وساطي وبوناصر الطفار والناظر ومليكة مشرقياً وويجز، ومع سمول إكس (Small X) وكوست (Koast) مغاربياً، وصولاً إلى زين في ألبومه الأخير. ويكفي النظر إلى الجيل السوري والعربي الجديد الذي صار ينشد ويلحّن ويداوي جراحه على الميكروفون، ليتبين أثر الطريق التي شقّها هذا الرجل وحيداً بين مخيم وغرفة مستأجرة.

 

العقرب الذي عبر النهر

لم يمت الغضب في موسيقى بو كلثوم؛ تهذّب فحسب، وتعلم الإصغاء إلى نفسه. الفتى الذي استدعى نيزكاً يمحو الكوكب صار رجلاً يفتتح أغانيه بالحمد، والصوت الذي هدر يوماً "لو بإيدي بقتلكم كلكم" بات يصرف غادريه بابتسامة أقسى من كل شتيمة. يرقّم ولاداته كما ترقَّم البرمجيات، حتى بلغ اليوم ما يسميه "منير 9.0": نسخة تملك نفسها عند الغضب. وعلى خلاف عقرب الخرافة، عبر هذا العقرب الدمشقي النهر فوق ظهور خساراته كلها ولم يلدغ أحداً، حتى نفسه؛ وهو الذي بحث عن وجه واحد بين مليون بني آدم، يبدو أن أول وجه وجده بعد كل هذا الترحال كان وجهه هو.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث